في ذكرى ميلاده: هل أحبَّ أمل دنقل أحداً سوى الشعر؟

الاثنين 24 يونيو 201903:29 م

المرأة هي الكون وأشياء أخرى، لكن الشعراء يعيشون خارج الكون من أجل قصائدهم، فقط من أجل قصائدهم يعيشون، لا يحبّون كما يحبّ الآخرون، إنهم يهيمون في المشاعر والأفكار حبّاً، لكنهم لا يتزوّجون إلا أنفسهم في الحقيقة.. حقيقتهم هم.. يتخذون من مادة العالم وقوداً لخيالهم الذي سيلد لهم بنات قصائدهم التي ترشّحهم للخلود… الخلود، تلك الفكرة الجهنميّة التي تجعل من الشاعر شخصاً يقتات على ابتزاز كلِّ شيء.. وفي حالة أمل دنقل يتبدّى مثال الوحش الشعري الذكريّ، الذي يلتهم الوجود من أجل الوصول إلى مبتغاه الفني.

المرأة هي الكون وأشياء أخرى، لكن الشعراء يعيشون خارج الكون من أجل قصائدهم

"يوقفُني الشرْطيُّ في الشّارع.. للشُّبْهةْ

يوقفُني.. بُرهةْ!

وبعد أن أرشُوَهُ.. أواصل المسيرْ!

توقِفُني المرأةُ في استنادِها المُثيرْ.. على عَمودِ الضَّوءِ

كانت ملصقاتُ "الفَتْحِ" و"الجَبْهَةْ"..

تملأ خلفَ ظهرِها العمودا

تسألُني لفافةً: لم يترك الشُّرطيّ.. واحدةً من تبغِها الليليّْ

تسألُني إنْ كنتُ أَمضى ليلتي.. وحيدا

وعندما أرفعُ وجهي نحوها سعيدا

أبصرُ خلف ظهرِها شهيدا

معلَّقاً على الحائِط.. ناصعَ الجبهة

..

ليس في قصيدة أمل دنقل، تلك التي اقتطعنا منها المقطع السابق، أيّ مأساة لامرأةٍ من نساء الليل، مرمية تحت رحمة العسس، الذي يؤدّي دور القهر في الشارع، كما لو أن الشارع كان يحتاج إلى مزيد من القسوة.. بل إنه استغلّها فنياً لتكون طريقاً له إلى هدفه السياسي الشعري.

يقول أيضا في قصيدةٍ أخرى:

"عرفتُها في عامها الخامس والعشرين

والزمن العنّين ..ينشب في أحشائها أظفاره الملويّة

صلّت إلى العذراء، طوّفت بكلّ صيدليّة

تقلّبت بين الرجال الخشنين! وما تزال تشتري اللّفائف القطنيّة!

ما تزال تشتري اللّفائف القطنيّة!

وحين ضاجعت أباها ليلة الرعدِ

تفجّرت بالخصب والوعدِ

واختلجت في طينها بشارة التكوين!

لكنّها نادت أباها في الصباح ..فظلّ صامتا!

هزّتهُ.. كان ميّتا!!

هنا يتلاعب أمل دنقل بالأساطير وبالمرأة... ولا يرى في ذلك أيَّ ذنب، لأن المبرّر الفنّي ينال عنده مرتبة المقدّس.

كان مما رصده الناقد المصري، لويس عوض، هو إهمال بعض الأشكال الأدبيّة كفنِّ الرسائل مثلاً، فيقول: "لا نحفل إلا بالأبحاث المنظمة في النقد الأدبي، أو فلسفة الفنّ، ولا نقيم وزناً كبيراً لخطابات الأدباء والفنّانين، أو مذكراتهم، أو خواطرهم المتفرّقة في الأدب والفنّ، وقلَّما نبذل مجهوداً لجمع رسائل أديبٍ أو فنّان ونشرها بعد تحقيقها، رغم أهمية ما يرد في هذه الرسائل من آراء تلقي أضواء على الأدب والحياة، ولعلَّ سبب ذلك أننا لا نسمّي شيئاً نقداً إلا إذا قال صاحبه في عنوانه: هذا نقد فاقرؤوه. أو لعلَّ سببه نظرتنا إلى الرسائل والمذكّرات على أنها أوراق شخصيّة لا يجوز هتك حرمتها".

ويضيف: "لو أننا استطعنا جمع خطابات شوقي أو ناجي أو حافظ إبراهيم، أو أيَّ عظيمٍ من عظمائنا الراحلين، لاستطعنا أن ندرس عصره وعلاقاته وفنّه وفكره من خلال خطاباته، كما ندرسها من خلال إنتاجه الرسمي".

هذه إضاءة هامشيّة، على أثرها اهتمَّ غالبية أدبائنا بما طرحه لويس عوض ليقف في الطابور الطويل كمؤرّخٍ للحياة الإنسانيّة، ليس فقط عبر الفنّ الذي تخصّص فيه، ولكن ربما انتهج فنّاً آخر كان لا يروق له، ليضمن لنفسه مكاناً مهمّاً في مضمار آخر.

وهذا ما جرى لأمل دنقل، فقد اهتمّ بكتابة الرسائل، رغم أنه لم يكن من هواة النثر "لأنه يستهلك روحه الشعريّة"، على حدِّ قوله، إلّا أنه كتب رسائله العاطفيّة إلى الكاتبة عبلة الرويني، التي صارت أ فيما بعد، فنجد أنه لا يكتب باعتباره الحبيب الذي يدافع عن نفسه وفوضاها أمام محبوبةٍ استثنائيّة، بل يستهدف فنّاً مجهولاً ويستهدف ذاته قبل أن يستهدف المخاطَب.

كتب أمل دنقل رسائله العاطفيّة إلى عبلة الرويني، التي صارت زوجته فيما بعد، فنجد أنه لا يكتب باعتباره الحبيب الذي يدافع عن نفسه أمام محبوبةٍ استثنائيّة، بل يستهدف فنّاً مجهولاً ويستهدف ذاته قبل المخاطَب.

لم يحب أمل دنقل سوى عقله، ولم يُغرم عقله سوى بشعره، ولن يخلّد الشعر أحداً في مصر الحديثة كما سيخلّد أمل دنقل، أما العلاقات وقصص الحب فعمرها قصيرٌ...

لم يكن يميل إلى مصاحبة النساء

لم يكن دنقل يميل إلى مصاحبة النساء، ما جعله في رابع لقاء له بـ"عبلة" يقول لها: "يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة".. وكتب أمل لها فيما بعد يقول: "إنني رجل بدأت رحلة معاناتي في سنِّ العاشرة، وفي السابعة عشرة اغتربتُ عن كلِّ ما يمنح الطمأنينة حتى الأبد، وأعتقد أن السهم الوحيد الذي يمكن أن يصيبني في مقتلٍ سوف يجيء من امرأة، ولذلك اتسمت علاقاتي دائماً بالرفض، كنت استغرق في الحبّ لكنني في صميمي كنت هارباً من التمسك بها".

أمل دنقل: "كنت أريد أن يكون عقلي هو السيّد الوحيد لا الحب ولا الجنس ولا الأماني الصغيرة"

ويقول أمل لعبلة في إحدى رسائله:

"إنني لا أبحث فيك عن الزهو الاجتماعي ولا عن المتعة السريعة العابرة، ولكني أريد علاقةً أكون فيها، كما لو كنت جالساً مع نفسي في غرفةٍ مغلقة. إننا ظللنا فترةً طويلة نبحث عن شكل مريح للحب بيننا، ولم نجده في أغلب الأحيان، فما نكاد نلتقي إلّا ونتشاجر، وكأن ما بيننا غضباً وعناداً ساطعاً".

وكتب لها أيضاً:

"بداخلي، قتلتُ حتى الرغبات الصغيرة والضحك الطيّب، لأنني كنت أدرك دائماً أنه غير مسموح لي بأن أعيش طفولتي، كما أنه من غير المسموح به أن أعيش شبابي. كنت أريد أن يكون عقلي هو السيّد الوحيد لا الحب ولا الجنس ولا الأماني الصغيرة، لقد ظللت لا أقبل كلمةً رقيقةً من امرأةٍ لأنني أضطر عندئذ إلى الترفّق معها، وهذا يعني بلغة الإحساس التودّد لها، وهو الضعف الذي لا يغتفر، وقد لا تعرفين أنني ظللت إلى عهدٍ قريبٍ أخجل من كوني شاعراً، لأن الشاعر يقترن في أذهان الناس بالرقة والنعومة، وفجأة ها أنت تطلبين مني دفعةً واحدة أن أصير رقيقاً وهادئاً وناعماً يعرف كيف ينمّق الكلمات".

وللإجابة عن السؤال الذي ورد في عنوان المقال، فإنه لم يحب سوى عقله، ولم يُغرم عقله سوى بشعره، ولن يخلّد الشعر أحداً في مصر الحديثة كما سيخلّد أمل دنقل، أما العلاقات وقصص الحب فعمرها قصيرٌ.. وقد أيقن ابن الجنوب المصري ذلك، فنحّى المرأة والحياة جانباً واختار الخلود، وهذه مغامرة قاسية لا يتحملها إلّا الكبار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard