"احتلال متكامل الأركان"... خلافات بالجملة بين الحكومة اليمنية وتحالف الرياض-أبوظبي

الأحد 23 يونيو 201905:33 م

بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب التي يقودها التحالف العربي بقيادة السعودية على اليمن، لإعادة "الشرعية" والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وتحرير صنعاء من المقاتلين الحوثيين، بدأ مسؤولون في الحكومة الحليفة له باتهام الرياض وأبوظبي بالعمل على حماية مصالحهما واحتلال الجزر اليمنية والسيطرة على المراكز الحيوية في جنوب البلاد.

الآن، تعتبر بعض وجوه الحكومة اليمنية أن قوات التحالف العربي انحرفت عن مهمتها. فبدل دعم الحكومة وقواتها العسكرية، اتجهت الإمارات لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي لها والذي تشكل عام 2017 ويطالب بانفصال جنوب اليمن، ودعمت مليشيات مسلحة تقوّض عمل الحكومة.

كذلك، يتحدثون عن عرقلة عودة الرئيس هادي المقيم في السعودية إلى عدن، بالإضافة الى مساعٍ سعودية-إماراتية لـ"احتلال" أرخبيل سقطرى في المحيط الهندي، ومحافظة المهرة شرق البلاد.

"أهدافكم في اليمن تبدلت"

"كنت أعتقد أننا وأنتم نحمل هدفاً واحداً في الانتصار للشرعية ولليمن، لذا رأينا في تضحياتكم في عدن والمكلا وتهامة فعلاً أخوياً وعروبياً رفعناه لدرجات علياء. اليوم لم يعد خافياً على أحد أن أهدافكم في اليمن قد تغيرت وتبدلت. لم يعد الحوثيون في هذه المواجهة في اليمن سوى تكتيكاً يتم به خلط الأوراق وتمرير مشروع التقسيم. لم تعد مواجهة مخططات إيران للسيطرة والهيمنة على المنطقة عبر السيطرة على أجزاء من اليمن أمراً يهمكم، رغم ارتباطها الوثيق بأمنكم وأمن المنطقة".

هذه العبارات هي جزء من منشور طويل كتبه على فيسبوك رئيس الحكومة اليمنية السابق أحمد عبيد بن دغر، اتهم فيه التحالف العربي بقيادة مخطط لتقسيم اليمن وباستغلال الحوثيين كذريعة لتنفيذ مخططه التقسيمي.

وكان بن دغر قد قاد تحركات في جزيرة سقطرى، العام الماضي، قبل إقالته من منصبه، ضد تواجد القوات الإماراتية فيها، أجبرت أبوظبي على سحبها.

وختم بن دغر منشوره بقوله إن "هناك خطيئة كبرى تصنع في اليمن، كل الذي جرى ويجري في صنعاء المستباحة وعدن المكلومة هدفه تمزيق اليمن، نعم هناك مؤامرة تعصف باليمن، وتمس بصورة وثيقة وحادة بأمن الأمة، بدأها الحوثيون بجريمة لا تغتفر، ويكمل مخططها بعض منا، مؤامرة أولى نتائجها دولة إيرانية الولاء والنهج والهدف في شمال اليمن، ودولة أو دويلات هزيلة ضعيفة مسلوبة الإرادة والكرامة في جنوب اليمن. هذا ولا شيء غيره".

مَن يعيق عودة هادي؟

"لا عذر لنا ولا عذر لأشقائنا في التحالف. ما هي هذه المواقف؟ وكيف سنواجه المشروع الإيراني في البلد؟ ألم تأتِ هذه القوات من الأشقاء في التحالف العربي من أجل مساعدة الشعب اليمني وعودة الشرعية؟ مَن الآن يعيق الشرعية وعودة مؤسساتها؟"، تساؤلات أطلقها نائب رئيس البرلمان اليمني، عبد العزيز جباري، عبر فضائية سهيل المحلية، من العاصمة السعودية الرياض، تُبيّن مدى تحكم التحالف العربي بكافة الملفات في اليمن.

وأشار جباري إلى تحكم التحالف بالمشهد العسكري بشكل كامل، متحدثاً عن أنه أوقف التقدم في جبهة نهم وصنعاء، ومتهماً إياه بالدخول إلى اليمن لتحقيق مصالحه.

أتى ذلك عقب تصريحات لمستشار وزير الإعلام والسكرتير السابق في الرئاسة اليمنية مختار الرحبي أكد فيها أن الإمارات هي مَن يمنع الرئيس هادي من العودة إلى عدن.

واتهم الرحبي أطرافاً في التحالف بمحاولة إظهار الحكومة عاجزة وغير قادرة على عمل شيء لكي يستمر التدخل في القرار السيادي في اليمن، مشيراً إلى "أن قرار الحرب وتحرير المناطق بيد التحالف الذي يدير كل شيء في اليمن".

في الميدان، تبرز تحركات عسكرية لقوات موالية للإمارات في جزيرة سقطرى، ومحافظة شبوة، جنوب شرق اليمن، للسيطرة على المحافظتين اللتين ما زالتا تشهدان تواجداً كبيراً للقوات الموالية لهادي.

وشهدت جزيرة سقطرى الأسبوع الماضي اشتباكات، بعد محاولة قوات موالية للإمارات السيطرة على مينائها، بالتزامن مع اشتباكات أخرى في مدينة عتق في محافظة شبوة، أعقبت دفع الإمارات بقوات النخبة الشبوانية للسيطرة على مطار عتق.

وتشهد محافظة المهرة، شرقي البلاد، هي الأخرى اعتصاماً أمام منفذ صرفيت الحدودي مع سلطنة عمان ضد تواجد القوات السعودية وحلفائها فيه وتطالب بخروجهم منه ومن كامل مديرية حوف، وتحذر من وصول الأمور إلى العنف، عقب تظاهرات واعتصامات شهدتها المحافظة خلال الأشهر الماضية رفضاً للتواجد السعودي.

وفي العاصمة المؤقتة عدن، الأمور تُطبخ على نار هادئة، وسط تحشيد لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة على المؤسسات الحكومية، بدعم من الإمارات، ما دفع بوزير التربية والتعليم عبد الله لملس إلى كتابة منشور على فيسبوك قال فيه: "الشرعية تواجه انقلاباً في صنعاء وتمرداً في عدن".

"احتلال متكامل الأركان"

ووصف وزير الدولة عبد الغني جميل تواجد القوات الإماراتية في سقطرى، بأنه "احتلال متكامل الأركان"، وتساءل في منشور على فيسبوك: "ماذا تريدون من سقطرى؟ لا يوجد فيها حوثي لا توجد فيها قاعدة أو داعش أو أي عناصر تخريبية على الإطلاق".

واعتبر أنه "لا يوجد هناك أي مبرر يذكر لتواجد الإمارات في جزيره سقطرى وهذا يعني احتلالاً بمعنى الكلمة، احتلالاً متكامل الأركان"، مضيفاً: "لن نكون شماعات أو جسر عبور لاحتلال جزرنا وموانئنا وانتهاك سياده بلدنا مهما دفعنا الثمن... لن نسكت لن نسكت طفح الكيل".

وتمكنت وحدات من قوات الجيش والأمن التابعة للرئيس هادي من السيطرة على مدينة عتق، عقب مواجهات مع "النخبة الشبوانية"، ثم نجح اجتماع وساطة قبلية عقد في منزل المحافظ في نزع فتيل الأزمة بين الطرفين، وأعاد كل طرف إلى مواقعه.

تثير قوات "النخبة الشبوانية" حفيظة كثيرين من مؤيدي الحكومة، فقد وصف وزير النقل صالح الجبواني عناصرها بـ"الصبيان" ودعاهم إلى مغادرة مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، "قبل أن تنفجر حمم المجتمع في وجوههم".

يمنيون من حلفاء "التحالف العربي" يتهمون السعودية والإمارات بدعم مليشيات مسلحة تقوّض عمل الحكومة، وعرقلة عودة الرئيس هادي، والسعي إلى "احتلال" أرخبيل سقطرى ومحافظة المهرة، والسيطرة على نفط شبوة
"لن نكون شماعات أو جسر عبور لاحتلال جزرنا وموانئنا وانتهاك سياده بلدنا مهما دفعنا الثمن... لن نسكت لن نسكت طفح الكيل"... يمنيون من حلفاء "التحالف العربي" يتهمون السعودية والإمارات بـ"احتلال" اليمن

وكتب الجبواني على تويتر أن أفراد النخب القبلية ومَن يقف خلفهم لا يعلمون أنهم معزولون عن المجتمع، محذراً من أن "القوى الكامنة في المجتمع والمتمثلة بعموم الناس الذين يستفزهم الارتزاق وجرح كرامتهم الوطنية لم تخرج بعد".

ودربت الإمارات خلال السنوات الماضية آلاف العناصر المنتمين إلى مليشيات مسلحة لا تخضع للحكومة الشرعية، وتدعمها بالمال والسلاح ومن بينها قوات "العمالقة"، و"الحزام الأمني"، و"قوات النخبة".

بدورها، حذّرت "الهيئة الوطنية لحماية السيادة ودحر الانقلاب"، التي تأسست في مدينة تعز في 22 مارس 2019، وتعرّف نفسها بأنها "تشكيل وطني طوعي واسع الطيف... استدعت وجوده الضرورة الوطنية القصوى في ظل الانتهاكات متعددة الأبعاد لسيادة الجمهورية اليمنية"، حذرت من خطورة التحركات الميدانية للقوات الإماراتية في أرخبيل سقطرى ومحافظة شبوة.

وأعربت الهيئة في بيان عن إدانتها للسلوك الذي وصفته بـ"العدواني الهمجي الاستعلائي البغيض" الذي تمارسه القوات الإماراتية في سقطرى وشبوة.

ووصفت الإمارات بـ"الدولة الوقحة المتعجرفة"، منتقدة ما اعتبرت أنه مساعٍ من أبو ظبي لسلخ جزيرة سقطرى والسيطرة على مصادر النفط في محافظة شبوة، "وتوظيفها في خدمة مخططها لتقسيم البلاد".

وأشارت إلى ما أسمته بـ"التخادم الخطير" الذي يجري حالياً بين الرياض وأبوظبي، على حساب السيادة اليمنية، "من خلال إصرار السعودية على إبقاء رأس الشرعية رهن الإقامة شبه الإجبارية في الرياض، ومحاولاتها الحثيثة لسلخ محافظة المهرة مترافقاً مع ممارسات قمعية خطيرة ضد أبناء المحافظة، وذلك تحقيقاً لهدف قديم في سياساتها تجاه اليمن والمتمثل في الوصول إلى بحر العرب".

"الشرعية تعيش وضعاً معقداً"

يعتبر نائب رئيس الهيئة الإعلامية للمجلس الانتقالي منصور صالح أن "الشرعية تعيش وضعاً معقداً، وهي تدرك أنها تمر بمررحلة عد تنازلي وأن هناك ترتيبات لمرحلة قادمة لن تكون جزءاً منها".

وأضاف لرصيف22 أن هناك حالة انقسام داخل الشرعية بين مؤيد ورافض لتواجد التحالف، و"لذلك هذه العلاقة مرتبكة وغير واضحة ونتائجها دون شك سلبية على المعركة"، ضد الحوثيين.

وأشار إلى أن التحالف بدأ "يتململ من حالة العجز والفشل الحكومي وغياب الحكومة عن الحضور الفعلي في المعارك مع الحوثيين ما عرقل حسم المعركة وأطال أمدها"، لافتاً إلى أن التحالف بدأ يفقد ثقته "الضعيفة أصلاً بالشرعية".

وعن المواجهات بين القوات الحكومية والقوات الموالية للإمارات، قال صالح إن "ما يجري في شبوة وسقطرى هو تحركات لجماعات موالية لنائب الرئيس اليمني وحزب الإصلاح (جناح الإخوان المسلمين في اليمن) في محاولة لإحكام السيطرة على هاتين المحافظتين".

في المقابل، يعتبر المحلل السياسي اليمني أكرم الحاج أن التحالف العربي يقف خلف ضعف حكومة هادي.

وقال لرصيف22 إن التصعيد من قبل أبناء محافظة المهرة جاء اعتراضاً على ما تقوم به القوات السعودية في المنطقة والسيطرة على المراكز والمناطق الاستراتيجية.

ووصف الحاج ما تقوم به الرياض وأبوظبي بأنه "احتلال وانقلاب على شرعية الرئيس هادي، وعلى الهدف المعلن لدخول التحالف العربي في الحرب في اليمن"، متحدثاً عن "تقاسم سعودي إماراتي لمقدرات المحافظات الجنوبية وعزل السلطة التنفيذية المحلية والإدارية والعسكرية والأمنية للمدن الجنوبية، فالسعودية في المهرة والإمارات في غيرها من المحافظات".

ولفت إلى أن التواجد العسكري السعودي في المهرة يهدف إلى زيادة الاستحواذ على البلاد، والسيطرة على هذه المنطقة الجغرافية الهامة لتحقيق أهداف جيوسياسية.

وأوضح الحاج أنه يصعب التكهن بمستقبل التحالف العربي في اليمن، معتبراً أن إنشاءه مليشيات مسلحة هو "استراتيجية خبيثة اعتمدت عليها السعودية والإمارات في سبيل تحقيق مطامعها وإضعاف سلطات حكومة هادي في المحافظات الجنوبية والمؤسسة الرئاسية خصوصاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard