عن دور صور الشوارع الفوتوغرافيّة: وكيف تُخلق في دائرة المطاردات الأمنيّة؟

الخميس 20 يونيو 201907:22 م

يقولون دائماً أن للسفر سبع فوائد، وأن الإنسان ابن بيئته، وأن الوجع رديف الألم والذي هو بطبيعة الحال، تجربةٌ حسيّةٌ وعاطفيّةٌ بغيضة، عادة ما تكون مدّتها عابرة لكن أثرها باقٍ بقاء الروح في الجسد، وأن الروح لا تعرف الانتظار، وأن القطار لا ينتظر من لا ينتظره، حتى وإن كان يحمل موسيقى مودي الإمام في فيلم "الهروب" (1988)، داخل قلبه.

كنتُ ولازلتُ مأسوراً بتلك الموسيقى الشجيّة التي صاحبها عديد حداء الإبل الصعيدي الذي سجّله، على حسب ما هو مروي، أحد الباحثين الرومانيّين في مجال الفلكلور، في عقد الستينيّات من القرن الماضي، ضمن أحد مشاريع الثقافة الجماهيريّة آنذاك، ثمَّ استخدمه الملحّن والمؤلف الموسيقي مودي الإمام، ضمن المقدّمة الموسيقيّة لفيلم "الهروب"، الذي أخرجه العظيم الراحل عاطف الطيب، لنعيش فيه، صوت يستخرج من مكنوناتي شجوناً وذكرياتٍ صارت غريبةً مثلما صرتُ، تقتحم روحي كلّما أرادت، ولا تصادفني بل تتعمّد الوجود كيفما شاءت، مثلما كانت تفعل مع منتصر (أحمد زكي) بطل الفيلم الذي ارتحل بالقطار على مراحل ومشاهد عدة طوال أحداثه.

تدفعني كلٌّ صورة ألتقطها لأحدهم داخل القطار، نحو همٍّ لا متناهٍ وحالةٍ غريبة لم أعرف لها مسمّى، إلا أن أعراضها المستمرّة كمن يفتك بفريسته بلا هوادة، ثقب أسود أيقنت معه أن الانتحار خير وسيلةٍ لإنهاء هذا العبث الضاغط، ولكن كيف؟! وأنا أمارس التصوير كي لا تموت روحي.

معادلة صعبة للغاية، الغرض منها كان راحةً منشودةً وطمأنينةً طالت غيبتها، ولكن كلّ شيء هاهنا صعب يا غوركي.

قابلت في بعض محطات القطارات المصريّة أموراً كثيرة، قصصاً قد تكون غنيّة بالتفاصيل والحكايا والأبعاد المتناقضة، ورائها نسيج متشعّب ومتشابك، وجوه متعبة، وأرواح أثقلتها تجارب الحياة بخطوطها ومنحنياتها المحفورة.

فالمنع القاطع للتصوير أمر لا نقاش فيه مع ممثّلي الأجهزة الأمنيّة، وإن كان لا بدّ منه فإن الإجراءات الروتينيّة هي الحلّ، وما أكثرها وأعقدها، فخروج الروح من الجسد أسهل من الحصول على تصاريح للتصوير الفوتوغرافي.

الصورة الفوتوغرافيّة للشارع وما فيه وقعت منذ مدّة في دائرة المطاردات البوليسيّة... توتّر مصحوب بخوفٍ مشمولٍ بنبضٍ مضطربٍ هو ما يواجه المرء ولكن لا يفوز بالمراد إلا كلّ مغامر.

أسئلةٌ كثيرة مصحوبةٌ بلعناتٍ مصبوبةٍ على واقعٍ قابضٍ بظروفه على كلِّ شيء، هو ما يجول في رأسي ويزعجني رغم فائدته.

قابلت في محطات الفيوم/الواسطى/ضواحي الجيزة/الجيزة وما بينهم من محطات القرى والكفور الملحقة أموراً كثيرة، قصصاً قد تكون غنيّة بالتفاصيل والحكايا والأبعاد المتناقضة، ورائها نسيج متشعّب ومتشابك، وجوه متعبة، وأرواح أثقلتها تجارب الحياة بخطوطها ومنحنياتها المحفورة رغم عنهم بفعل الزمن، انطباعات وتعابير شتّى عشت فيها بكلِّ جوانحي ولا زلت، رصدت خلال تسكّعي بين عربات القطار أشياء حرّكت المياه الآسنة فيّ، أردت معها وبشدّة، مثلما أراد منتصر (بطل الفيلم) بعد هروبه، الحصول على إجابةٍ ما منطقيّةٍ لتساؤلي القديم: لماذا كلّ هذا؟!

أودُّ أن أشير إلى أمرٍ هامٍّ وحالي وهو واقع التصوير الفوتوغرافي في شوارع مصر، فبتُهمة "تكدير الأمن العام" أو "التصوير بدون إذن أو تصريح" تتعامل الأجهزة الأمنيّة مع ممارسي التصوير الفوتوغرافي، ولعلّ القبض على الزميلة الصحافيّة مي الصبّاغ والمصور أحمد مصطفى العام الماضي، لإعدادهما تقريراً عن ترام (قطار) الإسكندريّة، خير شاهد.

فالمنع القاطع للتصوير أمر لا نقاش فيه مع ممثّلي الأجهزة الأمنيّة في الشارع، وإن كان لا بدّ منه فإن الإجراءات الروتينيّة هي الحلّ، وما أكثرها وأعقدها، فخروج الروح من الجسد أسهل من الحصول على تصاريح للتصوير الفوتوغرافي، وما يصاحبه من أسئلة استخباراتيّة معقّدة لا محلّ لها من الإعراب، الصورة الفوتوغرافيّة للشارع وما فيه وقعت منذ مدّة في دائرة المطاردات البوليسيّة كما في أفلام الإثارة والحركة، توتّر مصحوب بخوفٍ مشمولٍ بنبضٍ مضطربٍ هو ما يواجه المرء ولكن لا يفوز بالمراد إلا كلّ مغامر.

وما بين الأبيض والأسود تبحث الألوان عن إجابةٍ خير من أفعل تفضيل اللغة، المستخدم في غير محلّه من سلطةٍ مستغلّةٍ غير عابئة، قابضةٍ بذراعها الأمني على كلِّ شيء، ما نُشر هنا، هو مشاركة لمحاولة توثيقٍ صغيرةٍ للغارقين في لحظاتهم، العابرين الذين أحبّهم وأتشبّث بهم حدَّ الذوبان ما بين محطات (الفيوم/الواسطى/ضواحي الجيزة/الجيزة) والقرى والكفور الملحقة بشريط السكة الحديديّة تلك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard