ما بعد الاستعماريّة... وأهميّتها في فهم الأسباب وراء الربيع العربي

الثلاثاء 25 يونيو 201907:00 م
مع نهاية الحرب العالميّة الثانية، حدّد المنتصرون- دول الحُلفاء- مُعظم السياسات المعاصرة التي يعرفها عالمنا اليوم. وتلقائيّاً، كان لهذا الانتصار أثره البالغ على العلاقات الدوليّة كفرعٍ مستقلٍّ حديث من فروع المعرفة، فظلّ ما انبثق عنه من نظريات، ومفاهيم، ونتاج فكري سابحاً في أغلبه، في فلك العالم الأوروبي-الأميركي. في تلك الحقبة، هيمنَت الواقعيّة، والليبراليّة، والماركسيّة على العلاقات الدوليّة، وانصبّ الاهتمام بصورةٍ رئيسيّة على فكرة الدولة القوميّة باعتبارها المُكوِّن الأهمّ في عملية إنتاج المعرفة في العلاقات الدوليّة، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالعلاقات بين القوى العظمى. ومع ذلك، فشِلَت المخاوف الواقعيّة بشأن "الاستقرار المُمَنهج" في تحقيق عددٍ من أهدافها، وظلّت ناقصةً لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار الدول غير الأوروبيّة، التي كانت قد حقّقت استقلالها حديثاً، إذا جاز القول، ولا تأثيرات قوّة الشعب التي لم يكن لها أي دور بارز في الرؤية المركزيّة الأوروبيّة للعالم (بيسواس، 2016؛ سيلفستر، 2017). ولعلّ أبرز الدلائل على هذا الفشل يكمُن في عدم قدرة النظريات المُهيمنة على التنبؤ بوقوع عددٍ من الأحداث الكبرى، التي يمكن القول بأنها غيّرت شكل العالم، على رأس هذه الأحداث: سقوط جدار برلين، ونهاية "الحرب الباردة"، وانهيار الاتحاد السوفياتي... إلخ.

كشفَ هذا الفشل المعرفي عن بعض الفجوات الخطيرة، وما وُجِدَ لاحقاً أن فرع العلاقات الدوليّة لم يُطوِّر ما يكفي من أدواتٍ، أو اهتمام حتى، لدراسة المُجتمعات غير الأوروبيّة التي اقتصرَ حضورها في المشهد، بوصفها جماعات غير منظّمة تقع تحت تصنيفاتٍ عُموميّةٍ مُبهَمة، وعادة ما يكون التعاطي معها باعتبارها من أجل "القتل أو الإنقاذ" (سيلفستر، 2017).

في الواقع، إذا كان ثمّة شيء وحيد مُشترك ما بين الدول غير الأوربيّة في هذا العالم، فهو حقيقة أنها في معظمها كانت مُستعمَرَة من قِبل إحدى الدول الأوروبيّة لفترات، امتدّت في بعض الأحيان لقرون. وبعد أن حقّقت معظم تلك الدول استقلالها، برزَت على السطح مجموعة جديدة من القواسم المشتركة فيما بينها: أوضاع في غاية السوء مِن فقر وغياب للتنمية وتدني جودة الحياة. بالرغم من أن استقلالها نفسه لايزال منقوصاً حتى اليوم، لأن العديد من الجماعات المحليّة ظلّت مُتأثرةً، بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، بالمستعمِرين السابقين، فضلاً عن أن أنظمة دول ما بعد الاستعمار لاتزال تعمل إلى حدّ كبير ضمن الأطر التي وَضعَها المستعمِرون أنفسهم. وعموماً، ترى الشعوب التي كانت مُستعمَرة أن تاريخ تلك الحقبة موصوم بالقمع، والاستغلال، والمعاناة، والنضال، والعنف، وغياب المساواة. وظلّ يُنظَر إلى العالم الثالث\ الجنوب العالمي، باعتباره مجموعة أخطار- أو تحالفات- هامشيّة في صراعات القوى العظمى. ولإدراك إلى أيّ درجة بلغ هذا التجاهل، يكفي أن نتخيّل باحثاً فيتنامياً يعمل في سبعينيات القرن المنصرم، على دراسة تتناول ما يُعرف بـ "الحرب الباردة"!

وعلى الرغم من الأهمية الكبرى لأعمال فرانز فانون في تطوّر التحليل ما بعد الاستعماري، ثمة انقسام بين الباحثين فيما إذا كان كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، أو دراسات التابع في الهند، حجر الأساس لِما بعد الاستعماريّة في العلاقات الدوليّة. ولعلّ أبرز ما تشترك به الأعمال السابقة- وكذلك أعمال روّاد آخرين هُنا، على غرار هومي بابا وغاياتري سبيفاك، أنها عَكسَت الاتجاه التقليدي للمعرفة- إذ كان من الأعلى إلى الأسفل- بنيّة إضفاء صورةٍ أكثر شمولاً، وتقديم فهمٍ أكثر منطقيّةً لعالمنا المعاصر. لكنها، بخلاف ما بعد البنيويّة مثلاً، لا تقتصر فقط على فهم الأدوات والآليّات الخاصّة بالقوّة، التي أدّت إلى خلق تصنيفات مُختلفة في الواقع الاجتماعي، وإنما تهدف إلى "تحقيق المساواة، وتحسين ظروف الحياة، وصياغة سرديّات بديلة، وتَخيُّل إمكانيات أكثر ديموقراطيّة، وإنتاج حركات التضامن والتغيير" (بيسواس، 2016). ومن وجهة نظري، تتقاطع هُنا ما بعد الاستعماريّة بقوّة مع مقولة كارل ماركس: "لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بشتى الطرق، بيد أن تغييره هو الأهم".

ثمة مجموعة من المفاهيم الرئيسيّة السائدة في أسلوب تفكير ما بعد الاستعماري؛ كالاستشراق، والمركزية الأوروبيّة، والتابع، والغَيريّة، والازدواجيّة، والهيمنة، وغيرها. ولأغراض تتعلّق بهذا المقال، سأتوسّع قليلاً في الحديث عن ثلاثة من هذه المفاهيم.

المركزية الأوروبية

لِفهم الأسباب وراء تجاهُل العلاقات الدوليّة للشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار، فمن الضروري جداً الإشارة إلى آثار الثورة الصناعيّة التي ساهمت بصورةٍ بالغةٍ في خلق التفوق الأوروبي، على الصعيدين المادي والفكري. ففضلاً عن الحاجة إلى الموارد، شجّع هذا الحدث المِفصلي القوى الأوروبيّة على التوسّع خارج الحدود القاريّة من أجل نشر رؤيتها الحداثية في كافة أرجاء المعمورة، سواء بموافقة غير الأوروبيين أم بالقوة (سِث، 2011). هُنا، عُومِلَ غير الأوروبيّين بوصفهم "عاجزين"، ومن أجل تحديثهم، يتوجّب عليهم "الاقتداء بالقيم والمؤسسات الغربيّة" (بيسواس، 2016). وضمن هذا السياق، في وسعنا القول بأن النظام العالمي المعاصر لم يولَد بعد الحرب العالميّة الثانية، وإنما جاء نِتاجاً لعمليات تتعلّق بالاستمراريّة التاريخيّة من جهة، وبالتوسُّع المرتبط بالحقبة الاستعماريّة من جهةٍ أخرى، وسيصبح بمقدورنا وصف النظام الراهن بالنظام ما بعد الاستعماري.

الاستشراق

ثمّة عامل حاسم آخر في تعزيز الشعور بالتفوّق الأوروبي، والحديث هُنا عن الجانب الثقافي، ويتعلّق بالعمليات الممنهجة لخلق صورة مُتخيّلة لآسيا والشرق الأوسط، (الشرق)، بالاستناد بصورة رئيسيّة إلى الأعمال الأدبيّة للمستشرقين، حيثُ "يؤمن الغربي بأنه قادرٌ في هذا المكان على السيطرة والاستمتاع، والتغلغل والاستحواذ، والاختباء من سُلطة منظومة الأخلاق الفيكتوريّة" (سيلفستر، 2017). وفي كتابة الرائد، الاستشراق- المنشور في سنة 1978- ناقش إدوارد سعيد (1935-2003) أنه في نظر المستشرقين، لم تكن ثمّة أدنى أهمية للآليات التي تستخدمها المجموعات المحليّة للتعبير عن أنفسها، وإنما اعتمدوا على أعمال مُستشرقين آخرين كمصادر موثوقة للمعرفة. ولعلّه من الضروري جداً الإشارة هُنا إلى أن هذه العملية لم تُساهم فقط في تكوين صورة الشرق (المستعمَر)، بل شكّلَت أيضاً صورة الغرب (المستعمِر) باعتبارهما على طرفي نقيض، ولا يكفي مجرّد القول بأن هذا التصنيف مازال صالحاً حتى يومنا هذا، ولكنه لايزال التصنيف الأكثر سيطرة في العالم المعاصر (بيسواس، 2016؛ سيلفستر، 2017).

بعد أن حقّقت معظم الدول غير الأوروبيّة استقلالها من الاستعمار، برزَت على السطح مجموعة جديدة من القواسم المشتركة فيما بينها: أوضاع في غاية السوء مِن فقر وغياب للتنمية وتدني جودة الحياة.

على الرغم من زوال الاستعمار بصورته التقليديّة، إلا أن ما وضَعَه، من أطُرٍ وممارساتٍ ونفوذ، لايزال عميق الأثر على مختلف أصعدة الحياة في المُستعمرَات السابقة. ولاتزال الأدلّة حاضرة في ظروف الحياة اليوميّة.

على الرغم من أن دول الربيع العربي لم تكُن خاضعة للاستعمار بصورته الكلاسيكيّة، ثمّة ما يُشير إلى لاوعي جمعي، إذا جاز القول، بصدد أن الجماهير التي لاتزال مرتبطة بجوٍّ عام أقرَب إلى ذاك الذي اختبرته زمن الاستعمار نفسه. 

دراسات التابِع

تُعدُّ دراسات التابِع من ضمن أولى المُحاولات التي أثّرت على أسلوب التفكير ما بعد الاستعماري. وتعود بداياتها إلى الهند عندما قرّر مؤرخون دراسة "تاريخ، وثقافة، الجماعات التي تقع في المستوى الأدنى للمجتمع الهندي؛ المنبوذين" (سيلفستر، 2017). وفي مقالتها المعروفة "هل بإمكان التابع أن يتكلّم؟" المنشورة في سنة 1988، طرحَت الباحثة الهندية غاياتري سبيفاك سؤالاً في غاية الأهمية، بصدد كيف من الممكن الإصغاء إلى تلك الجماعات على الرغم من أن الإطار الاستعماري لايزال قائماً، حتى بعد نهاية الاستعمار بصورته التقليديّة.

في الربط ما بين الحقبة الاستعماريّة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لابدّ من الإشارة في البداية إلى وثيقتين تاريخيتين في غاية الأهمية تُعبّران عن تفاهمات ما بين عدّة دول أوروبيّة من أجل تقسيم، واستعمار، مناطق كانت جزءاً من الإمبراطوريّة العثمانيّة (1299-1923). تُعرَف أولى هذه الوثائق بالقانون العام لمؤتمر برلين، وقد جرى توقعيها في 1985، ونصَّت على تقسيم أفريقيا ما بين بلجيكا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا والبرتغال. أما الوثيقة الثانية، فهي اتفاقية آسيا الصغرى- المعروفة باتفاقية سايكس بيكو- الموقّعة في سنة 1916، والتي كانت تُعنى بتقسيم غرب آسيا ما بين المملكة المتحدة وفرنسا.

ولعلّ أبرز ما فعلتهُ القوى الاستعمارية تمثّل في خلق مناطق جديدة كلياً من أجل توزيع نفوذها، وبالتالي تشكيل معظم دول هذه المناطق بحدودها الجغرافيّة الراهنة. وقد ناضلت شعوب هذه المناطق باستماتة لفتراتٍ طويلة، سلميّاً وعنفيّاً، لتحقيق التحرّر، إلى أن نالَت "استقلالها"، إبان الحرب العالميّة الثانية، أو بعدها.

وعلى الرغم من زوال الاستعمار بصورته التقليديّة، إلا أن ما وضَعَه، من أطُرٍ وممارساتٍ ونفوذ، لايزال عميق الأثر على مختلف أصعدة الحياة في المُستعمرَات السابقة. ولاتزال الأدلّة حاضرة في ظروف الحياة اليوميّة في معظم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ ومنها النزاعات الأهلية، والفقر، والاستبداد، وانعدام الاستقرار، وعدم احترام حقوق الإنسان، وما إلى ذلك.

الربيع العربيّ كظاهرة غير متوقّعة

في أواخر سنة 2010، وأوائل سنة 2011، اجتاحَ الربيع العربي عدداً من دول المنطقة، بدءاً من تونس، بصورة تظاهرات جماهيريّة حاشدة تطالبُ الأنظمة الحاكمة بتطبيق إصلاحات جذريّة أو التنحّي، وامتدّت هذه الموجة إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا، فضلاً عن عدد من الدول التي شهِدَت أحداثاً مماثلة لكن على نطاق أصغر. وبالإمكان القول بأن الربيع العربي لم يكن ظاهرةً مُتوقَّعة، لأنه جسَّدَ جهود الناس العاديين الذين لجأوا إلى الشوارع والساحات مطالبين بالعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والكرامة، فضلاً عن أبرز تلك المطالب؛ "الحرّية". وإنه لمِن الممكن، منطقياً، ربط مفهوم الحريّة هُنا بحركات إنهاء الاستعمار، أو التحرُّر الوطني. فعلى الرغم من أن دول الربيع العربي لم تكُن خاضعة للاستعمار بصورته الكلاسيكيّة، ثمّة ما يُشير إلى لاوعي جمعي، إذا جاز القول، بصدد أن الجماهير التي لاتزال مرتبطة بجوٍّ عام أقرَب إلى ذاك الذي اختبرته زمن الاستعمار نفسه. والحقيقة أنه ثمّة العديد من العوامل المُمنهجة التي تقف وراء هذا الشعور، ولعلّ أكثرها أهمية الدعم الهائل الذي قدّمته، ولاتزال، قوى غربيّة للأنظمة الأوتوقراطيّة التي تحكُم دول الربيع العربي- وإلا فما كان للقذافي أن يحكم ليبيا لاثنتين وأربعين سنة، ولا لعائلة الأسد أن تحكم سوريا منذ سبعينيات القرن المنصرم! بالإضافة إلى هذا، فإنه ثمّة مُحاكاة واضحة ما بين الممارسات والأدوات الاستعماريّة، ونظيراتها التي تستخدمها هذه الأنظمة في التعامل مع شعوب المنطقة (سيلفستر، 2017). ويُعزّز في أهمية نظرية ما بعد الاستعماريّة هُنا أن مفاهيمها- المُشار إليها سابقاً- حاضرة بقوّة في معظم جوانب هذه الظاهرة، فإذا ما أردنا الحديث عن "الاستشراق"، فيكفي القول بأننا نتحدّث عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تمثّل جزءاً محورياً في سرديّة "الشرق" المتخيَّل. وأما عن العلاقات المتينة ما بين القوى الغربيّة والأنظمة الحاكمة، لدرجة صرف البصر عن الوحشية المفرطة للأخيرة، فبمقدورنا مقاربتها من خلال مفهوم "المركزية الأوروبيّة\ الغربيّة"، والتي ساهمَت بطبيعة الحال في احتكار التمثيل السياسي بيد طبقة حاكمة، على حساب كمِّ أفواه الأغلبية التي صارَت في هذه الحالة بحكم المنبوذة، ولازال الغرب ينظر إليها ضمن إطار التصنيف العمومي للقوى الاستعماريّة، بكونها شعوباً تستحق الإنقاذ أو القتل، مما يَستدعي "دراسات التابع" لتكوين فهم أكبر بصدد تفاعلات هذه الطبقة على عدّة أصعدة، وما أدى إلى انفجارها لاحقاً.

ليس ما سبق سوى مجرّد تقديم مبدئي يستلزم تحليلاً دقيقاً للعلاقات ما بين الدول المُستعمِرة وتلك المستعمَرة سابقاً، ضمن إطار البحث عن فهمٍ أفضل لظاهرة الربيع العربي. وإنه لمن المستغرب شحّ المصادر المعرفيّة العربيّة التي تطرّقت إلى التحليل ما بعد الاستعماري، مع العلم بخصوصيّة المنطقة. وباعتقادي، بمقدور نظرية ما بعد الاستعماريّة أن تُقدّم في هذا الصدد تفسيرات أكثر تماسُكاً من تلك التي طرَحتها نظريات أخرى.

المراجع:

Biswas, S (2016). “Postcolonialism”, in Dunne et al, International relations theories: Discipline and Diversity, (4th ed) Oxford: Oxford University Press.

Seth, S., (2011). Postcolonial theory and the critique of international relations. Millennium, 40(1), pp.167-183.

Sylvester, C (2017). “Post-colonialism”, in Bayliset al, The globalization of world politics: an introduction to international relations. (7th ed) Oxford: Oxford University Press.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard