أوهموني بأن شقيقي هو زوجي، وفعلاً خرجت وأنا أعتقد ذلك

الأربعاء 26 يونيو 201904:57 م

كنت أبلغ من العمر 13 سنة. كنت طفلة ليست لدي أية توجهات سياسية، غير أن الله أنعم عليّ منذ صغري بارتداء الحجاب والتردد على المسجد للصلاة وحفظ القرآن في منطقتي منزل بوزلفة في ولاية نابل، شمال شرق تونس.

أخذت، أنا بسمة البلعي، عن والدتي المتوفية حب الأعمال الاجتماعية الخيرية رغم ظروفنا الاجتماعية الصعبة وقتها، وغادرت باكراً وبمحض إرادتي مقاعد الدراسة غير أني نادمة كثيراً على اتخاذ هذا القرار.

كنت مغرمة بالعمل الخيري. كنت أجمع برفقة عدد من أصدقائي ما تيسر من الألبسة والأغطية والطعام ونوزعها على العائلات الفقيرة في المناسبات والأعياد وخلال شهر رمضان الكريم، ولم يكن عملي يقتصر على منطقتي فحسب بل كنت أتنقل أيضاً في المناطق المجاورة والأرياف.

انقلبت حياتي رأساً على عقب

ومع بلوغي سن الـ17، التحقت بحركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً) ومنذ ذلك الحين انقلبت حياتي رأساً على عقب. استُدعيت لأول مرة إلى مركز الشرطة في منطقتي وكنت أجهل تماماً السبب ولم أكن أتصور أن انخراطي في الأعمال الاجتماعية سيكون تهمة وسيقلق مَن كانوا في الحكم آنذاك، أيام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

ظننت أنّي أقوم بعمل إنساني بحت ينبع من أعماقي. اتهموني خلال التحقيق بالتصرف بدون إذن وقالوا لي إنّي إذا أردت التبرع فهنالك طريقة واحدة وهي صندوق التضامن 26/26 الذي أنشأه بن علي آنذاك، ونبهوني إلى أنهم يراقبون تحركاتي. لم أكن خائفة لأني مقتنعة بأني لم أرتكب خطأ فأجبتهم بكل براءة "اليد اليمنى لا ترى ما في اليد اليسرى".

أسمعوني كلاماً بذيئاً وطلبوا مني الالتزام بعدم الانخراط في أيّة أعمال خيرية اجتماعية مرة أخرى. خرجت من مركز الشرطة بعد التزامي كتابةً بما طلبوه مني غير أن التزامي كان على الورق فحسب وواصلت ممارسة قناعاتي على أرض الواقع لأني كنت أشاهد بأم عيني عمليات التضامن التي تتم عن طريق الصندوق وما يشوبها من مشاعر الذل والإهانة في توزيع المساعدات على مستحقيها.

كنت أتصرف تلقائياً وأنتقل إلى المناطق الريفية وكنت على اطلاع على أوضاع الناس. كنت نشطة وبارزة جداً، وحظيت بدعم كبير من والديّ اللذين شجعاني على الاستمرار لأنهما كانا مدرسة في الأعمال الاجتماعية يُحتذى بها. ومع استمراري في نشاطي، جرى استدعائي عدّة مرات إلى مركز الشرطة وتوبيخي وتهديدي إذا لم أتوقف عن نشاطاتي الاجتماعية.

عام 1987، وكنت قد بلغت الـ19 من العمر، ومع الشهرة التي بدأت أتمتع بها جراء نشاطاتي الاجتماعية وانخراطي في حركة الاتجاه الإسلامي، بدأت سيارات الشرطة في القدوم إلى الحي الذي أسكن فيه والبحث عني. ولحسن حظي كنت معروفة في حيي باسم "حميدة" وهو ما صعّب الأمر في البداية على أعوان الشرطة الذين كانوا يبحثون عني باسم بسمة البلعي.

ومع تواتر عمليات البحث عني، وكنت أجهل سببها، قرر والدي أن ننتقل ونتوارى عن الأنظار في منزلنا الريفي حيث أقمنا قرابة أسبوع ثم عدنا من جديد إلى مدينتي، منزل بوزلفة.

أتذكر أنني في صبيحة عيد الأضحى في تلك الفترة كنت متجهة لأداء صلاة العيد في المسجد وإذا بي ألمح سيارة الشرطة عند مدخل حينا. كنت محظوظة للمرة الثانية إذ لم يتعرّفوا عليّ وواصلت طريقي وأديت صلاتي غير أن قلبي كان يرتجف. شعرت بأن شيئاً ما سيحدث.

في المسجد، التقيت حينذاك ابنة مدينتي ب. س.، وهي إحدى ضحايا نظام الرئيس المخلوع بن علي، إذ اغتُصبت وهي في الـ16 من العمر. أعتبرها بطلة ومثالاً للقوة والصبر في نسيان ما أصابها ومواصلة بناء حياتها. وبعدما ودّعتها أمام المسجد، قامت سيارتا شرطة باختطافها. كنا جميعاً نتساءل عن أسباب ذلك، فهي لم تكن ناشطة سياسياً. كانت طفلة.

لم يعد هنالك من مفر

وفي الوقت نفسه، تواصلت عمليات البحث عني وكانت أجواء الترقب والخوف تعم أرجاء منزلنا. وذات عشيّة، فتحت شقيقتي الصغرى الباب لتجد أعوان الشرطة يسألون عني. لم يعد هنالك من مفر للهروب أو الاختباء. عمّت الفوضى المنزل والحي واقتادوني إلى مركز الشرطة في منزل بوزلفة.

كنت في سيارة الشرطة أستمع إلى كل أنواع الشتائم ولم أفهم ما يحدث. وبوصولنا إلى المركز، أحضروا تلميذتين للتحقيق معهما وكنت أنتظر ما سيحدث خلال الساعات القادمة.

أذكر جيداً أن كافة سكان منزل بوزلفة تقريباً ذهبوا إلى مقر المركز وراحوا يترقبون مصير بناتهن الموقوفات. ركلونا في مختلف مناطق أجسادنا. ضربونا وطرحوا علينا أسئلة كثيرة: "مَن وراءكم؟ مَن يتردد على المساجد؟". قالوا لي إنهم حذّروني مرات عدّة غير أني لم أستجب وإني أعمل في مجال خطير. كانوا يحاولون توتيري حتى أقدّم لهم الاعترافات التي أرادوها.

"آلام الضرب والركل والصفع تُشفى ولكن آلام الضغط النفسي غائرة"

لم تفلح كل محاولاتهم برغم تعذيبي نفسياً وجسدياً. تمسكت برأيي. ليست لديّ أيّة غايات سياسية. كل ما في الأمر أنّي أهوى مساعدة الآخرين. لم أكن خائفة كما لم أكن أعلم مدى خطورة الأنشطة الاجتماعية في تونس في ذلك الوقت. لم أكن أتصور يوماً أن يكون العمل الخيري سبباً في دمار حياتي وحياة عائلتي. استسلمت للأمر الواقع ولحقيقة أنه إلى جانب الأشخاص الطيبين في تونس، هنالك أشخاص أشرار قلوبهم مليئة بالأحقاد الإيديولوجية ويريدون دمار تونس وخرابها.

نُقلت إلى مقرّ التعذيب في مركز فرقة الأبحاث والتفتيش في محافظة نابل، حيث استشهد القيادي في حركة النهضة حينذاك فيصل بركات تحت التعذيب، وكنت شاهدة على ذلك. كل المآسي حدثت في هذه الفرقة. وبصعودنا إلى السيارة رفعت شعار النصر باتجاه أهالي مدينتي، ما أثار دهشة الفتاتين الموقوفتين معي. كنت أتصرف ببراءة ولا علم لي بما يخبئه لي القدر في الأيام القادمة.

قاموا بتوزيعنا على مكاتب تحقيق منفردة. تولى التحقيق معي ثلاثة أعوان أمن تفننوا في ركلي وضربي على رأسي وعلى ظهري. سمعت جميع أنواع الشتائم البذيئة. لعبوا على العامل النفسي باتهامي بعدة تهم خطيرة. قالوا لي: "حذرناك ولم تستمعي إلى تحذيراتنا، أنت تريدين تخريب البلاد". أرادوني أن أقتنع فعلاً بأني مذنبة وأرادوا إخافتي.

كررت نفس اعترافاتي لكنهم لم يقتنعوا واستمروا في إذلالي. أهانوا والديّ. لن أنسى ما قالوه عنهما. اتهموهما بزنا المحارم. قالوا لي إن أباك وأمك شقيقان وذلك فقط لأنهما يحملان ذات اللقب. شعرت بضيق كبير حينها. ومع تمسكي بالإنكار، قدّموا إلي رسالة أتى فيها أحد الموقوفين على ذكري وقال فيها إني على صلة به وبالموقوفة ب. س.، واتهمني الأعوان بالانتماء إلى حركة محظورة، هي حركة الاتجاه الإسلامي.

وضعوني أمام الأمر الواقع. ورغم ذلك، أنكرت معرفتي بهذا الشخص لأني لو اعترفت سأتسبب في إيقاف وتعذيب أشخاص آخرين كانوا وسطاء بيننا. لم أرد التسبب في مشاكل وآلام لهم خاصة وأن بينهم فتيات. وأمام تمسكي بالإنكار قالوا لي إنهم سيجرون مواجهة بيني وبين هذا الشخص. كان شتاء شديد البرودة. حققوا معي لمدة ثلاثة أيام متتالية من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الثالثة فجراً من اليوم التالي وهكذا دواليك. كنت أعود إلى المنزل برفقة عائلتي التي تنتظرني في الخارج، نرتاح لساعتين فقط، ثم نرجع لاستكمال الأبحاث في مقر الفرقة.

حطموا عائلاتنا نفسياً للضغط علينا للاعتراف. كنت خائفة من المواجهة ليس على نفسي ولكن أقلقتني فكرة ما إذا كان الشخص الآخر سيعترف أم لا بأسماء الفتيات اللواتي عرّفنا بعضنا على بعض. ولحسن الحظ أنه أنكر كل شيء، وأمام إصرار أعوان الأمن قلت لهم إنني أعرفه سطحياً وإنني التقيته مصادفة مرة في محطة الحافلات.

تمسكت دائماً بقناعتي بأن نشاطي في الأعمال الخيرية ليس تهمة أو خطراً على البلاد. اعتدوا عليه بالضرب المبرح أمامي ورغم ذلك كان شجاعاً ولم ينهَر. شاهدت في إحدى المرات الموقوفة ب. س. في حالة يرثى لها ولم تكن تتجاوز الـ16 من العمر. كانت لا تقوى على الوقوف ونزعوا عنها حجابها.

ولكن ما يفرحني في بسمة اليوم أنها غيورة على أيّة فتاة اغتصبوها في أقبية السجون. خلقت من مأساتها قوة ولم تتوقف حياتها، بل واصلت وتزوجت وأصبحت أماً. لم أكن خائفة ليس لأني بطلة بل لأني مؤمنة بأني غير مذنبة.

في آخر يوم من التحقيق ضربوا والدتي ووالدي وأخبروهما أنهم سيذهبون إلى أرضنا في الريف للبحث عن ملفات وأشرطة مزعومة لي مخبأة تحت التراب. وفعلاً ذهبوا لكن لم يجدوا شيئاً. كنت أتعذب وأتألم نفسياً لمعاناة عائلتي.

آلام الضرب والركل والصفع تُشفى ولكن آلام الضغط النفسي غائرة تصاحبني إلى اليوم، وما زاد الطين بلة ورود خبر الاغتصاب الوحشي الذي تعرضت له ب. س. انهرت تماماً.

مرحلة التخفي

لم يتوصلوا إلى شيء يدينني فأطلقوا سراحي، ومع بلوغ نشاط حركة الاتجاه الإسلامي ذروته كنت ناشطة ومشاركة بارزة في حملة الانتخابات الرئاسية في تونس سنة 1989، ووردتني حينذاك تعليمات بالهرب والخروج من مدينتي لأني على قائمة المطلوبين لدى الأجهزة الأمنية.

طبقت التعليمات لمدة عام ونصف تألمت خلالها كثيراً. لم أزر فيها عائلتي بتاتاً. كنت أتنقل من مكان إلى آخر في محافظة تونس إلى أن أقمت مع إحدى قريباتي في تونس العاصمة، فما كان من الأجهزة الأمنية إلا أن قامت بأخذ شقيقتي الصغرى رهينة للضغط عليّ كي أسلم نفسي.

ورغم ذلك، غامرت وزرت والدي مرتين فقط لشدة تعلقي به واشتياقي له. أعتبر فراقي عن والدي أعمق جرح في حياتي. وكانت أختي الكبرى تزورني بين الفينة والأخرى وتحذّرني من الخروج خارج المنزل لأنهم كانوا يقومون بعمليات مداهمة وتمشيط شاملة شبه يومية في مدينتي.

ذات يوم من أيام سبتمبر 1991، وأنا أهم بالصعود إلى الحافلة مع قريبتي لزيارة إحداهن، رأيت مشهداً لا زال إلى اليوم عالقاً في ذهني. كان ذلك مقدراً لي فإلى متى سأهرب وأختفي؟ شاهدت شقيقتي الصغرى تنزل من سيارة بيضاء عارية الرأس حافية القدمين فهرولت راكضة باتجاهها. كانت تشير إلي بأن أبتعد لكني لم أفعل. كنت فقط أريد الوصول إليها والابتعاد عن قريبتي حتى لا تتورط معي.

كنت أصيح: "نجوى نجوى شقيقتي". أمسك بي أعوان الأمن ووضعوا المسدس على جسدي. كانوا خمسة يرتدون لباساً مدنياً. طلبت منهم إطلاق سراحها لأن لا دخل لها في أي شيء فسخروا مني قائلين "دُوّيوْ (هيهات) ولا حرف". اقتادونا إلى السيارة وصعدنا. كنا متراصين وتعمدوا إحراجي وإذلالي أنا وشقيقتي وكأننا نجلس فوقهم.

طوال الطريق ضربونا وصفعونا وهددونا بالاعتداء علينا جنسياً. كنت حزينة جداً على شقيقتي. كانت صغيرة وبريئة ليس لها ذنب سوى أنها أخت بسمة البلعي. تعرّضت لكل أنواع التعذيب. ضربوها وشتموها وحاولوا إجبارها على شرب الخمر فرفضت وانهارت ودلّتهم على مكان اختبائي في العاصمة تونس، ولكني رأيتهم قبل أن يجدوني، وأنا أتفهمها جيداً وأعذرها ولا ألومها.

في مقر فرقة الأبحاث والتفتيش في نابل، وضعوا كل واحدة منّا في مكتب. طلبوا مني التوقيع على محضر فرفضت في البداية ولكني فكرت أني بتوقيعي ربما يطلقون سراح شقيقتي وهو ما لم يحدث إذ ظلت معي في الإيقاف لمدة عشرة أيام كورقة ضغط ضدي.

كانوا مصرّين على تحطيمي نفسياً ونجحوا في ذلك. لم أعد أشعر بآلام آثار الضرب المبرح والركل على جسدي أو بتمزيق ثيابي فوق جسدي العاري بقدر أوجاع نفسيتي التي تحطمت وأنا أرى شقيقتي التي لم تتجاوز حينذاك الـ16 من العمر تتألم أمامي، كنت أسمع صراخها وكانت هي أيضاً تسمع صراخي.

"كان الأعوان يدخلون علينا وهم سكارى ويتحرشون بنا، كانوا يتحسسون أجسادنا العارية"

في ثالث أيام إيقافنا، جمعونا وأصبحنا نقيم في نفس المكتب. أوصيتها بعدم الإفصاح عن أيّة أسماء لأعضاء في الحركة ممّن يترددون على منزلنا وبضرورة التمسك بالإنكار. خفت من أن تتعرض لنفس مصير الفتيات اللواتي جرى اغتصابهن. عشت كابوساً. خلال تلك الفترة، كان الأعوان يدخلون علينا وهم سكارى ويتحرشون بنا، كانوا يتحسسون أجسادنا العارية.

ولكن، وبنعمة من الله، قرروا إطلاق سراح شقيقتي بعد مرور ثلاثة أيام. تعمّدوا تركها ملقاة على قارعة الطريق في الظلام عارية الرأس حافية القدمين ممزقة الثياب ولا تملك مالاً لاستقلال وسائل النقل. ولكن لحسن الحظ والديّ اللذان زاراني يومها كانا لا يزالان في الخارج والتقيا بها في محطة الحافلات.

أتذكر لحظات توديعها لي. كنت سعيدة. يكفيني أنها ستتخلص من هذا العذاب. وهي كانت حزينة تبكي لأنها تتركني بين مخالب هذه الوحوش الآدمية. بقيت لمدة شهرين كاملين في مقر فرقة الأبحاث والتفتيش. كنت أنام على أرضية المكتب دون فراش أو وسادة أو غطاء وكان الطقس شديد البرودة. أحياناً، كنت أنام فوق طاولة المكتب وكنت أرتدي ثياباً خفيفة.

يومياً كانوا يتحرشون بي

كنت فتاة وحيدة بين عشرات الأعوان من الرجال وكان مجرد التفكير بمصيري وبتعرضي للاعتداء يحطمني. يومياً، كنت أتألم ويتحرشون بي وأتعرض للضرب حتى أنه كان يحلو لهم إيقاظي في الثانية فجراً لضربي وليمارسوا عليّ "الفلقة"، وهي طريقة للضرب بالعصي. كانوا يأتون بفريق كامل ويستعينون بمجموعة من العصي يطلقون عليها أسماء وردة وعبد الحليم وأم كلثوم.

كانوا يطلبون منّي الاختيار، وكنت دائماً أختار وردة وعبد الحليم وأتلقى ضرباً قاتلاً على طول ذراعيّ، وفي حال قاومت كنت أتعرض للضرب المضاعف فيضعون يديّ في الماء البارد حتى لا تنكمش ويعاودون ضربي. كانوا يعلمون ما يفعلون. كانوا محترفين في التعذيب.

"كان يحلو لهم إيقاظي في الثانية فجراً لضربي وليمارسوا عليّ ‘الفلقة’. كانوا يستعينون بمجموعة من العصي يطلقون عليها أسماء. كانوا يطلبون منّي الاختيار، وكنت دائماً أختار وردة وعبد الحليم"... قصة التونسية بسمة البلعي في سجون بن علي
"في ليلة، دخل عليّ قرابة عشرين عوناً ومعهم أحد موقوفي حركة الاتجاه الإسلامي. كان عارياً تماماً. قاموا بتعريتي وطلبوا مني أن ‘ألعب’ بعضوه التناسلي"... قصة التونسية بسمة البلعي في سجون بن علي

كنت أتلقى "الفلقة" حتى أغيب عن الوعي. لم أعد أحتمل الملابس على جسدي المجروح. إلى اليوم، لا أستطيع تحريك ذراعيّ إلى الأعلى. في إحدى زيارات والدي لي ارتكبت خطأ غير مقصود وسلمته ثيابي الممزقة عوض أن أتخلص منها. لم يتحمل والدي كأي أب يخاف على ابنته من اعتداءات الوحوش وأصيب بجلطة. تحسرت ولا أزال على ما أصابه.

ورغم إصابته بالمرض لم يكفّ والدي الحبيب عن زيارتي ورفع معنوياتي، كان يلاحظ آثار الضرب الواضحة على جسدي ووجهي ورغم ذلك كان دائماً يحذّرني من الاعتراف بأسماء أصدقائي. كان ولا يزال عظيماً في نظري، على عكس بعض الآباء الذين كنت أشاهدهم وهم يضربون بناتهم الموقوفات ويطالبونهنّ بالاعتراف والاستسلام.

في ليلة أخرى من جحيم الإيقاف، دخل عليّ قرابة عشرين عوناً ومعهم أحد موقوفي حركة الاتجاه الإسلامي. كان عارياً تماماً. قاموا بتعريتي وطلبوا مني أن "ألعب" بعضوه التناسلي. رفضت فصفعني أحدهم إلى أن تناثرت دمائي من أذني وبدأوا باستفزازي وبتعذيبه إلى أن صار يتبول أمامي. أردت إيقاف الزمن وكل شيء فاعترفت بأني أمتلك ملفات تخص الحركة.

لم أكن مخيّرة. كان عليّ فعل ذلك حتى أنقذ ما أستطيع إنقاذه حتى وإنْ كان على حساب سلامتي وحريتي.

وفي تلك الليلة المشؤومة أخذوني معهم في السيارات الأمنية وأنا عارية تماماً للبحث عن الملفات في أرضنا في الريف. توسلت إلى أحد الأعوان حتى يمنحني معطفه لأستر به جسدي فأعطاني إياه. كانت ليلة مليئة بالفوضى. لم يجدوا شيئاً لأني كذبت عليهم حتى يوقفوا تعذيب زميلي، فعادوا إلى ركلي وضربي وشتمي.

في تلك الفترة، قبضوا على العديد من قياديي الحركة، من بينهم شقيق الشهيد فيصل بركات والذي سألوني عن علاقتي به فأنكرت معرفتي به. أكذب إنْ قلت إني لم أعش حالة رعب وخوف كبيرة حينها. كنت مصدومة وكأني في عالم آخر. كانت مجزرة بأتم معنى الكلمة في مقر الفرقة. كنت أستمع إلى صراخ إخواني وأخواتي في الحركة وأتابع عمليات تعذيبهم.

كنت أشاهدهم وقد تم اقتلاع أظافرهم وأُحضرت زوجاتهم وأمهاتهم وجرى تعريتهن والتحرش بهن وضربهن. كنت أتحطم نفسياً. عاقبوني بمشاهدة عذاب الآخرين. في الثامن من أكتوبر سنة 1991، استشهد فيصل بركات تحت التعذيب فأخذوه ورموه في منزل بوزلفة وتم تزوير القضية وقيل إنه توفي جراء حادث مرور.

كنت شاهدة على ذلك. رأيته عندما أنزلوه وقد ربطوا عورته بواسطة صنارة، وكنت من بين النسوة اللواتي قمن بغسل الغطاء الذي استعملوه لتغطية الشهيد، ثم أعادوه إلى السجن وطلبوا مني ومن سجينتين أخريين غسله لإخفاء آثار الجريمة. كان مليئاً بدمائه. استمروا في تعذيبي وجلبوا لي موقوفا آخر استشهد أيضاً تحت التعذيب وكانوا يعذبونه هو أيضاً أمامي وهو عارٍ تماماً.

تواصل التعذيب إلى حين صدور الحكم بسجني لمدة سبعة أشهر، سنة 1991، بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها وإعداد مقرّ وتوزيع مناشير لقلب نظام الحكم. في السجن وجدت دكتاتورية من نوع آخر. كانوا يمنعوننا من أداء الصلاة ومن الصوم الجماعي.

لم يكن سهلاً عليّ أن أعيش مع أشخاص متهمين في جرائم حق عام ومن بينهن مَن يمارسن السُحاق. بعد انقضاء مدة الحكم، كانت صدمة وفاة والدي بعد يوم واحد فقط من خروجي. لا زالت حرقة فراقه تؤلمني إلى اليوم.

وكانت الإقامة الجبرية تنتظرني. ظللت تحت المراقبة الإدارية لمدة عشر سنوات (1991-2001) لا أتحرك خارج باب منزلنا إلا بترخيص من مركز الأمن. مرضت بالأعصاب، وفقدت وزناً، وتساقط شعري من آثار التعذيب وظروف السجن القاسية. لم تفارقني مشاهد تعذيبي العنيفة. تسببت لي بأضرار نفسية خطيرة.

لم يكن سهلاً عليّ تقبّل وفاة والدي. كنت بحاجة ماسة إلى قضاء وقت طويل معه يعوّض فترة حرماني من أحضانه. كنت سجينة خارج أسوار السجن. لم أستطع ممارسة حياتي كأي إنسان عاديّ. لم أستطع لا العمل ولا الزواج ولا بناء أسرة. تزوجت رجلاً أكبر من والدي ثم تطلقت. ذهب عمري هدراً.

كنت أتردد يومياً على مركز الأمن حتى ألتزم تحت التهديد بعدم تقديم شهادتي حول استشهاد فيصل بركات لأني كنت شاهدة على ما جرى معه. مرضت والدتي وفقدتها. كان ما يحدث لي أثقل من أن أستطيع تحمله. لم تعد لحياتي أيّة نكهة أو معنى. دفعت فاتورة غالية.

سنة 1995، تم إيقافي مرة أخرى إثر اعتراف أحد الموقوفين بأنني كنت ناشطة معهم وإدلائه بتفاصيل عن نشاطي. قاموا بتعذيبي سكبوا عليّ الماء البارد والساخن في نفس الوقت، أوهموني بأن شقيقي حبيب البلعلي، وهو أيضاً كان سجيناً سياسياً اعتُقل سنة 1995 بتهمة الانتماء إلى حركة الاتجاه الإسلامي، هو زوجي وفعلاً خرجت وأنا أعتقد أن شقيقي هو زوجي!

تناوب قرابة 15 عوناً على ضربي على رأسي والصراخ في وجهي فحدث لي ما يشبه غسيل الدماغ وفقدت ذاكرتي. أخذوني في السيارة وألقوا بي في إحدى المناطق وأنا على تلك الحالة. حملني أهل الخير وبقيت لمدة ستة أشهر في المستشفى وأنا فاقدة للقدرة على النطق، ورغم ذلك لم يتركوني وشأني. كانوا يأخذوني إلى مركز الأمن لأمضي على الالتزام.

بقيت لمدة ثلاث سنوات معوقة غير قادرة على المشي وبدأت أتعالج عند طبيب نفسي، أردت العيش فقاومت عجزي ومرضي وتخلصت من الأدوية التي كانت تجعلني دائماً غائبة عن الوعي، غير أن الأضرار النفسية لا زالت على حالها.

مررت بفترات اكتئاب قاسية كان تغلبي عليها صعباً ومؤلماً. وعندما جاءت الثورة التونسية كانت بمثابة الفرحة العارمة التي لا يمكن أن يشعر أحد بأهميتها مثلي. لا أحب سماع أولئك اللذين يقولون إن بن علي سيعود لأن الذي عشته لا يمكن أن يحدث في دولة مسلمة.

لست إرهابية ولم أمارس أعمال عنف ولم أهدد أمن البلاد. كنت مسالمة، وأنا أنتظر من جلاديّ الحضور إلى جلسات المحاكمة والاعتذار والاعتراف بما اقترفوه حتى تتضمّد جراحي. في داخلي وجع كبير ولكني متأكدة من أن عدالة السماء ستأخذ مجراها.

هذه الشهادة كتبتها منيرة حجلاوي بناءً على مقابلة أجرتها مع بسمة البلعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard