المعذِّبون عرب والدول التي تعذّب عربية... المشكلة ليست في أمريكا بل فينا

الأربعاء 26 يونيو 201905:14 م

كانت بداية رحلتي مع المشاكل مع اتصال تلفوني وصلني من قريب لي كانت لديه علاقة بـ(زعيم تنظيم القاعدة السابق) أسامة بن لادن، حين كانا يقطنان في السودان. كان والده مريضاً في موريتانيا وأراد أن يرسل له بعض المال، واتصل بي كي أساعده، لأن لدي وسائل أكثر بحكم إقامتي في ألمانيا.

وافقت على مساعدته. هذا كان مضمون المكالمة، لكنها كانت من هاتف أسامة بن لادن وكان الأمريكيون يتابعون الاتصال، ومنذ ذلك الوقت طرحوا حولي علامة استفهام، فتحدثوا مع الألمان وقالوا لهم إنّ على أرضهم إرهابياً يُدعى محمدو ولد صلاحي فتحرى الألمان عنّي، وأنا لا علم لي بأي شيء.

كان ذلك بداية عام 1999، وكان عمري حينذاك 29 سنة، وبعد البحث قال الألمان للأمريكيين "لا يمكننا أن نعتقله فأموره قانونية ولم نلاحظ عليه أي شيء ووضعيته سليمة".

في نفس زمن المكالمة التي وصلتني، اعتُقل ابن عمي في موريتانيا. تلقى اتصالاً مشابها للاتصال الذي تلقيته، واعتُقل في نفس اليوم من دون أية إجراءات قانونية، وهو ما سبب لي بعض الخوف والقلق.

فكرت في أنني قد أكون أيضاً معرّضاً للخطر في موريتانيا لأن أمريكا منزعجة مني وفي موريتانيا لا توجد وضعية قانونية محترمة كما في ألمانيا، لكن الألمان لم يقولوا لي أي شيء ولم يضايقوني.

بعد فترة، قررت الهجرة إلى كندا، وهاجرت إليها بالفعل في عمل والتحقت بمدرسة Polytechnique Montréal لأعادل شهادتي في هندسة الاتصالات، وأجري دراسات عليا.

اعتقلوني من المطار

كان أهلي في موريتانيا يتصلون بي وكان في كلامهم شيء من الخوف، إذ كانت إدارة الأمن تأتيهم وأجرت معهم مقابلات وقالت لهم إن لدي مشاكل عويصة.

أخبروهم أنه من الأحسن لي أن أرجع إلى وطني، لأنه الجهة التي تستطيع الدفاع عني. اتصلت بي أختي وقالت لي إن والدتي مريضة، فقلت إذن لا بد لي من الذهاب إلى موريتانيا لزيارتها.

قال لي أصدقائي في كندا "لا تذهب إلى موريتانيا"، لأن السلطة منزعجة مني وكندا لا تستطيع اعتقالي رغم أن أمريكا طلبت منها ذلك، وألمانيا لا تستطيع اعتقالي، وأمريكا تنتظر ذهابي إلى مكان لا قانون فيه لتعتقلني. لم أستمع إليهم.

اعتقلوني من المطار. كنت قادماً عن طريق السنغال وحققوا معي لكن لم يحصلوا على ما يدينني ليذهبوا بي إلى أمريكا، لأن في أمريكا قضاء وقانون ومشاكل لا يفضلون الدخول فيها، لكنهم طلبوا من السلطات الموريتانية مصادرة جواز سفري.

ناداني مدير الأمن حينذاك دداهي ولد عبد الله وتحدث معي واعتقلوني، وبعد الحادي عشر من سبتمبر سلموني للأمريكيين، وأذكر أنني قلت لمدير الأمن "إنْ كنت تريد تسليمي للأمريكيين سلمني لهم من دون تسلمي أولاً للأردنيين".

ما يزعج هو أنني كأجنبي لدي حقوق أكثر في دول أخرى مما لديّ كمواطن في دولتي، فألمانيا لم تسلمني ولا كندا، ومَن سلمني كان دولتي موريتانيا.

سلّموني لضباط أردنيين

سلمني مدير الأمن في ذلك الوقت دداهي ولد المختار إلى الأردن في 28 نوفمبر 2001، الموافق 12 رمضان 1422 هـ. كنت مريضاً وطريح الفراش، وأثناء التسليم كان مع دداهي شخص أسمر وطويل. قلت لهم سلموني للأمريكيين مباشرة، لا تسلموني للأردن، وذلك ناتج عن خوفي، وقلت لهم دعوني أكلم رئيس الجمهورية فقالوا لي لا، وأتذكر أن المفوض اتصل بالفريق الأردني القادم لتسلّمي فقالوا له إنهم في قبرص وقادمون.

كنا قبل التسليم في مكتب مدير الأمن وذهبنا بعدها نحو الغرب بعكس اتجاه المطار وفهمت أنه كان يريد أن ينتظر بعيداً حتى تصل الطائرة. توقفنا قرب بقالة في الطريق ورأيت سيارة دفع رباعي للأمم المتحدة نزل سائقها وترك محركها مشغّلاً، وأيضاً نزل سائق مدير الأمن وأعتقد أن دداهي نزل أيضاً.

خطرت لي فكرة سريعة وهي الهرب بالسيارة رباعية الدفع، ومتأكد من أن دداهي لا يمكنه اللحاق بي لأن سيارته ليست رباعية الدفع وأنا سائق محترف، لكنني عدلت عن الفكرة الشيطانية تلك، لوجود أطفال في السيارة ذات الدفع الرباعي. خفت أن يحصل لهم مكروه، فسلمت أمري إلى الله.

وعند صلاة المغرب أعطاني دداهي بذلة ألبسها لأنني كنت أرتدي دراعة، فارتديتها ولم تكن على مقاسي، ورحت أمسك البنطلون بيدي، وكان معي بعض التمر لكنّي لم أستطع تناوله رغم صيامي ورفع الأذان. لم أشتهِ شيئاً.

بعدها حطّت الطائرة. دخلنا من باب المطار القريب من برج المراقبة، وعادةً تدخل منه السيارات. كان المشهد سوريالياً. نزل ضابط مخابرات أردني سمين ومعه طياران شاهدتهما لاحقاً واثنان من القوات الخاصة مقنعان ومحقق ينادونه أبو رعد كما أعتقد، وعرفت اسمه الحقيقي لاحقاً، وهو معذب مشهور.

تكلم ضابط المخابرات الأردني بلهجته لكن يبدو أن دداهي لا يفهم اللهجات العربية، فلم يفهمه، وطلب الأردني من الموريتاني أن يساعدهم في التزود بالوقود فترجمت لهم وسأل الأردني "أين السجين؟"، إذ ظن أني أعمل معهم، فقلت أنا، ومن خوفي قلت "يا دداهي رجاءً أوصهم بألا يعذبوني"، فكان رده باهتاً وفيه الكثير من اللامبالاة. بعدها عصبوا عيني ووضعوا القيود في يدي وأدخلوني إلى الطائرة. وانطلقنا نحو الأردن لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة.

من الأردن إلى غوانتانامو

التعذيب في الأردن لم يكن شديداً. ضربوني مرة واحدة وأدخلوني إلى غرفة فيها سجين آخر يتعرض للتعذيب. تألمت جداً وكنت ساعتها معصوب العينين.

كانوا يذهبون بي كل أسبوعين إلى مكان تحت الأرض حتى لا يراني أحد من الصليب الأحمر. هددوني كثيراً. وبعد ثمانية أشهر، أتت طائرة تابعة للسي آي إيه وأخذتني إلى سجن باغرام في أفغانستان. تعرضت للتعذيب في ذلك السجن، وأذكر شخصاً اسمه ويليام يعمل في السي آي إيه (وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية) سمع أن ظهري يؤلمني، فصار يجبرني على الوقوق لساعات طويلة.

بعد ذلك، نقلوني إلى غوانتانامو. في البداية، وضعوني مع بقية المعتقلين، لكن نقلوني لاحقاً إلى برنامج خاص لكي أقر، فرغم كل التحقيقات لم يجدوا ما يدينني.

بدأ البرنامج بسبعين ليلة من دون نوم عددتها ليلة بليلة وكانوا يحققون معي طوال 24 ساعة مع تقطعات قليلة.

خصصوا لي عنبراً خاصاً بي اسمه India. هم يعطون لكل عنبر اسماً خاصاً حسب الترتيب الأبجدي، وهذا من شيفرات الجيش الخاصة. تعرضت لصنوف عدة من التعذيب منها الاعتداء الجنسي والضرب والإغراق بماء البحر، وبدأت أصعب مراحل التعذيب في مايو 2003 وانتهت عام 2004.

مررت بما مر به بقية السجناء، أما البرنامج الذي أخضعت له فقد مر به شخص آخر رقمه 63، واسمه القحطاني. لم أقابله. وبعد انتهاء البرنامج رفضوا أن أقابل السجناء الآخرين فقضيت تقريباً 80 في المئة من مدة سجني في سجن انفرادي.

المقاومة من أجل البقاء

الأسئلة الكبيرة التي كانت تشغلني ورغبتي في فهم الأشياء والتفكير فيها كانت مساعدة لي. تساءلت ما هي المشكلة بيننا نحن كأمة موريتانية وكأمة إسلامية مع أمريكا؟ ولماذا نعاني من هذا الاحتقار دائماً؟

وأنا أقول شيئاً وقد لا يكون مساعداً على استعادتي لجواز سفري الذي لا تزال السلطات الموريتانية تحتجزه، ولكن هذه قناعتي: المشكلة فينا صراحة لأنك تجد المعذِّبين من العرب وتجد الدول التي يرسل إليها الناس ليعذبوا دولاً عربية فلا يتم إرسالهم إلى ألمانيا للتعذيب ولا إلى كندا لأن كندا لا تحتقر نفسها، حتى أمريكا لا يرسلون إليها الناس للتعذيب، وأنا لا أريد أن أعد الدول العربية التي يرسل إليها السجناء ليعذبوا وسميت الأردن لأنني مررت بها.

أتذكر أننا كشباب عرب ومسلمين كنا نقول دوماً إن امريكا مجرمة، وهذا صحيح، لكن أنا أقول ماذا عنا نحن وماذا عما يمارسه علينا حكامنا من ظلم؟ أتذكر مرة كنت مع جندي سجان وكنت غاضباً، وقال لي كلمة جميلة أثرت في هي "أنت سلمتك دولتك ولم يسلمك أحد آخر. فعوضاً عن أن تغضب منا، اغضب من دولتك".

"خصصوا لي عنبراً خاصاً بي اسمه India. تعرضت لصنوف من التعذيب منها الاعتداء الجنسي والضرب والإغراق بماء البحر"... السجين السابق في غوانتانامو، الموريتاني محمدو ولد صلاحي يروي قصته لرصيف22
نقلته موريتانيا إلى الأردن، بطلب أمريكي، ثم نقل إلى أفغانستان وبعدها إلى غوانتانامو... الموريتاني محمدو ولد صلاحي: "المشكلة ليست في أمريكا بل فينا صراحة لأنك تجد المعذبين عرباً وتجد الدول التي يرسل إليها الناس ليعذبوا عربية"

هذا كان يشغلني، ويشغلني أيضاً كيف لنا كشباب أن نرفع رؤوسنا وأن يكون القانون هو الحكم كما في بعض الدول الغربية. كنت أفكر في أن أمير المؤمنين يجب أن يكون هو الدستور والرئيس والبرلمان والقضاء والرئيس ولكن الأساس هو الدستور.

الأمر الثاني الذي شغل تفكيري هو القرآن والصلاة، خاصة أن الإنسان يجد في الوحدة الخلوة إلى الله، والتحدي الأكبر كان ألا أقبل أفكاراً تكفيرية ولها علاقة بالتطرف لأنهم هم كانوا يريدون أن أصل إلى تلك المرحلة وأصير مجنوناً، وأصرخ مهدداً أمريكا.

كنت أقول لهم أنا مسلم مالكي من غرب إفريقيا، منفتح على كل الحضارات وأرحب بكل الناس وأدعو كل الناس بالتي هي أحسن ولن أحيد عن هذا المبدأ وأرفض الصورة الكاريكاتورية التي تريدون أن أكون عليها. هذا كان أكبر تحدٍّ لي خصوصاً أن الجو الذي كنت فيه كان صعباً.

ساعدتني الكتابة أيضاً في التأقلم وساعدتني معرفة الثقافة الغربية التي اكتسبتها في ألمانيا. كان بعض السجانين يقيمون صداقات معي. كنت أقايض الطعام والمجلات والأشياء بتعليم السجانين الرياضيات والفيزياء وبرمجة الكمبيوتر، لأنهم كانوا يدرسوا ويشتغلون في نفس الوقت.

حكايات من غوانتانامو

قصص غريبة كثيرة صادفتها في سجن غوانتانامو، ولكن هناك قصة غريبة أذكرها دائماً لجندي أمريكي صغير السن. مرة كنت أتمشى في المساحة الموفرة للسجناء، وأتاني يبكي، وقال لي إنه لم يعد يستطيع التحمل وقال لي إن ابن عمه مات في العراق وقال لي: أخبروني ألا أظهر أمامك ولا أمام المساجين كإنسان ضعيف، لكن لم أعد أستطيع الصبر.

لم أعرف ماذا أقول له، هو القادم إليّ مستجيراً بي. قلت له: والدي توفى وأنا صغير، أصغر منك أنت بكثير. أصبح يأتي إلي دائماً ويحكي لي قصصاً عن حياته وأخبرني أنه دخل الجيش لأنه كان هارباً من عائلته وسبق وتسبب بحادث سير توفي فيه شخص وأصبح لا يستطيع الرجوع إلى المنزل.

أثرت فيّ أيضاً قصة عمر الكندي (عمر خضر) الذي أتى وهو في عمر الـ16 وقد فقد عينه ومصاب بجروح خطيرة. أحضره الأمريكيون وقالوا إنه مجرم حرب والسبب أنه دافع عن نفسه حين هاجموه في بيته، شيء مضحك وأنا أحمد الله أنه مواطن كندي وليس مواطنا عربياً. في غوانتانامو، قال لهم نعم أنا مجرم حرب، لأنه ذكي فحكموا عليه وقالوا له لأنك اعترفت سنرجعك إلى دولتك، وحين وصل إلى كندا، تراجع عن كل أقواله وحصل على تعويض بعشرة ملايين دولار.

قبل فترة زارني في نواكشوط سجاني السابق ستيف وود، وهو ضابط صف مستقيل من الجيش الأمريكي، وبعد شهرين من حراسته لي واطلاعه على قصتي، تغيرت نظرته إلي وأصبحنا صديقين. تحولت نظرته إلي من كوني إرهابياً شديد الخطر إلى كوني إنسان مظلوم وصديق مقرب ثم دخل إلى الإسلام.

أسامح مَن ظلمني

أقول وأكرر دائماً أنني والحمد لله تجاوزت ما حدث لي وأسامح مَن ظلمني، لكن أطالب بأن يتوقف ظلمي، وحريتي لا أقايضها بشيء لا بالمال ولا المناصب ولا بأي شيء آخر.

كان لدي احساس أن أمريكا لا تريد أن تخرج قصتي إلى العلن ولذلك رفضوا خروج كتابي يوميات غوانتانامو لمدة ثمانية سنوات، وهم اعتبروا أنني سأذهب إلى دولة لا قانون فيها، مع اعتراضي على هذه النظرة.

نحن كموريتانيين يجب أن تكون لدينا نفس الحقوق التي لدى الأمريكيين. هذا حق وليس مكرمة. كانت أمامي دولتان بإمكاني الذهاب إليهما وهما موريتانيا وألمانيا، والأمريكيون رفضوا ألمانيا، وأتاني الصليب الأحمر وقالوا لي إن بعض السجناء يرفضون الذهاب إلى بعص الدول خوفاً من أن تنتهك حقوقهم هناك وتستمر معاناة غوانتانامو معهم، فقلت لهم إنني سأذهب إلى موريتانيا، وقلت لمحامي أريدكم أن تقابلوا الرئيس وأن تطلبوا منه ألا تنتقص حقوقي ولا تنتهك.

لكن أنا اليوم حقوقي منتهكة. فأنا لا زلت محروماً من أوراقي المدنية رغم عودتي إلى بلدي في 16 أكتوبر 2016، وأحتاج إلى السفر فأنا مريض. حدثت الكثير من التدخلات من الناس الطيبة. مثلاً، مستشفى في ألمانيا خاطب السفارة الألمانية هنا للتدخل، وهناك حملات دولية لدعمي. حطمت الرقم القياسي في الحرمان من الأوراق فأنا محروم من أوراقي منذ 19 سنة وهذا انتهاك صارخ، ولا أعتقد أنه حدث شيء مماثل لمواطن موريتاني.

علينا أن نسعى جميعاً لتحقيق الديمقراطية والحرية للجميع، بغض النظر عن اللون والعرق والمذهب، وموريتانيا مهيأة ومرشحة لتكون دولة حرة وديمقراطية، لأنها دولة غنية بالثقافة والأعراق والألوان، وليس بيننا وبين أن نكون دولة قانون من حائل إلا أن نقرر نحن ذلك، فتحترمنا كل الدول، ويعرف العالم أننا لسنا حيوانات تختطف فنحن ناس لدينا كرامة وحقوق.

هذه الشهادة كتبها أحمد ولد جدو بناءً على مقابلة أجراها مع محمدو ولد صلاحي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard