مستشفى في القدس يموت فيه الرضّع الفلسطينيون وحيدين من دون آبائهم

الثلاثاء 25 يونيو 201901:53 م

للوهلة الأولى، لا يبدو أيّ شيءٍ خارج عن المألوف في وحدة العناية المركّزة للأطفال، فما إن يدخل المرء إلى هذا القسم، حتى يلاحظ وجود 9 أسرّة تضمّ 9 أطفال حديثي الولادة، والأنابيب متّصلة بأجسادهم النحيلة، وبينما تنبعث من الشاشات أصوات الإشارات الإلكترونيّة الثابتة، تتحرّك الممرّضات من سريرٍ لآخر، أما طبيب الأطفال فيقوم بتعبئة بعض الأوراق، في حين أن علامات التعب تعلو ملامحه.

ولكن هناك أمراً مفقوداً: لم يكن هناك أيّ آباء داخل هذه الوحدة.

صحيح أنه طُلب من بعض الآباء الذهاب إلى المنزل للراحة، فيما البعض الآخر يحتسي قهوته بقلقٍ في الكافتريا الكائنة في الطابق السفلي، إلا أنه بالنسبة إلى رضيعين في هذا المستشفى الفلسطيني بالقدس، فإنه تمّت محاصرة والدة كلّ منهما لمدّة ساعةٍ ونصف، خلف خطوط الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة.

وقد يموت كلا الرضيعين في وقتٍ لاحقٍ، من دون أن تتمكّن الوالدتان من رؤيتهما على قيد الحياة مرّة أخرى، إذ يتمّ نقل الرضّع الفلسطينيين المصابين بأمراضٍ خطيرةٍ، من غزة الفقيرة التي مزّقتها الحرب، إلى مستشفى المقاصد حيث يموتون لوحدهم.


الحصار المفروض على الآباء

لا ينبغي أن يكون أيّ طفلٍ في أيّ مكانٍ بالعالم وحيداً، في الوقت الذي يكون فيه بأمسّ الحاجة لأبيه وأمه...

صحيح أنه في بعض الأحيان، تسمح إسرائيل بخروجٍ مؤقّتٍ من غزة لأسبابٍ صحيّةٍ، ولكن هذا لا ينطبق على جميع الحالات، إذ أن السلطات الإسرائيليّة تمنع أو تؤخّر عملية مغادرة الكثير من الآباء، أما بعض الأهل فيمتنعون من تلقاء أنفسهم عن طلب الإذن للمغادرة، خوفاً من أن تؤدّي عمليات الفحص الأمني المكثّفة إلى تعطيل إذن الخروج لأطفالهم.

وقد أوضحت صحيفة الغارديان البريطانيّة أنه منذ بداية العام الماضي، تمَّ فصل 56 طفلاً من غزة عن أمهاتهم وآبائهم، وبحسب ما كشفته المستشفى فقد توفّي 6 منهم دون حضور أحد الوالدين.

لا ينبغي أن يكون أيّ طفلٍ في أيّ مكانٍ بالعالم وحيداً، في الوقت الذي يكون فيه بأمسّ الحاجة لأبيه وأمه

وفي إحدى الحالات، سُمح لأُمٍّ من غزة تبلغ من العمر 24 عاماً، بالسفر إلى القدس لتلد ثلاثة توائم يعانون من حالةٍ صحيّةٍ حرجةٍ للغاية، قبل شهرين من موعد الولادة، وكان وزن اثنين منهم أقلّ من كيس سكّر.

غير أن تصريح الوالدة "هبة سويلم" قد انتهى وكان عليها العودة إلى غزة، وبالتالي فإنها لم تكن حاضرة عندما توفّي طفلها الأوّل الذي يبلغ من العمر 9 أيام، كذلك لم تكن متواجدة عندما توفي طفلها الثاني بعد أسبوعين.

أما بالنسبة إلى الطفلة الناجية "شهد" فقد أمضت الأشهر الأولى من حياتها في رعاية الممرّضات، ولم تتمكّن "هبة" من رؤية طفلتها إلا عن طريق مكالمات الفيديو، وعندما كانت الطفلة "شهد" مستعدّةً للخروج من المستشفى منذ فبراير الماضي، لم يستطع أيُّ فردٍ من العائلة اصطحابها إلى المنزل.

وفي هذا الصدد، كشفت جمعية أطباء لحقوق الإنسان في إسرائيل، وهي منظمة طبيّة إسرائيليّة غير هادفة للربح، أن أكثر من 7000 تصريحٍ تمَّ اصداره لقاصرين من غزة في العام الماضي، في حين أنه تمَّ منح أقلّ من 2000 تصريحٍ للآباء، ما يشير إلى أن معظم الأطفال سافروا بدون أمهاتهم وآبائهم.

وتعليقاً على هذا الموضوع، قالت "مور إفرات"، مديرة قسم الأراضي المحتلّة في الجمعيّة: "ينبغي محاسبة الحكومة الإسرائيليّة على المعاناة الإنسانيّة".


الآثار المدمّرة

تسعى إسرائيل لبسط سيادتها على القدس بأكملها، وقد عزلت الأحياء العربيّة الكبيرة في المدينة عن بقية الأراضي الفلسطينيّة، هذا وتعيش أُسر بعض المرضى وأسر كثيرٍ من الأطفال الأكبر سنّاً المصابين بالسرطان، على بعد دقائق فحسب، ولكنهم لا يستطيعون زيارتهم.

ويُعتبر فصل الأطفال عن أُسرهم أمراً شائعاً للغاية، حتى أنّ بعض المستشفيات الفلسطينيّة في القدس باتت توفّر ألواحاً رقميّة (أجهزة تابلت) لإجراء مكالماتٍ عبر تطبيق "سكايب".

غير أن فصل الرضّع الذين يعانون من حالاتٍ صحيّةٍ حرجةٍ عن آبائهم يمكن أن يُرتب آثاراً مدمّرة، إذ يعتقد الأطباء أن طفلاً من التوأمين الذين توفيا عندما كانت الأم في غزة، كان يعاني من حالةٍ طبيةٍ، قد تكون الرضاعة الطبيعيّة أفضل الخطوات الوقائيّة لها.

وعن هذه الحالة، قال الدكتور "حاتم خماش"، رئيس وحدة حديثي الولادة في المستشفى: "لن أقول إنه إذا كانت أمهم حاضرة لما كانوا سيصابون بهذه الحالة، لكن ذلك كان سيقلّل من فرص الإصابة".

ينبغي محاسبة الحكومة الإسرائيليّة على المعاناة الإنسانيّة

ومن جهتها، لاحظت الممرّضة المسؤولة في وحدة إنعاش الأطفال "ابتسام رزق"، وجود آثارٍ نفسيّةٍ على حديثي الولادة الذين يكونون وحيدين تحت رعايتها: "يحتاجون إلى الحبّ، ترتفع معدلات ضربات القلب لديهم ويشعرون بالاكتئاب".

شحّ الموارد الماليّة

يعاني مستشفى المقاصد من شحّ الموارد الماليّة، وقد ازداد الوضع سوءاً منذ قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العام الماضي، بقطع ملايين الدولارات من المساعدات الطبيّة التي كانت تُرسل إليه وإلى مستشفياتٍ أخرى، توفّر الرعاية الطبيّة للفلسطينيين في القدس الشرقيّة.

كما ساهم التنافس السياسي الشرس بين الفصائل السياسيّة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة وغزة إلى تعميق الأزمة الصحيّة، وقد اتهمت السلطة الفلسطينيّة، وهي المجموعة الوحيدة التي تنسّق معها إسرائيل، بقطع المساعدات الطبيّة عن غزة، للضغط على حماس بغية التنازل عن السيطرة على القطاع، وهي تهمة تنفيها بشدّة السلطة الفلسطينيّة.

هذا وأوضح صالح الزق، رئيس لجنة الشؤون المدنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة في قطاع غزة، والتي ترسل طلبات تصاريح الخروج من غزة إلى إسرائيل، أنه في العادة يُسمح بمرافقة الأطفال المرضى للأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 45 عاماً.

والنتيجة أنه عوضاً عن تواجد الآباء، فإن مستشفى المقاصد أصبح يعجّ بالأجداد، ويضطرّ المستشفى إلى تحمّل إقامتهم، وتأمين الطعام لهم، وإنشاء مقطورات من أجل تأمين منامتهم، ولكن في بعض الحالات، يضطرُّ الأجداد للعودة إلى غزة، فحينها يُترك الرضّع لوحدهم تماماً، وقد يموتون نتيجة وضعهم الصحّي الصعب، أما الأهل فيتلقّون نبأ وفاة أطفالهم عبر الهاتف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard