وُلدت بربرياً صدفةً: قصّتي والحراك الأمازيغي في ليبيا (2)

الثلاثاء 25 يونيو 201901:01 م
Read in English

أصبحتُ رئيس أوّل مجلة أمازيغيّة، أسميناها "أرمات"، وكانت مجلةً تنشر مقالاتٍ ثقافيّةً على ورقٍ مطبوعِ، تدفع تكلفته الدولة، وبأحرف تيفيناغ، وبعد أربعة أعداد انسحب نصف فريق التحرير المكوّن من أربعة أشخاص فقط، وذلك بسبب إصراري على إضافة لغاتٍ أخرى للمجلّة، وهذا ما كان، حيث بقي شخصان ونصف في المجلة إذا صحّ القول، لتتحوّل إلى أوّل مجلّة في تاريخ ليبيا الحديث تنشر بأربع لغات، ثلاث محليّة: "الأمازيغيّة، التباويّة والعربيّة" بالإضافة الى مقالٍ بالإنجليزيّة.

ولأني لا أمتلك مسدساً، وبطبيعة الحال لا امتلك رصاصاتٍ، قرّرت السكوت قبل أن أقرّر الهجرة بمساعدة الصدفة، فأنا شخص لا أمتلك سوى كلماتي.

أذكر أنّي عندما قمتُ بتوزيع نسخ العدد الرابع، في إحدى مدن الأكثريّة الناطقة بالأمازيغيّة، أخبرني صاحب المكتبة الوحيدة في المدينة، أنّ الأعداد الثلاث الأولى لم يشتر منها أحدٌ أيَّ نسخةٍ تقريباً، لأحملها عائداً بسيّارتي الخاصة نحو طرابلس، تاركاً وراء ظهري علم الألوان الثلاثة، والزاي الأمازيغيّة في منتصفه معلّقاً في كلِّ أركان المدينة، وهذا كان أكثر شيءٍ يمكن لسكانها فعله على ما يبدو، في نضالهم الزائف لأجل لغتهم المهدّدة بالانقراض.

وبعد عشرة أعدادٍ توقّفت المجلّة بعد فراري من مستنقع الكراهيّة الليبي، ولم يستطع أحدٌ أو يهتمّ بمحاولة تكرار التجربة، حيث انشغل الجميع بملأ جيوبهم ببقايا الرصاصات الفارغة، أوراق النقد المبلّلة بالدماء، ونسيان لغتهم المغضوب عليها، لغة الريح القبلي والحجر.

قبلها بدأت الحرب المُعلنة، عندما تحوّلت الأمازيغيّة الى سلعةٍ من سلع ثورة المسترزقين، وبدلاً من أن تقوم المجالس المحليّة في المدن الناطقة بالأمازيغيّة بمحاولة تكريس اللغة في الواقع المعاش، وتحويلها إلى جزءٍ من الحياة اليوميّة، عبر إثراء النشاط الثقافي، الأدبي، المسرحي والتلفزي، وتشجيع الطباعة والنشر والكتابة بها، توجّه هؤلاء الى تكوين جسمٍ سياسي، وظيفته فقط أن يحمل اسم البربر جميعهم كما يعتقد، اسمه "المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا" ، وعندما سألتهم في مقالٍ وحيدٍ عن نوع هذا التجمّع، وماهيّته، ما إذا كان حزباً سياسيّاً، جمعيّةً خيريّةً، مؤسّسةً مدنيّة أو فريق كرة قدم؟، ومن هم الأمازيغ حسب تعريف اسمهم، هل هم الناطقون بالأمازيغيّة فقط، المنحدرون من أصولٍ أمازيغيّة جينيّة فقط، سكان المدن الناطقة بالأمازيغيّة عبر استثناء طرابلس مثلاً أو ربما هم الإباضيّة فقط؟، هل أعضاء هذا التجمّع منتخبون أم معيّنون تعييناً بناء على طول القامة؟ اتجهوا لتهديدي بالقتل وحرق بيتي، عبر مكالماتٍ هاتفيّةٍ تعدّت العشر في يومٍ واحدٍ، أو كما قال لي رئيس مجلس مدينة من مدن جبل نفوسة حينها، في لقاءٍ حدث مصادفةً بعدها: "... نحن لا نردّ على الكلمات بالكلمات، بل بالرصاص" .

هذا المجلس لم يستطع، بل لم يحاول أو يفكّر حتى، بتأسيس قناة تلفزيونيّة تتحدّث بالأمازيغيّة، أو طباعة مجلّة أطفالٍ من عشر صفحاتٍ، بذات اللغة، رغم أنف ملايين ثورة الاسترزاق.

ولأني لا أمتلك مسدساً، وبطبيعة الحال لا امتلك رصاصاتٍ، قرّرت السكوت قبل أن أقرّر الهجرة بمساعدة الصدفة، فأنا شخص لا أمتلك سوى كلماتي، والقليل من الأفكار حسنة النيّة، بالإضافة إلى أشعاري التي لم يفكّر أحدٌ بنشرها، حتى وأنا أقوم كمراهقٍ متهوّر، قبل أربعة عشر عاماً في منتصف طرابلس، بتلاوتها باللغة الأمازيغيّة، وأقوم بنشرها باسم رمزي تعرفه أجهزة المخابرات الليبيّة حينها، في مجلّةٍ مغربيّةٍ مختصّة بالشأن الأمازيغي اسمها " تاويزا"، وأقوم بتصميم ما يزيد عن عشر كتب إلكترونيّة لتعليم الكتابة بالأمازيغيّة للأطفال، ظلّت قابعة في موقع "تاوالت" لأكثر من عشر سنوات، قبل أن يقوم محرّر الموقع، وبسبب خلافي الأيديولوجي معه، بحذفها جميعاً من الموقع، ونحن نتحدّث عن بلدٍ لا يوجد فيها كتابٌ واحدٌ مطبوع بالأمازيغيّة حينها، دون الحديث عن حقيقة أن عدد الكتب المطبوعة فيه باللغة الأكثر رواجاً، العربيّة، هو فقط أربعمائة كتاب في العام، كلُّ هذا حدث قبل أن يخرج مهرجو أمازيغيّة فبراير وما قبلها أيضاً، يحاربون طواحين الهواء يشتمون لجنة سنِّ الدستور الليبي الجديد، والذي قرّروا مقاطعته، ولم يقرّروا خلاف ذلك شيئاً آخر، على امتداد خمس سنواتٍ من خلق تجمّعهم المثير للشفقة، سوى تجميع أرصدة أكبر، في خضم فوضى جمهورية مسترزقي فبراير.

أصبحنا نعيش في بلدٍ حيث العنف فقط هو دليل الحجّة الدامغة لإثبات الرأي، ودحضه أيضاً، وهو الأمر الذي عشته حرفيّاً عندما اختطفتني ميليشيا مسلّحة وسط الملأ، في يوم ميلادي، بتهمة إبداء الرأي.  

لقد تحوّلت الأمازيغيّة إلى سلعةٍ رخيصةٍ، وسمةٍ من سمات التعصّب، العنصريّة والتمايز العرقي الساذج، خصوصاً عندما سعت نحو أن تصبح حراكاً سياسيّاً أجوفاً، بدلاً من أن تكون مشروعاً ثقافيّاً، عبر تشجيع الإنتاج باللغة.

فلقد كان انسحاب المتنفّذين من الناطقين بالأمازيغيّة من الحراك السياسي الوليد والهشِّ في ليبيا ما بعد الفاتح، والذي قسم الليبيّين الى أنواع بدلاً من اعتبارهم مواطنين وكفى، بالإضافة إلى خوض حروبٍ بالوكالة، بلجان ميليشيّات الإسلام السياسي، والتي كرّرت في ليبيا نفس سيناريوهات الانقلاب على الديمقراطيّة في تونس، تركيا، السودان، فلسطين ومصر أيضاً، خطأ فادحاً ومقصوداً مبنيّاً على حالة رهابٍ لا مبرّر لها حسب وجهة نظري حينها.

تحوّلت  الأمازيغيّة إلى صراع بالأيدي والألسن والرصاصات الطائشة.

قد يكون رأيي صحيحاً أو خاطئاً، لكن المُثير للقلق، الاشمئزاز والسخريّة في آن واحد، هو أنه وبعد سقوط نظامٍ، كان يقوم معارضوه، الذين اتضح أن جلّهم تجّار لا غير، بفرض رأيه الأوحد على الجميع، أصبحنا نعيش في بلدٍ حيث العنف فقط هو دليل الحجّة الدامغة لإثبات الرأي، ودحضه أيضاً، وهو الأمر الذي عشته حرفيّاً عندما اختطفتني ميليشيا مسلّحة وسط الملأ، في قلب العاصمة طرابلس، في يوم ميلادي، بتهمة إبداء الرأي مقابل عنف الميليشيّات، ليتمَّ إطلاق سراحي بعد جولة تعذيبٍ استمرّت يوماً كاملاً، بعد تدخّل ميليشيا مسلّحة تمتلك من العنف ما يوازي عنف الأولى، تدخّلت هذه الميليشيا خوفاً على سمعة العرق والقبيلة، بعد إعطاء الإذن بتأديبي تلك الليلة، وهو معروفٌ أعترف به، لكّني لا أؤكّد تكراره لسواي، فأنا أعرف صديقاً بقي عامين مستمرّين في زنزانة فرديّة في سجنٍ من سجون حرية فبراير المفرطة، بسبب رأيه، ولون بشرته أيضاً، لأنه ببساطةٍ لا ينتمي لقبيلةٍ مسلّحةٍ.

لقد تحوّلت الأمازيغيّة إلى سلعةٍ رخيصةٍ، وسمةٍ من سمات التعصّب، العنصريّة والتمايز العرقي الساذج، خصوصاً عندما سعت نحو أن تصبح حراكاً سياسيّاً أجوفاً، بدلاً من أن تكون مشروعاً ثقافيّاً، عبر تشجيع الإنتاج باللغة، حتى ولو باستخدام ملايين ثورة الاسترزاق، لتؤسّس كنتيجةٍ لقيم قبول الاختلاف، والتعريف به، وتكريس مفاهيم المواطنة والديمقراطيّة، تحوّلت إلى صراع بالأيدي والألسن والرصاصات الطائشة حول من أتى أوّلاً، في مجتمعٍ متوسّط أعماره لا يتجاوز الخمس وسبعون عاماً حسب تقارير منظمة الصحّة العالميّة، وبدلاً من أن يحاول الجميع استغلال فرص العيش على طول هذه السنوات القليلة بسلام، انشغل الجميع في إشعال الحروب، وفتح باب الجدل الأخرق، عبر محاولة قياس عمر أسلاف الجميع بالمسطرة، وحشد الأصوات الصادحة بالرصاصات الطائشة، حول من يحقّ لهم نيل حقوقٍ طبيعيّةٍ، أكثر من الآخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard