ساعتان من اللعب في الطبيعة تعيد البسمة لحياتكم

الأربعاء 26 يونيو 201907:24 م

يكفي أن تنظروا إلى عيون الأطفال المشعّة بالأمل وتنصتوا إلى ضحكاتهم وقهقهاتهم العالية، حتى تدركوا جرعة الفرح التي يختبرونها فور خروجهم من المنزل، حيث يركضون ويلعبون بحريّةٍ في أحضان الطبيعة، فأيّ شخصٍ يشاهد تصرّفات هؤلاء الصغار في الهواء الطلق، لا يحتاج لأيّ دراسةٍ أو دليلٍ علمي يؤكّد أن قضاء وقتٍ في الطبيعة هو أمرٌ حيويّ لصحّة الأطفال.

والحقيقة أنه عندما تُتاح للأطفال فرصة اللعب بحريةٍ في الطبيعة، يتصرّفون بشكلٍ أفضل ويكونون أكثر سعادةً، وأكثر ارتباطاً من الناحية الاجتماعيّة.

غير أن الطبيعة ليست مفيدة فقط للأطفال، بل هي "وصفة سحريّة" يلجأ إليها البالغون، للهروب من الضغوط اليوميّة والمشاكل الحياتيّة التي ترهق كاهلهم، وتجعلهم عاجزين عن التفكير بإيجابيّة، فيكون قضاء عطلة في أماكن طبيعيّة هو الحلُّ الأنسب لتفريغ التعب وشحن الجسم بالطاقة...

الطبيعة...وصفة الأطباء

بدأ الأطباء في جميع أنحاء العالم بوصف "قضاء الوقت في الطبيعة" كدواءٍ فعّالٍ ومجّاني لتحسين صحّة المرضى، ولكن السؤال الذي قد يطرحه البعض: كم من الوقت نحتاج تمضيته في الطبيعة كي نحظى بصحّةٍ أفضل، هل هناك جرعة محدّدة كحال أيِّ دواء في العالم؟

حاول فريقٌ تقوده مجموعة من الباحثين في المملكة المتحدة الإجابة على هذا السؤال، من خلال ما وصفوه بأنه بمثابة خطوةٍ أولى نحو التوّصل إلى نسخةٍ طبيعيةٍ من الإرشادات التوجيهيّة للنشاط البدني.

وفي الدراسة التي نُشرت في مجلة Nature في 13 يونيو 2019، أجرى الباحثون استطلاعاً شمل أكثر من 19 ألف شخص في المملكة المتحدة، حول الوقت الذي أمضوه في الطبيعة خلال الأسبوع الذي سبق تاريخ الاستطلاع، إلى جانب تقييم شعورهم بالصحّة والرفاهية.

قضاء عطلة في أماكن طبيعيّة هو الحلُّ الأنسب لتفريغ التعب وشحن الجسم بالطاقة

وقد وجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين أمضوا ما لا يقلّ عن 120 دقيقة أسبوعيّاً في الطبيعة لاحظوا تحسّناً في صحّتهم العقليّة والبدنيّة، مقارنةً بالأشخاص الذين لم يمضوا أي وقتٍ، ولم يكن مهمّاً تحديد مكان أو كيفيّة قضاء هاتين الساعتين، إذ تبيّن أن الكثير من المشي القصير بالقرب من المنزل، هو بنفس فاعلية المشي لمسافاتٍ طويلةٍ، في عطلة نهاية الأسبوع في الحديقة.

وتعليقاً على هذه النتائج، قال "ماثيو وايت"، عالم النفس البيئي في كلية الطب في جامعة إكستر: "ما أدهشنا حقاً أن هذه المسألة انطبقت على جميع فئات الناس، سواء كانوا رجالاً أو نساءً، صغاراً أو كباراً، ومنحدرين من مجموعاتٍ عرقيّةٍ مختلفة، حتى ناسب الأمر أولئك الذين يعانون من أمراضٍ طويلة الأجل"، وشدّد "وايت" على أن "الطبيعة ليست كحبوب الدواء التي يصفها لكم الطبيب ويجب أن تتناولونها بجرعاتٍ صغيرةٍ كلَّ يوم"، فالمهمّ، وفق رأيه، أن يصبح الوقت في الطبيعة جزءاً من أسلوب حياتكم وروتينكم اليومي.

فوائد جوهرية

هذه الدراسة تعتبر مجرّد خطوة أولى، نحو التمكّن من التوصية بأن يقضي الناس فترةً زمنيةً محدّدة كلَّ أسبوعٍ في الطبيعة.

وفي السياق نفسه، أظهرت أبحاثٌ أخرى أنه حتى الفترات الصغيرة التي يمضيها المرء في الطبيعة، يمكن بدورها أن تحمل فوائد صحيّة.

الطبيعة ليست كحبوب الدواء التي يصفها لكم الطبيب ويجب أن تتناولونها بجرعاتٍ صغيرةٍ كلَّ يوم فالمهمّ أن يصبح الوقت في الطبيعة جزءاً من اسلوب حياتكم وروتينكم اليومي

ففي إحدى الدراسات، لاحظ الأشخاص الذين يمارسون التمارين الرياضيّة لمدة 5 دقائق فقط في الطبيعة تحسّناً في ثقتهم بأنفسهم ومزاجهم، وهذا التأثير الايجابي يطال أيضاً البالغين الذين يشغلون مناصب شاقّة ومرهقة، بحسب ما أكّدته "كارولين شويلر"، مؤسّسة مركز "وايلدروك" للعب واكتشاف الطبيعة في فرجينيا،  بالقول: "بعد قضاء ساعةٍ واحدةٍ في الطبيعة، باتوا يضحكون ويبحثون عن المؤن ويجمعون الأشياء كأنهم في الخامسة من عمرهم".

وتشير مجموعة من الأدلة العلميّة إلى أن التواجد في الطبيعة (حدائق، غابات، شواطىء) مرتبط بصحّةٍ أفضل ورفاهية، على الأقل بين السكاّن ذوي الدخل المرتفع والمجتمعات المتحضّرة، بحيث تبيّن أن العيش في المناطق الخضراء، يخفّض من احتمال الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدمويّة والسمنة ومرض السكّري والربو وغيرها من الأمراض...

أكثر من مجرّد وقت محدد

بالنسبة لمسألة الـ120 دقيقة في الطبيعة ومدى التقيّد بهذا الوقت، توضّح المعالجة النفسية "جيسيكا موتينوت" أن أيّ إرشادات للطبيعة يجب أن تؤكّد أن هذا هو الحدّ الأدنى، وأنّ الناس سيستفيدون أكثر في حال زادوا الوقت الذي يمضونه في الطبيعة.

واعتبرت "جيسيكا" أن هذه التوجيهات يمكن أن تساعد الناس على فهم أنه لا يتعيّن عليهم الذهاب في رحلة تجديف في عطلة نهاية الأسبوع، للحصول على فوائد صحيّة، مضيفةً: "إذا كان بإمكانكم الوصول إلى حديقةٍ تضمّ بضع الأشجار، ولديكم من الوقت 15 دقيقة، فاذهبوا، لأنكم سوف تستفيدون".

من جهتها، أوضحت "باتريشيا إتش هاسباش"، وهي أخصائيّة في علم النفس ومعالجة بيئيّة، أن عملها مع العملاء يتجاوز مجرّد الحديث عن مقدار الوقت الذي يقضونه في الطبيعة: "من وجهة نظرٍ نفسيّة، فإنّه من المفيد إدراك العلاقة والتفاعلات بين المريض والطبيعة"، على حدّ قولها.

صحيح أن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق طبيعيّة يعرفون جيّداً أنّ الطبيعة جيّدة لهم، وسرعان ما يلجؤون إليها في عملية استشفائهم، لكن بعض الأشخاص قد يحتاجون لمزيدٍ من التوجيه.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت هاسباش: "يمكنكم اقتراح على الناس قضاء وقتٍ في الخارج، لكن أجد أنه بالنسبة لبعض الأشخاص، فإننا بحاجة إلى أن نكون أكثر توجيهاً فيما يتعلّق بوضع وصفةٍ طبيعيّةٍ".

وقد تشمل هذه "الوصفة" مطالبة الزبائن باستخدام جميع حواسهم أثناء وجودهم في الطبيعة، مثل ملاحظة أشياء، كطائر يطير أو سماع حفيف الأوراق أو شمّ رائحة الزهور.

فوائد صحية تتجاوز النشاط البدني

بعض الفوائد الصحيّة للطبيعة تعود إلى حقيقة أنّ الأشخاص يكون نشاطهم البدني أكبر عندما يكونون في الخارج.

لكن تؤكّد الأبحاث أنّ مجرّد الجلوس في الطبيعة، كما هو الحال مع Forest Bathing  أي قضاء الوقت أثناء التأمّل في الغابة، من شأنه تحسين الصحّة من خلال خفض نسب هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر)، تنظيم ضربات القلب، خفض ضغط الدم....

ومن الناحية النفسيّة، تشير "باتريشيا إتش هاسباش" إلى أنّ الطبيعة توفّر أيضاً استراحةً من ساعات "الاهتمام الموجّه" المرهِقة ذهنياً، وهو الوقت الذي نقضيه في التركيز على أعمالنا وشاشات الكمبيوتر والقيادة.

وتعليقاً على هذه المسالة، تقول "هاسباش": "عندما يقاطع الناس الاهتمام الموجّه، حتى مع أوقات قصيرة في الهواء الطلق، فإنهم يميلون إلى السماح بمزيدٍ من الاهتمام التلقائي، وهذا يصبح منعشاً للغاية عندما يتعيّن عليهم العودة إلى الاهتمام الموجّه".

هذه الفوائد لا يمكن الحصول عليها إلا إذا وضع المرء هاتفه الذكي جانباً، واهتمّ بالطبيعة اهتماماً كاملاً، ففي حال دخلنا في علاقةٍ مع شجرةٍ بطريقةٍ واعيةٍ، من خلال أخذ أنفاساً عميقة ونكون حاضرين تحت ظلِّ الشجرة، فسوف نحصل على فوائد أكبر بكثير جرّاء ذلك التفاعل.

وعن سرّ مساهمة الطبيعة في شفاء البشر من الناحية النفسيّة، ربما يكون السبب في الهدوء الذي توفّره الطبيعة، هذا بالإضافة إلى احتمال وجود سبب أكثر قدماً، يجعل الطبيعة تحظى بهذه القدرة الشفائيّة الهائلة، فالإقامة في المنزل معظم الوقت أو النظر إلى جهاز الكمبيوتر والهواتف الذكيّة هي أنشطة حديثة نسبياً بالنسبة للبشر وأسلافنا، لا سيما بالمقارنة مع ملايين السنين التي قضيناها في الخارج، والكائن البشري هو جزء من الطبيعة وتطوّر في أحضانها، لذا فإنه من المنطقي أنه سيكون أفضل حالاً عندما لا يكون بعيداً عنها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard