اليوغا في سوريا. هل يمكن أن تكون طريقاً لنشر السلام؟

الجمعة 21 يونيو 201904:53 م

تم إعداد هذه المادة بمشاركة ندى إسماعيل زميلة شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

مع أول أيام فصل الصيف أي الواحد والعشرين من حزيران/يونيو، يحتفل العالم برياضة اليوغا في يومها العالمي، وتشارك العديد من البلدان حول العالم بفعاليات وطقوس تهدف لنشر ثقافة هذه الرياضة التي تدعو إلى وحدة الجسد مع النفس والعالم والطبيعة، وتنادي بالسلام وتسعى للوصول إلى مجتمعات أقل عنفاً وتوتراً.

وفي السنة الخامسة لهذه الاحتفالية التي بدأت عام 2014، لا يبدو بأن هناك مكان يحتاج للسلام والسكينة والطمأنينة أكثر من سوريا وهي البلد الذي تعصف به منذ سنوات حرب طاحنة تركت ندوبها وآثارها السلبية على جميع السوريين دون استثناء.

فلمَ لا نشارك بهذا اليوم ونحاول من خلال اليوغا أن نصل لمجتمع تكون فيه قيم السلام والمحبة هي السائدة عوضاً عن العنف والكراهية ورفض الآخر؟ هل هذا ممكن حقاً؟ إنه أشبه بالتحدي الذي قرر العديد من مدربي ولاعبي اليوغا السوريين خوضه للعام الخامس على التوالي، وهم مؤمنون فعلاً بقدرة اليوغا على تغيير المجتمع السوري نحو الأفضل، وإن بتدرج بطيء.

مع أول أيام فصل الصيف أي الواحد والعشرين من حزيران/يونيو، يحتفل العالم برياضة اليوغا في دعوة إلى وحدة الجسد مع النفس والعالم والطبيعة، وتنادي بالسلام أملاً بمجتمعات أقل عنفاً وتوتراً.

هل يمكن لليوغا في سوريا أن تسهم في قيم المحبة والسلام كبديل عن خطاب العنف والكراهية ورفض الآخر؟

اليوغا حل إسعافي وضروري في سوريا

في صالة أحد المراكز الثقافية وسط العاصمة دمشق، اجتمع العشرات من لاعبات ولاعبي اليوغا من مختلف الأعمار يوم الأربعاء الفائت، وقدموا على مدار ساعة ونصف من الزمن عرضاً لتاريخ اليوغا وأنواعها وأهم حركاتها، مع رقصات جماعية تحاكي قيم ومبادئ هذه الرياضة.

المشرفة على هذا العرض الذي جاء بعنوان "اليوغا من أجل السلام والانسجام"، ريام الشدايدة، وهي مدربة محترفة تعمل بهذا المجال منذ أكثر من عشر سنوات، تحدثت إلى رصيف22 عن إيمانها بقدرة اليوغا على تغيير المجتمع السوري نحو الأفضل، لا بل واعتقادها بأن هذه الرياضة هي من الحلول القليلة التي يمكن أن تصل بالسوريين إلى بر الأمان بعد سنوات من العنف والاقتتال، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

"لننظر حولنا، لن تصعب ملاحظة التوتر والعنف السائدين في مجتمعنا اليوم، مما ينعكس على نفسياتنا وأجسادنا أولاً، وعلى طباعنا وعلاقاتنا مع الآخرين بالدرجة الثانية"، تقول الشدايدة –الحاصلة على شهادة مدرب يوغا دولي من الهند- مضيفة: "لا تقتصر آثار الحرب على الجانب النفسي فقط، فالتوتر والضغوطات من أهم مسببات العلل الجسدية الخطيرة كارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والشرايين".

من هنا تأتي أهمية ممارسة اليوغا التي تتفوق برأي المدرّبة الأربعينية على أنواع الرياضات الأخرى، حيث تساعد بواسطة التمارين وطقوس التأمل والاسترخاء وتنظيم التنفس في الوصول لحالة من الهدوء وتفريغ التوتر والطاقة السلبية التي نمتصها بشكل يومي من المجتمع المحيط بنا، والذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة لمنبع للعنف بمختلف أشكاله.

تؤكد ذلك دراسة أعدتها اختصاصية الطب النفسي والأستاذة المساعدة بقسم الطب النفسي في جامعة بوسطن الأمريكية كريس ستريتر، ونشرت في مجلة الطب البديل والتكميلي عام 2012، حيث أُخضع ثلاثون شخصاً من مصابي الاكتئاب الشديد لحصص يوغا مدة كل منها 90 دقيقة لمرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً، وكانت النتيجة تحسّن واضح في الحالة النفسية خاصة لمن حصلوا على عدد حصص أكبر. وأفادت ستريتر بأن "العلاج باليوغا يستهدف مسارات عصبية كيميائية أكبر من الأدوية الخاصة بتعديل المزاج". ويعني ذلك قدرة اليوغا –ولو جزئياً- على التعامل مع الأضرار النفسية التي تخلّفها الحروب.

ومع الوقت، تساهم اليوغا بالوصول لحالة من التوازن على مستوى الجسد والفكر والنفس، ومن ثم وقاية من يمارسها على المدى الطويل لتصبح أشبه بدرع يحمي من شتى أنواع الأمراض والحالات النفسية السلبية، ويأتي ذلك من كون اليوغا مزيج من الفكر والفلسفة والمبادئ وطريقة الممارسة التي تمتزج فيها التمارين الجسدية مع الطقوس الروحية.

كيف لنا أن ننشر ثقافة اليوغا وسط ضجيج الحرب؟

دخلت اليوغا إلى سوريا بشكل رسمي عام 2003 حين تبناها الاتحاد الرياضي العام وافتتح مراكز في محافظات عدة منها دمشق والسويداء وحمص وحلب وطرطوس، وبدأ السوريون بالتعرف أكثر فأكثر على هذه الرياضة التي تساعد على تحقيق الانسجام الداخلي والخارجي بعيداً عن الطبيعة التنافسية التي تحملها معظم الرياضات الأخرى.

ومنذ ذلك العام وحتى اليوم، يسعى مدربو ولاعبو اليوغا في سوريا لنشر هذه الرياضة على أكبر نطاق ممكن ولكافة الشرائح العمرية عن طريق دورات ومعسكرات خاصة وأيضاً من خلال نشر الوعي والثقافة حولها على أكبر نطاق ممكن.

"قد لا تبدو هذه المهمة سهلة اليوم إذ أن اليوغا وحتى معظم الرياضات ليست من سلم أولويات السوريين خاصة مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها معظمهم بعد الحرب"، تقول المدربة وتضيف: "يدفعنا ذلك لتبني حلول بديلة، كتخفيض رسوم الاشتراك في دورات اليوغا، وإقامة الفعاليات والمحاضرات المجانية بهدف التوعية وتشجيع الناس على ممارستها عن طريق توضيح فوائدها الجمّة".

الصورة من احتفالية يوم اليوغا العالمي في سوريا

وتشير الشدايدة إلى اهتمامها بشكل خاص بنشر اليوغا بين الأطفال مع إعطائها حصصاً يومية في إحدى المدارس الابتدائية بدمشق، حيث ترى بأن الأطفال ونتيجة حساسيتهم المرهفة كانوا أكثر عرضة خلال سنوات الحرب للضغط النفسي وتشرّب الصدمات، "وإن لم نتدارك الأمر سيكون لدينا جيل مليء بالعقد النفسية والغضب وكره الآخر". بذلك تحاول تعليمهم الصبر والهدوء وضبط الانفعالات وقبول الآخر والتعامل بروح الفريق وحل المشاكل بتروٍ وهدوء، وتعتقد بأن اليوغا تساعدهم أكثر من الجيل الأكبر ويمكن أن تصل بهم إلى بر الأمان.

ولا تقتصر جهود نشر اليوغا على المدربين فقط، فالعديد من اللاعبين يسعون لذلك، على الأقل في محيطهم الصغير.

تشير هيف أيوبي (29 عاماً) والتي تمارس اليوغا منذ سنوات إلى اهتمامها بالحديث عن اليوغا والتوعية بشأنها في كل مكان تتواجد فيه، وإلى مشاركتها في احتفالية يوم اليوغا العالمي كرسالة منها بأن سوريا لا زالت قادرة على نشر السلام رغم الحرب والعنف الذي انتشر في البلاد.

"أحدّث الجميع عن حاجتنا للجوء لطرق تشعرنا بالسلام في داخلنا ومع من حولنا وعن قدرة اليوغا على تحقيق السلام الداخلي والتخلص من التوتر ومن ثم الوصول لمجتمع أقل عنفاً"، تقول أيوبي خلال لقاء مع رصيف22.

وترى ريما وهي من المشاركات بالاحتفالية بأن ممارستها لأسلوب حياة اليوغا وقيمها الأخلاقية منذ الصغر ساهم بأن تكون أقل عنفاً من محيطها خلال سنوات الحرب. وتضيف الفتاة العشرينية لرصيف22 بأنها تعمل على "التسويق" لليوغا في محيطها عن طريق التركيز على أهمية السلام الداخلي كمرتكز لنشر السلام في المجتمع ككل.

عن اليوغا ويومها العالمي

بين طقوسٍ هندوسية ولفظٍ سنسكريتي وعبادة الشمس بألفاظٍ ثمانية تقبع اليوغا القديمة، والتي يعني اسمها "الانضمام والتوحيد والترابط" وبات يُطلق على النظم البدنية والعقلية التي تسعى لإدراك الذات ومن ثم الله، وبالتالي لتكامل روح وجسد الإنسان مع الروح الكونية.

في اليوم العالمي لليوغا، مدربون ولاعبون سوريون مؤمنون بقدرة هذه الرياضة على تغيير المجتمع السوري نحو الأفضل بعد سنوات الحرب

وبدأت اليوغا كممارسات في الديانة البوذية ثم تطورت وفُصلت عن الطقوس الدينية، لتصبح رياضة قائمة بحد ذاتها تتضمن تمارين تنفّس وتمارين للعضلات تساعد على تمدّد الأنسجة وزيادة المرونة ونشاط الجسد ورفع قدرة التحمّل والمساعدة على التوازن والتأمل وتقليل التوتّر، ممّا يدفع للسلام الداخلي الذي يرتجيه ممارسوها.

وتتنوّع تمرينات اليوغا من حركات سريعة مُجهدة إلى أخرى هادئة تبعث على الاسترخاء، ومن أنواعها يوغا الأشتانغا ويوغا البيكرام ويوغا الهاثا. وتعود هذه التصنيفات إلى اختلاف الحركات وطرق الممارسة وأيضاً طقوسها ومدى اعتمادها على الحركات الجسدية أو القوة الروحية.

واعتباراً من العام 2014، اعتُمد يوم 21 حزيران يونيو من كل عام كيوم عالمي لليوغا اعترافاً بأهميتها وشعبيتها المتزايدة، وجاء ذلك بعد تقديم طلب من الهند للأمم المتحدة لتعيين هذ اليوم، وموافقة 175 دولة ومن ثم مصادقة الجمعية العامة.

وفي أول احتفال بهذا اليوم، أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى كونها "رياضة يمكن لها الإسهام في التنمية والسلام، ومساعدة الناس في حالات الطورائ لتهدئ من الضغوط التي يواجهونها"، وأكدت المنظمة الدولية أيضاً على أهمية توجه الأفراد نحو خيارات صحية وأنماط معيشية تعزز الصحة الجيدة وتحد من الخمول البدني الذي يعتبر من مسببات الوفيات وأمراض القلب والسرطان والسكري.

ويقول بيلور إينغار الذي يعتبر من أفضل معلمي اليوغا على مستوى العالم ومن مؤسسي عدد من الأساليب الحديثة في هذه الرياضة: " تغرس اليوغا فينا طرق المحافظة على سلوك يومي متزن في حياتنا ومهارات التعامل مع أنفسنا والآخرين. اليوغا ضوء، ما أن نوقده يلمع ولا ينطفئ أبداً. كلما تمرّنا أكثر، ازدادت الشعلة اتقاداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard