قصّتي مع الغجريّات في مصر... وطفولتي التي تزيّنت برقصهن وموسيقاهن

الأحد 30 يونيو 201904:50 م

تردّد اسم "الغجر" على مسامعي منذ كنت طفلةً تسير على أقدامها كيلومترات عديدة، للذهاب إلى المدرسة التي تقع في أطراف إحدى القرى، بمحافظة الغربيّة في مصر.

خلال الطريق المليء بأعوادِ الغاب الثقيلة المُفزعة المنتشرة على جوانبه، كانت تقف حلّة سوداء تحتها نارٌ كثيفة من أعواد الذرة، تسند هذه الحلّة طوبتان من الطوب الأحمر، وأمامها تجلس امرأة يبدو عليها ملامح الشقاء، كانوا يطلقون عليها في قريتنا الجميلة لقب "غجريّة".

كثيراً ما استأنستُ في طريقي البعيد الموحش لهذه المدرسة، بمثلِ هذه الأكواخ التي كان يُقيمها الغجر على جانبي الطريق. وذات يوم  اقتربتُ من سيّدةٍ كانت تضع عجيناً على مؤخّرة وعاء نحاسي على النار.

سألتُها بفضول طفلة: ماذا تفعلين؟ فأجابت: "أخبز العيش، نحن لا نأكل سوى( عيش صابح) يوميّاً". بعدها وخلال مواسم حصاد الأرض، خاصّةً القمح، صرت أعرف الغجر الذين يمرّون على منزلنا لنخل القمح من التراب العالق به، كانت هيئتهم تُثير فضولي، إذ كانوا يضعون على أجسادهم ملابس أشبه بقطعة قماشٍ وحيدة، وعلى ظهورهم يضعون صغارهم، وكأنهم رحّالة قادمون من بلاد بعيدة.

صرت أعرف الغجر الذين يمرّون على منزلنا لنخل القمح من التراب العالق به، كانت هيئتهم تُثير فضولي، إذ كانوا يضعون على أجسادهم ملابس أشبه بقطعة قماشٍ وحيدة، وعلى ظهورهم يضعون صغارهم، وكأنهم رحّالة قادمون من بلاد بعيدة.

تخيّلوا معي منظر طفلٍ صغيرٍ ملفوف على ظهر سيّدة تحمل الغربال في يدها؛ تلك الصورة ماتزال تعيش في ذاكرتي كلوحةٍ فنيّة، بخلاف الأكواخ التي كان يقيمها الغجر الذين يأتون كلَّ عام، ويعرضون على أسرتي نصب كوخٍ فوق أرضنا، ومساعدتنا في موسم حصاد زرعنا.

كلُّ ما أتذكّره من تلك الأيام هو أن جزءاً صغيراً من محصولنا كان يُعطى لهم. يأخذون القمح أو الذرة ويرحلون، ثمَّ يعودون في مشهدٍ يتكرّر كلَّ عام، كنت عندها طفلة صغيرة تنظر بشغف لتلك الملامح البيضاء لنساء الغجر، حيث تنتشر في بشرتهم حمرة وصفاء، ومازلت أتذكّر حديث جدّتي لأمّي عنهم :"هم آه رحّالة بس نسمع إن لهم بيوت وأنهم أغنى مننا كمان بس دي مهنتهم.".

من هم الغجر؟

في المخيّلة الشعبيّة عندما تقول غجر، فهذا يعني أنهم: "المشعوذون، اللصوص، السّحَرة، الكفَرَة، الفئات المنحطّة…"، حسب ما ذُكر في كتاب "الغجر، ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب" لجمال حيدر. لقد عومل الغجر دائماً بنوعٍ من الإقصاء من المجتمع، وتعرّضوا دائماً لمعاناةٍ حفرت عميقاً في تاريخهم وتاريخ البشريّة.

 الطريف أن الغجر استطاعوا المحافظة على تراثهم وتقاليدهم، رغم أنهم عاشوا بين حضارات وشعوب مختلفة. وظُلموا أيضاً، لكنهم حافظوا على معتقداتهم وأساطيرهم.

ذات يوم ذهبتُ لإحضار وجبة الصباح اليوميّة لأسرتي، فذهبت أعلى كوبري بلدتي لشراء الطعميّة والفول. كانت السيّدة التي تقيم حلّتها المليئة بالزيت وسط مجموعةٍ من الأخشاب، لم تأت بعد. على بُعْد خطواتٍ منها تركن قضبان متراصّة من أعواد الذرة الناشفة صنعت كوخاً بغير أوراق، وعلى رأسه بواقي شكائر متسخة، تسلّلت إليه، لكنني لم أجد أحداً بداخله من الغجر، ولا أيّ من متعلّقاتهم.

لقد انصرف الغجريُّ وزوجته لجنيِ المحاصيل مبكّراً. كنت أبحث بعينيْ طفلةٍ عن حياة هؤلاء الوافدين إلى قريتهم. كنت أرى وصفهم في عينيْ قريتي، وكما ذُكر في كتاب جمال حيدر، لكنّ الطريف أن الغجر استطاعوا المحافظة على تراثهم وتقاليدهم، رغم أنهم عاشوا بين حضارات وشعوب مختلفة. وظُلموا أيضاً، لكنهم حافظوا على معتقداتهم وأساطيرهم.

ذاكرة الطفولة مع الموسيقى والغناء

أكثر غجرية تعلّقت بها، هي تلك المرأة العجوز التي كانت تتردّد على بيتنا كلّ عام، بصحبة زوجها وحمار. كانت تقف لتغنّي غناءً أشبه بالإنشاد. ثمة وشمٌ أسفل فمها، ويتدلّى من أذنيها قرطٌ كبير مذهّب.

كانت تقف أمام كلِّ بيت لتنشد، حتى نذهب لأعلى أسطحِنا الريفيّة، ونحضر لها بضع أكوازٍ من الذرة الناشفة، أو بعضاً من القمح. تضع ما جلبناه على الحمار، ثمّ تسير نحو البيت التالي.

تعلّقتُ بها على مدى سنوات طفولتي، وأصبحت جزءاً من ارتباطي بالموسيقى والغناء. كان حمارها مثالاً للطّاعة، حيث كان يقف بلا أدنى حركة، وكأنه جزء من فقرة الغناء، بعكس حمار منزلنا المشاكس الذي كنتُ أخشى المرور بجواره حتى.

كانت أيام جميلة من حياة الغجر وحياتنا، حينها كان الريف ما يزال يحتفظ ببراءته؛ كنّا مانزال نشمُّ رائحة الهواء الذي يدخل بيوتنا الريفيّة، قبل أن يتحوّل ريفنا لقطعةٍ سمجةٍ محاكية لمجتمع المدينة.

قرية الرّاقصات الغَجريّات

في قريتنا، كان كبار العائلات يتنافسون خلال أفراحهم على لقب "أحسن عرس"، ولكي ينالوا شرف وصف نساء القرية ورجالها على مدار أيام بأنه فرح "بحقٍّ وحقيقي"، كان لابدّ من إحضار مزمارٍ بلديّ في مقدّمة الفرح. ثمّ يصعد العروسان على المسرح، لتبدأ فرقة موسيقيّة تضمّ رجلاً يغنّي وراقصتين إحداهما عجوز والأخرى شابة.

أتذكّر إنه في أحد الأعراس التي حضرتُها، كانت إحدى الراقصات الشابات ترتدي بدلة رقصٍ سوداء مذهّبة، وتكشف عن القليل من ساقيها، ولم تكن تجيد الرقص كأمّها، لكنها كانت المفضّلة لدى رجال القرية، وخاّصة جدّي العجوز الذي صعد المسرح للرقص معها. وبالمقابل منحها شرف النقطة بمقدار جنيهات كانت لها قيمة في بداية الثمانينيات.

ما لفت نظري لها هو إحساسي بإجهادها من الرقص على المسرح، بينما كانت أمّها في وصلة راحة تدخّن السجائر. بعد الفرح أخبرني خالي الذي توسّط لإحضارهما للرقص، بأنهما من الغجر، وأنهم يعيشون في قرية بعيدة عنا، لكنها كلها تتكوّن من الراقصات.

اليوم: فيفي عبده ومملكة الغجر

في رمضان الماضي، شاهدت مسلسل "مملكة الغجر"، اعتقدتُ لوهلة أنني يمكن أن أعثر على روح غجريّة ممن صادفتهم في طفولتي، لكنني وجدتُه بعيداً تماماً عن روح الغجر التي عرفتها. ليس طريقة اللبس في الدراما هي التي تحاكي الأرواح التي قابلناها على أرض الواقع. كم تمنّيت أن ألمس أو أعثر في المسلسل المذكور على خيطٍ يوصلني بتاريخهم وأذواقهم وحياتهم التي يعيشون فيها، بعيداً عن الترحال، لكن لأمر، لم يكن كذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard