كيف تكتب عن محمد مرسي وأنت من مناهضي خطابه الديني وعقيدته السلفيّة؟

الأربعاء 19 يونيو 201905:01 م

هل "كُتب علينا" الانحياز "الأعمى" لمواقفنا ولمعتقداتنا السياسيّة والدينيّة، أمام أيِّ حدثٍ سياسي، اجتماعي، ديني، حقوقي، وإنساني، ما دام هذا الحدث لا يقع ضمن دائرة الولاء التي نتخنّدق بها؟

إن أحداث منطقتنا العربيّة تظهر عجزنا عن إيجاد نقاط حدٍّ أدنى لأرضيّةٍ مشتركة، تتجاوز الاستقطاب والتناحر في المواقف. هكذا هو الحال في الاستقطاب السنّي/ الشيعي في الواقع السوري وتهميش الضحية، في ظلِّ تناحرٍ سياسي وعسكري، حقوق الأقليّات، المواقف العنصريّة في لبنان من اللاجئين العرب واكتسابها شرعيّة يحرّكها الولاء الطائفي. هكذا أيضاً أُخضِعَ "الربيع العربي" لتسطيح وتسخيف دوافعه وتلطيخ مشروعيّته، بحسب هويّة المكان ونظامه السياسي، ويلاحق الفنُّ طبقاً لهوية الفنان السياسيّة، وتحاسب تعابير الحزن والتعاطف مع مشهد وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي.

كيف تكتب عن وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي وأنت من مناهضي خطابه الديني وعقيدته السلفيّة في السياسة والمجتمع، وقد اعتدنا الحزن على "جماعتنا" فقط؟

مرسي والاستقطاب في المواقف...

كيف تكتب عن وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي وأنت من مناهضي خطابه الديني وعقيدته السلفيّة في السياسة والمجتمع، وقد اعتدنا الحزن على "جماعتنا" فقط؟

محفّزات الكتابة هي البحث عن حدٍّ أدنى من القواسم المشتركة، لتشكّل المركّب الأساسي لأحلامنا، وبوصلتنا الجماعيّة نحو مجتمعٍ وكيانٍ سياسي ديمقراطي، يتبنّى منظومة حقوق الإنسان دون تطويعها لمزاج النظام السياسي السائد.

لقد توهّمنا أن نهايةً تراجيديّةً لشخصيّةٍ سياسيّةٍ قد تمنحنا فرصة لإحداث فصلٍ بين مواقفنا من حركة الإخوان المسلمين، وبين الظروف التي أوصلت مرسي إلى نهايته المأساويّة. الاستقطاب يجدّد خطابه دون توقّفٍ بين الخائن والوطني، بين الحريص وبين المفرّط، تماماً كثنائيّات الإخوان. انطلقت تعابير تشمت بمصيره: "الكلب" و"القرد" و"الخائن" تقابلها مواقف تنعته بـ"شهيد" الأمّة وشهيد الإخوان، ومواقف ركّزت على ممارسات نظام السيسي، وتميّز صدام التعابير هذا بخلطٍ عشوائي بين المواقف المؤيّدة لقانونيّة رئاسة مرسي، وبين الموقف المعارض لجماعة الإخوان، والجدل المنتشر يُظهر تناقضاتنا العميقة في فهم التعدّديّة، ويعرض تشابهاً بين مؤيّدي الإخوان وشريحةٍ واسعةٍ من معارضيهم، من حيث تبنّي الطرفين لنهجي "التباين" و"التقابل".

عن نهج التباين والتقابل عند الإخوان

على مرّ التاريخ، وتّر الإخوان الأجواء السياسيّة بالعداء للأحزاب العربيّة، فقد كان زعيمهم حسن البنا صاحب مواقف صداميّةٍ مع أحزابٍ مصريّةٍ سبقت تأسيس الإخوان، كحزب الوفد. أظهرت حركة الإخوان في عهد المؤسّسين والمُرشدين الأوائل موقفاً مضاداً للتعدّديّة السياسيّة، وهي بذلك قد وضعت نفسها في علاقةٍ حادّة مع الفرقاء السياسيين، وكانت، في مصر وفي خارجها، تدعو عقائديّاً لإلغاء باقي الأحزاب السياسيّة وتنتقص من مكانتهم، بعكس النموذج التونسي (الغنوشي) والسوداني (حسن الترابي) الذين حاولوا تطوير رؤيةٍ إخوانيّةٍ معتدلة من الحياة السياسيّة العامّة.

لاحقاً، أنتجت مدرسة سيد قطب منهج "جاهليّة المجتمع"، أي أن النظام الاجتماعي يعيش وضعيّة الجاهليّة والاعتداء على سلطان الله، وادّعاء حقِّ وضع شرائع وقوانين وقيم وأنظمة بمعزل عن منهج الله، وإن على الجماعة اعتزال المجتمع الجاهلي. أفكار سيد قطب شكّلت أحد أهمِّ المصادر لجماعة الجهاد والتكفير والهجرة، وظلَّ الإخوان لسنواتٍ طويلةٍ في نقاشاتٍ فكريّةٍ وتنظيميّة ما بين "تمدين" و"عسكرة" الإخوان. عانت الجماعة من اشتداد قبضة عبد الناصر، قابلها انفراج في فترة السادات، أتاحت تواصل الإخوان مع الرأي العام. لغاية ثورة 25 يوليو، لم ينجح الإخوان بمحو صبغتهم الإقصائيّة التي تمتاز بالسريّة والغموض وقابليّة اللجوء إلى العنف، وفشلوا في تأسيس صورةٍ سياسيّةٍ سلميّة، ضمن الفضاء السياسي المصري، وأبقت على صبغة التباين والتقابل في الحياة العامّة: هناك حقٌّ وباطلٌ، مؤمنٌ وكافرٌ، تقيٌّ وفاجرٌ، وتباينات وتقابلات عديدة، من شأنها عرقلة نموِّ الحيّز المدني العام.

انتفاضة 25 يناير والمشاركة السياسيّة

طرحت ثورة 25 يناير تساؤلاتٍ عن طبيعة التغييرات التي أحدثها حراك يناير، في تصوّرات الإخوان المسلمين للحياة السياسيّة في مصر، وعن مدى استعدادهم للتعديل في منهجيّة التقابل والتباين في الحياة العامّة. تأخّر شباب الإخوان بالانضمام للحراك المصري، وفاجئهم كما فاجئ العالم. انضمَّ الإخوان لاحقاً للحراك دون أن يكون لهم دور حاسم في قيادته. توالت الأحداث وسقط نظام مبارك واستلم العسكر القيادة المؤقّتة. لا نعلم حقيقةً إلى أين كانت وجهة نظر الإخوان السياسيّة والاجتماعيّة في الواقع المصري الجديد، لكن الأكيد أنهم انخرطوا في الحراكات السياسيّة ليفاوضوا حول شكل التحوّل الديمقراطي، وصولاً لقرار خوض الانتخابات العامّة.

كانت الانتخابات للرئاسة المصريّة أوّل انتخاباتٍ رئاسيّةٍ ديمقراطيّة في مصر والعالم العربي، استطاعت جماعة الإخوان المتقدّمة على التيارات الأخرى، تنظيميّاً وماليّاً وبشريّاً، طِرْحَ مرشحها الرئاسي محمد مرسي، والذي استطاع في جولةٍ انتخابيّةٍ ثانية هزيمة أحمد شفيق من وجوه النظام السابق، نظام مبارك. فشلت رئاسة مرسي في السنة الأولى في تأسيس صورةٍ متفائلةٍ لدى الشارع المصري، يعود سبب فشلها باعتقادي، لغياب نهج الدولة، وحضور نهج الجماعة الدينيّة في إدارة الشأن العام، ما أثار موجة احتجاجاتٍ عارمةٍ ضدّ الرئيس مرسي، استغلَّ الجيشُ الحراكَ الشعبي الاحتجاجي لعزل مرسي، وإعادة إنتاج نسخةٍ جديدةٍ لنظام مبارك، بدعمٍ من العسكر برئاسة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، الذي استفاد من ملفّاتٍ وقضايا قانونيّة ضدَّ قيادات الإخوان في عهد مبارك، ليعيد شرعنتها وتثبيتها، من خلال محاكماتٍ صوريّةٍ هزليّة، أرسلت مرسي وقيادات الإخوان إلى السجن.

مناهضة الفكر الإخواني والخيار الديمقراطي

أمام صعود وانهيار حكم الإخوان وصعود نظام العسكر، لزم علينا أن نجري مقارناتٍ بين النظامين لتساعدنا في صقل مبدئيّتنا حول الخيار الديمقراطي، ولتساهم في نقد انتقائيّتنا وتقلّبنا في تأييد النُظُم الفاشيّة، مع رفع شعارات الديمقراطيّة في آنٍ واحد، وعلينا أن نحاسب جهل منظومتنا المعرفيّة في تجارب الشعوب للخلاص من الطغاة، وصولاً للحسم الديمقراطي لمستقبل البلاد، وما يتهدّده من مخاطر، مع معارضتي الشديدة لحكم الإخوان ونهجهم، والخطر القائم بأن يقوموا بإلغاء التداول السلمي للسلطة (وهو خطر عرفته الكثير من المجتمعات السياسيّة)، أعتقد أنه كان على الشارع المصري خوض التجربة السياسيّة لحكم الإخوان، وتصحيح أيِّ انحرافٍ عن مبدأ تداول السلطة السلمي، من خلال الضغط الشعبي والعودة إلى الشوارع.
لنتذكّر أن الرئاسة الإخوانيّة استُبدلت بنظامٍ مستبدٍّ، بانتخاباتٍ رئاسيّةٍ صوريّةٍ، وتكلّلت بتغييرٍ دستوري يمنح السيسي فترات رئاسيّة طويلة الأمد، استبدلت بنظامٍ اقتصادي يُتيح للجيش عسكرة الاقتصاد وامتلاكه، قمع الحياة السياسيّة، اعتقالات سياسيّة، رقابة مشدّدة على وسائل الاتصال، خنق التظاهر والاحتجاج، محاكمات لنشطاء وقيادات 25 يناير وإخفاء قسري للناشطين السياسيين.

محفّزات الكتابة هي البحث عن حدٍّ أدنى من القواسم المشتركة، لتشكّل المركّب الأساسي لأحلامنا، وبوصلتنا الجماعيّة نحو مجتمعٍ وكيانٍ سياسي ديمقراطي، يتبنّى منظومة حقوق الإنسان دون تطويعها لمزاج النظام السياسي السائد.

مع معارضتي الشديدة لحكم الإخوان ونهجهم، والخطر القائم بأن يقوموا بإلغاء التداول السلمي للسلطة، أعتقد أنه كان على الشارع المصري خوض التجربة السياسيّة لحكم الإخوان، وتصحيح أيِّ انحرافٍ عن مبدأ تداول السلطة السلمي.
في ظلِّ التناحر والاستقطاب السياسي بين الأنظمة وبين الناس، وتبنّي معايير مزدوجةٍ في المواقف من الأنظمة، علينا أن نسعى لتقليص التأتاة في خطاب الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.

البوصلة الحقوقيّة

في ظلِّ التناحر والاستقطاب السياسي بين الأنظمة وبين الناس، وتبنّي معايير مزدوجةٍ في المواقف من الأنظمة، علينا أن نسعى لتقليص التأتاة في خطاب الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، وتقديم مقولاتٍ واضحة:

أوّلاً: على المواقف الجذريّة المعارضة لعقيدة ونهج وممارسات الإخوان المسلمين أن تحترم نتيجة الحسم الديمقراطي، وأن تدافع عن الخيار الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة.

ثانياً: الالتزام الأساسي بحقوق الإنسان، بحقوق المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والمعتقلين والسجناء عموماً، ومناهضة كلِّ أشكال التعذيب، ورفض المحاكمات الصوريّة والأحكام العشوائيّة، وعلى هذا الالتزام ألّا يتزحزح قيد أنملة، مهما كانت جهة وشخصية المعتقل.

وفي أذهاننا النموذج الدموي للحرب الأهليّة الجزائريّة التي أودت بحياة أكثر من 150 ألف إنسان!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard