كيف تتحايل على معاناتك اليوميّة في دمشق؟

السبت 22 يونيو 201903:32 م

مع الحمل الثقيل الذي حمّلتنا إيّاه الحرب، تصبح مكابدة الحياة فعلاً شاقاً، يستلزم الكثير من الجهد يوميّاً، للقدرة على الاستمرار والتصرّف كشخصٍ سوي قدر الإمكان، وبعيداً عن الأخبار الكثيرة المنتشرة عن زيادة نسب تعاطي المخدرات، كنتيجةٍ طبيعيةٍ لما خلٍّفته الحرب من انهيارات على كلِّ الأصعدة، يبقى لكل منّا مخدّراته الخاصة للتحايل على الحياة، مع كمِّ الألم والفقد والخذلان المخيّمين على كلِّ تفصيلٍ من تفاصيل الحياة اليوميّة في دمشق.

الحالة الأكثر سوداويّة هي عندما تتحوّل وسيلة تحمّل المعاناة اليوميّة إلى أسلوب حياة.
أصبح تسمّر ربّات المنازل أمام شاشة التلفاز لمتابعة المسلسلات التركية ومؤخّراً "البان آراب"، نوعاً من الهروب من الحياة الواقعيّة نحو حياةٍ متخيّلةٍ مع زوجٍ أو حبيبٍ أكثر رومنسيّة، بملامح وسيمة وعضلاتٍ رياضيّة ومواصفاتٍ مثاليّة، وفقاً للنموذج المبتذل للرجولة الذي تقدّمه هذه المسلسلات، وكحلٍّ آني للقدرة على تحمّل الحياة المشتركة مع زوجٍ بمواصفات مغايرة تماماً، قد تكون مضطرّة للبقاء معه من أجل الأولاد أو لاعتبارات اجتماعيّة أو عائلّية، وغالباً لعدم قدرتها على الاستقلال المادي، في بلادٍ تزداد فيها الظروف المعيشيّة صعوبةً يوماً بعد يوم، وترتفع معدّلات الطلاق إلى أعلى نسبها، مع ازدياد الضغوط الحياتيّة وصعوبة الظروف المحيطة التي لا تساعد على احتمال الآخر، إن لم تكن مضطرّاً.

في صالونات التجميل نوع آخر من الهروب، يتجلّى في الراحة النفسيّة التي تحسُّ بها النساء عند الانشغال بتصفيف الشعر والاعتناء بمتطلّبات الجمال، وما يمنحه من رضا ولو مؤقّت عن الذات، أما الرياضة، فتشكّل متنفساً لتفريغ شحنات الضغط والغضب اليوميّة، ولكن النسبة الأكبر اليوم تتجه إليها للحصول على أجسامٍ مثاليّة، في ظلِّ المبالغة بالاهتمام بالشكل، وسيطرة القيم المفرطة في الاستهلاك على كلِّ مناحي الحياة، وهو ما يظهر في الإقبال الكبير على عمليات التجميل، حتى أنّ هناك مجموعةً سوريّة على فيسبوك، مختصّةً بهذا الموضوع تحديداً، فيها عشرات المنشورات يوميّاً، ما بين استشارات مختلفة، وتبادل للآراء حول تجميل الأنف، أو فيللر الشفاه، أو تكبير الصدر، حتى أنّ صديقي الغائب عن البلاد منذ فترة استغرب أنّ النساء ذوات "الشكل الطبيعي" أصبحن أقليّة فعلاً.

تبقى الحالة الأفضل في اللجوء إلى كنف من تحبّ للمحظوظين الذين لا زال لديهم القليل من الأحبّة والأصدقاء في البلاد.

هناك بالطبع المهووسون باستكشاف أحدث المطاعم، في محاولةٍ لملاحقة كلِّ ما هو جديد، للتعويض ربما عن الحياة الرتيبة في المدينة، والتي لا جديد فيها على المدى القريب، فالمطاعم هي التجارة الرابحة دوماً مع اختلاف الظروف، ومن النادر أن يمرَّ يومان دون افتتاح مطعمٍ أو سناك جديد مع تشابه في نوعية الأطعمة ومستوى الخدمات المقدّم، فالطعام هو مهربٌ وأداةٌ جيدة لتفريغ الاكتئاب والملل على مرّ العصور، لذلك فليس من المستغرب أن يكون تطبيق "بي أوردر" المختصّ بطلب الطعام عن طريق الإنترنت، من أنجح التطبيقات وأكثرها استخداماً في دمشق.

أمّا باب شرقي فهو مخدّر نهاية الأسبوع لفئةٍ كبيرةٍ تجده ملاذها للتخلّص من ضغوط العمل، حتى أنه من النادر أن تعثر على مكان في " بار" يوم الخميس دون حجز، مع الإقبال الكبير على السهر هناك رغم أنه لا جديد يذكر، فالوجوه ذاتها وحتى الأغاني التي يعزفها الـ"دي جي" تتكرّر كل أسبوع ما لم يدخل "هيت" جديد إلى القائمة.

هناك أيضاً من يهرب نحو النوم وخاصّة العاطلين عن العمل في ظلِّ فرص العمل الشحيحة المتبقية وتقلّص الدائرة الاجتماعيّة للغالبية، ضمن حالة الشتات التي يعيشها السوريون، كحال الكثيرين الذين اعتادوا تناول حبوب " أنتي ستريس"، مع الرفض القاطع لكونه منوّم بذريعة أنه مستخلص من أعشاب طبيعيّة لا تسبب الإدمان.

بعيداً عن أخبار زيادة نسب تعاطي المخدرات، يبقى لكل منّا مخدّراته الخاصة للتحايل على الحياة، مع كمِّ الألم والفقد والخذلان المخيّمين على كلِّ تفصيلٍ في الحياة اليوميّة في دمشق.

"باب شرقي" هو مخدّر نهاية الأسبوع، حتى أنه من النادر أن تعثر على مكان في " بار" يوم الخميس دون حجز، مع الإقبال الكبير على السهر هناك رغم أنه لا جديد يذكر.

رغم كلّ المسكّنات والمحاولات المستمرة لتناسي الماضي والحاضر  والمستقبل، إلا أن هذا لا يجدي نفعاً في نهاية اليوم، عندما تضع رأسك على الوسادة لتجد أن "ما تهرب منه يبحث عنك"، مع الاعتذار لجلال الدين الرومي.

ويبقى الدين هو الملاذ الأخير والأكثر راحة للكثيرين، وخاصّة مع القناعة التامة بأن كلّ هذه العذابات الدنيويّة شيء مؤقت زائل وبأن الخلاص في انتظارنا في حياة أخرى، وهو ما يحاول إقناعنا به أحد الشيوخ الذي خُصّصت له ساعة يوميّة على الشاشة، يقضيها بإقناع أحد المتصلين بأن لا مشكلة من سطو أخيه على منزل العائلة والانفراد بالميراث وبقائه مع أولاده دون مأوى، فسكنه جاهز في الجنة، وإقناع آخر بأن يصبر على ضياع أمواله التي سلبها شريكه في العمل لأن كلّ شيء بثوابه. لا تختلف آراء هذا الشيخ طبعاً عن آراء زميله ذو الفقرة اليوميّة على إحدى الإذاعات، والذي يختصر مشكلة شابة تبكي يومياً وتتمنّى الزواج بأن زوجها ينتظرها في الجنة فلا داعي للقلق مطلقاّ.

أما الحالة الأكثر سوداويّة فهي عندما تتحوّل وسيلة تحمّل المعاناة اليوميّة إلى أسلوب حياة، كما هي حال نماذج كثيرة تقلّصت أحلامها مثلاً إلى احتساء الكحول في نهاية النهار، في حين تبقى الحالة الأفضل في اللجوء إلى كنف من تحبّ للمحظوظين الذين لا زال لديهم القليل من الأحبّة والأصدقاء في البلاد.

رغم كلّ المسكّنات والمحاولات المستمرة لتناسي الماضي المؤلم والحاضر المرهق والمستقبل الضبابي جرّاء الحرب، إلا أن هذا لا يجدي نفعاً في نهاية اليوم، عندما تضع رأسك على الوسادة لتجد أن "ما تهرب منه يبحث عنك"، مع الاعتذار طبعاً لجلال الدين الرومي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard