نقاشات حول التهديدات الأمريكية والجنس بين فرويد وأينشتاين وشِلتاغ

الأحد 23 يونيو 201909:48 م

حتى باعة الخضروات والسمك والباعة الجوّالون، يتحدثون عن الحرب وعن قدوم ترامب، والساعة المرتقبة لدخوله. يأمل الجميع في التغيير مهما كلّف الأمر؛ حتى إن كان على حساب صواريخ بالستية ستقع بالقرب منهم.

يقول محلل سياسي محنك في الأهواز، وهؤلاء المحللون لا يظهرون لا في قنوات ولا في إذاعات، وهم غير معروفين كلياً، ولا يتدخلون أبداً في الانتخابات البرلمانية الإيرانية ولا يعتلون مناصب مهمة؛ كما أنهم ليس لديهم مقدار عفطة عنز في اتخاذ القرار. أكثرهم قضى على العقد الخامس من عمره، وأحالهم العمر إلى التقاعد.

يجلسون عصراً أمام منزل اتخذوه مقرّاً لهم؛ إذ هو مقرّ ذروة الازدحام في مناطقهم، ويربطون رؤية "بي بي سي العربية" بمرأة تجرّ أطفالها، ووجهة رأي "الجزيرة" بالبالوعات التي خرجت مياه الصرف الصحي منها، و"العربية" بالتحرّشات التي تسبب بالمشاجرات، و"العالم" بارتفاع البصل والبطاطا، ونشرة الظهيرة في القناة الأولى الإيرانية روتين لا طائل منه بالنسبة لهم، إلا إذا نزلت الأسعار أو ارتفعت.

يجلسون عصراً أمام منزل اتخذوه مقرّاً لهم، ويربطون رؤية "بي بي سي العربية" بمرأة تجرّ أطفالها، ووجهة رأي "الجزيرة" بالبالوعات التي خرجت مياه الصرف الصحي منها، و"العربية" بالتحرّشات التي تسبب بالمشاجرات، و"العالم" بارتفاع البصل والبطاطا.

وقد غابت حِدّة هذه الاجتماعات منذ حرب الخليج الأولى والثانية، وعادت مع تصاعد أحداث تجري في ذات الخليج المنقسم على تسميتين.

قال الأصغر سناً فيهم -أو كنتُ أظنه الأصغر سناً-: "الصاروخ الأمريكي، صاروخ فاهم ويعرف كيف يتعامل مع هدفه؛ مثلاً ينطلق من قاعدته ويصل للبيت المستهدف، يطرق الباب ويسلّم بكلِّ أدب، ويسأل (آر يو فلان)، فإذا كانت الإجابة نعم، يأخذ الإذن بحرقه من القاعدة، وتطلب منه القاعدة الأمريكية أن يبز هويته لآخر إجراء يقي من الخطأ، أو يكمل بحثه في البيت كلّه، غرفة بعد غرفة. ولكن صواريخنا لا تعرف التفاهم، ولا تتقن العناوين مثل جماعة الباسكاه (المخفر)، تريد أن تُفهمهم أنك مسروق، فتجد نفسك قد صُفعت خمس صفعات محترمة".

وينقطع حديثهم مهما كان ساخناً مع مرور فتاة جميلة، حيث يستخدمون سياسة الصاروخ الأمريكي في تحليل التفاصيل: "عيناها تشبه بيت فلان، وشعرها من بيت فلان". أما إذا نزل التحليل إلى العجيزة، فإنهم يحددون الأسماء تحديداً، بذكاء لا يضاهيه الذكاء الإلكتروني في تحديد الهدف. والصدور الناهدة أو الضامرة، فهي لتحديد مصدر القبيلة. وهم على علم بمراكز كلّ هذه القواعد الأنثوية.

يمثّل "شِلتاغ" بين الكهول اتّجاه الجمهوريّين في أمريكا. يؤمن بأنّ العنف هو الحلّ الوحيد لحلّ أي مشكلة. حتى أنه يتدخل في أيّ نزاع، وإن كان بعيداً عنه كلّ البعد، بالتصويب بكلاشنكوف على محولات الكهرباء الأربع، وعلى واجهات الدكاكين وعلى السيارات الواقفة في الشارع، ليصل بالمتشاجرين إلى أقصى مرحلة ممكنة. وفلسفته: "الشرّ وحده هو الحلّ الأمثل للبشر، ولا طريقة للسيطرة على البشرية سوى التقليل منهم مع أي فرصة متاحة". وغاية السلام عنده أن تكون كلّ المنازل التي بقربه له وحده، وأن يهابه الجميع وأن يفرض رأيه. والرجل رغم أمّيّته يستشهد بأرسطو ورأيه في غاية الحروب.

يشكّل شِلتاغ جبهة، بينما يشكّل كلُّ الجالسين لمراقبة الذروة البشرية والحرية جبهة أخرى. وكلا الجبهتين ترى أنه: "يجب أن نشغلهم بحربهم".

إذاً كلّ ما حولنا يتحدث عن حرب مرتقبة. نحاول البحث عن سبب للموت الذي قد ندخل فيه، موت لا يد فيه لنا. في الكتاب الصادر عن منشورات تكوين تحت عنوان "لماذا الحرب؟"، كان العنوان وحده كافياً للابتعاد عن الكتاب وإهماله، لكنها الأسماء، هي التي تتلاعب باتّخاذ قراراتنا. يكفي أن يحمل العنوان اسمين "سيغموند فرويد" و"ألبرت أينشتاين". وقد وجّه أينشتاين رسالة يسأل فيها: "هل ثمة طريقة تنقذ البشرية من خطر الحرب؟".

مثلما هو متوقع، من فرويد ومن أينشتاين، ليست هناك حلول سريعة وجاهزة. حوارهما هو مواجهة حقيقة لا مفرّ فيها من الحرب، ومن وقوع كارثة طبيعية. وبما أنّنا ذكرنا الكوارث الطبيعية، أطمْئنكم أنّنا بخير؛ مرّت السيول من مئات المدن والقرى، وحصدت أكثر مما تحصده حروبكم.

ركّز الإعلام الإيراني منذ سنوات على قضيتين؛ الأولى عدم الحاجة للاعتماد على البترول، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي. والثانية هي أنّ الشعب الإيراني يوحّده العدوُّ الخارجي؛ بل تَحمّس بعض المذيعين للقول إنّ الشعب الإيراني وحده من يتوحّد مع كلِّ أزمة حتى المعارضة. فجأة وجد المجتمع الإيراني نفسه في مواجهة تهديدات حرب، مثلما فطن الآن إلى طبقات فوق القانون، وتملّك ثروة هائلة. طبقة لا تقيم للدِّين وزناً، وتتباهى بثروتها عبر آليات جنسية. كان جيلٌ يمارس ألعابه في الأقبية؛ تلك الأقبية التي وُلدتْ فيها أكثر الكتب منعاً، غير أنها لم تعد اليوم تتّسع لممارساته.

ويرى فرويد أنّ "للعدوانية وظيفة من نوع آخر، فهي وسيلة لتعزيز التلاحم داخل الجماعة أو الأمة. لا يمكن تصور أمة تكون حدودها هي كامل حدود الانسانية جمعاء، لأنّ العدوانية ستكون عندئذ، مكفوفة ولا موضوع تستهدفه، مما يعني أنها سترتد على الذات لتصبح هي هدف العدوان والتدمير".

بينما يجد "الحبّ والتواد والتراحم الذي يؤسس أواصر الروابط بين جماعةٍ ما، لا يمكن ضمان استمراره إلا باختراع آخرين تكون وظيفتهم تلقي الضربات، ضربات العدوانية، وإلا ارتدّت الضربات إلى داخل الجماعة مهددة بانقسامها وتفتتها".

لماذا يعتبر شِلتاغ ممرّاً لفهم الحرب؟ يقول أينشتاين: "لا أفكر فيمن يُطلق عليهم الجماهير غير المثقفة، بأيّ حال من الأحوال؛ إذ إنّ التجربة قد أثبتت أنّ النخبة المثقفة هي الأكثر عرضة لأن تذعن لهذه المقترحات الجمعية التدميرية، ذلك أن المثقفين لا يتواصلون مباشرة مع الحياة الحقيقية، بل يتعرفون إليها في أسهل أشكالها الاصطناعية، على الصفحات المطبوعة".

ويشير فرويد إلى أسهل معاني الحرب: "أودّ أن أناقش مسألة أخرى لم تطرحها في خطابِك، وتهمّني على نحو خاص: لماذا نثور أنا وأنت وغيرنا العديدون بعنف شديد ضدّ الحرب؟ لماذا لا نعتبرها واحدة من الكوارث المتعددة في الحياة المؤلمة؟"

ومثلما هو متوقع، من فرويد ومن أينشتاين، ليست هناك حلول سريعة وجاهزة. حوارهما هو مواجهة حقيقة لا مفرّ فيها من الحرب، ومن وقوع كارثة طبيعية. وبما أنّنا ذكرنا الكوارث الطبيعية، أطمْئنكم أنّنا بخير؛ مرّت السيول من مئات المدن والقرى، وحصدت أكثر مما تحصده حروبكم، لكنها كارثة طبيعية. لن يستغني البشر عن موّحدتهم وجامعة شملهم، ولو استغنوا فسيرتدّ شِلتاغ إلى أقرب الناس له ويقنصهم واحداً تلو الآخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard