أفشل ثورتنا، وقمع غرائزنا.. الخوف ليس مُجرَّد إحساس

الأربعاء 19 يونيو 201901:55 ص

ليس محمد مرسي أو الإخوان، ليس السيسي أو الجيش، كل فريق يُلقي باللائمة على الآخر، إنَّه الخوف الذي يسكن الجميع.

كان هذا ما توصَّل إليه ثلاثة من مراسلي صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير عن فشل ثورة يناير.

يوضح التقرير الفكرة بأن كل الفترات الانتقالية مضطربة، ولكن كل واحدة منها تختلف عن الأخرى في تركيز كل فريق، إمَّا على احتمالات الربح، أو الخوف من الخسارة، الفريق الذي يُفكِّر فيما يُمكن أن يفوز به سيربح، والآخر الذي يخاف من الخسارة الكبيرة سينهزم.

لقد كسر المصريون جدار الخوف عندما نزلوا إلى الشوارع في يناير 2011، ليس فقط بينهم وبين النظام، ولكن بينهم وبين أنفسهم، ولكن الخوف عاد طوال الفترة الانتقالية، وبتأثير فتَّاك، وقاتل.

والذين خرجوا لإسقاط مرسي كان دافعهم الخوف من النظام الإخواني، ومن البديل العسكري، وكما قال أحد الصحفيين المصريين" الإخوان والجيش وجهان لعملة واحدة".

باختصار لم نفكّر في الأشياء التي يمكن أن نربحها، ولكن خفنا مما يمكن أن نخسره.

الخوف شكّل الرأي العام

للخوف جذور تاريخية عند المصريين، بحسب التقرير، هو الإحساس الذي شكّل الرأي العام، ولطالما تلاعب السياسيون المصريون بمخاوف الناس كاستراتيجية للاستيلاء على السلطة، بسببه ساد الاستقطاب، ليس في السنوات الثلاث التي تلت الثورة ولكن منذ بداية التسعينيات، وفرض على الناس اختيارات متطرفة: إمَّا نحن أو هم.

خاف الإخوان والإسلاميون من العلمانيين أن يلغوا المادة الثانية من الدستور، وفرضوا على الجميع دستورهم، وخاف العلمانيون منهم، أن تتحول البلاد لدولة دينية، ممَّا فرض على الجميع، كما في الماضي، خيارات متطرفة.

"واشنطن بوست": لطالما تلاعب السياسيون المصريون بمخاوف الناس كاستراتيجية للاستيلاء على السلطة، بسببه ساد الاستقطاب، منذ بداية التسعينيات، وفرض على الناس اختيارات متطرفة: إمَّا نحن أو هم.

وقديماً كتب المفكر الفرنسي جوستاف لوبون محذّراً من الخوف، كشعور مفسد للثورات في كتابه "روح الثورات والثورة الفرنسية"، يقول: "للخوف في أيام الثورات شأن عظيم يقرب من شأن الحقد..شوهد الخوف بمظاهره كلها في ذلك الزمن، وكان الظهور بمظهر العاقل المعتدل أخوف ما يخافه الناس.. ولو أن معجزة أزالت الخوف من المجالس الثورة لكان لها سير آخر، وكان للثورة الفرنسية وجهة أخرى".

ويغفل النشطاء والكتاب دور الخوف في تشكيل حياتنا واختياراتنا، وإن كان الخوف ظاهراً في سياسات أنظمة العالم الثالث، فهو يلعب دوره أيضاً ولكن بطرق أكثر تعقيداً وخفاءً في أوروبا وأمريكا.

وقد كتب العالم السياسي الكندي ريموند تاراس كتاباً ألَّفه خصيصاً لدراسة استغلال الخوف سياسياً، بعنوان "الخوف وصناعة السياسة الخارجية: أوروبا وما وراءها".

بحسب رؤيته، يمكن أن نضحك على أنفسنا، ونواجه الخوف على السطح، ولكنه غريزة متأصلة في وجودنا، والتطور الذي أنجزناه ساهم فيه الخوف بدرجة كبيرة.

الخوف، بحسب تاراس، يخلق احتياجنا للانتماء إلى جماعة تتبنَّى ثقافة تمنح حياتنا القصيرة والعبثية معنى، لذا فهو السبب في التماسك الاجتماعي، وهو أيضاً يُسبب قلقاً وجودياً، هو في الأساس خوف لمشكلة لا حلَّ لها، الموت، لذا لا يغفل السياسيون استغلال هذا الخوف للتعبئة السياسية، وتحقيق مكاسب لهم ولجماعتهم على حسابكم.

"إذا خفتم من الظلام فاجلسوا وحدكم في غرفة مظلمة، ولا تشعلوا النور، خفتم أن تخطبوا في الناس، افعلوا ذلك، خفتم من الموت، احتفلوا بالحياة، خططوا للمستقبل، والأحلام، تعلّموا أن تثقوا بأنفسكم وتؤمنوا بها"

الغريب أنه حين تأمَّل الخوف، وجده ساهم في تشكيل كل الهويات، من الدينية إلى الليبرالية، فعداء الغرب للشيوعية حافظ على ليبراليتهم، وعداء كل دين للآخر، العداء الذي يصل إلى الإقصاء الكامل، حافظ على وجود الأديان، وهذه هي المعضلة، ويتجسّد الخوف الوجودي الكامن في الإنسان البدائي، ما قبل تكوين الجماعات، وتلاعب السياسيين به في "رهاب الأجانب" عند الدول الغربية، وفقا لتاراس.

الخوف صديق الأمراض النفسية

استغلال السياسيين للخوف جعله يذهب إلى مناطق بعيدة، وغريبة فينا، أدهشت الباحثين والأطباء أنفسهم، بات كثير من الناس في دول عدة يخافون من الأشياء التي تفرحهم، ويحسون بألفة أكثر مع القلق والمخاوف.

كتب توري رود ريجيز مقالاً في موقع "ساينتفيك أمريكان" مشيرا إلى تغير غريب طرأ في تعامل الناس مع السعادة والتعاسة، حيث ظلت الأخيرة لفترة طويلة شيئا يتجنبه الأنسان، ويحاول إزالته، حتى كشفت دراسات حديثة أن بعض الناس يشعرون بتحسن مع ما يخيفهم، إلى الدرجة التي سببت لهم أمراضا نفسية، وبات على الطبيب أن يُركِّز أولاً على إدراك الخوف كخطوة حرجة أولى قبل أن يعالج الأمراض النفسية الأخرى.

يخاف الناس المشاعر الإيجابية، لشعورهم بعدم الجدارة أو الاعتقاد بأن الحظ السعيد يقود حتما إلى الهاوية، بحسب دراسات جديدة.

الطبيب النفسي، بول جريلبرت، من مستشفى كينجزاوي في إنجلترا وزملاؤه اكتشفوا في عام 2012 أن الخوف من السعادة مرتبط بشكل كبير بالاكتئاب، ولكن هذا الفزع من الانتشاء يظهر بحيل وطرق عديدة، "بعض الناس يختبرون السعادة في صورة استرخاء، أو حتى كسل، وكما لو أنَّ السعادة تافهة، وعلى المرأ أن يعاني، وبعض الناس يشعرون بعدم الراحة إن لم يكونوا قلقين".

الأبحاث السابقة تدعم الفكرة القائلة بأن تجنب المشاعر الإيجابية حالة تتعايش مع الاضطرابات العقلية، وعلى رأسها الاكتئاب.

"تخافون من الموت، احتفلوا بالحياة!"

ساهم الخوف في تشكيل ثقافتنا إذاً، وأبقى جنسنا على قيد الحياة، أديان، وأوطان، وأيديولوجيات، ولكنه مؤخرا بعد تخلِّي الدول عن فكرة "دولة الرفاه" التي تضمن لمواطنيها الحد الأدنى من مقومات الحياة، وتفشّي الليبرالية الجديدة كفلسفة تجسّد معنى حياتنا بتوحشها، وتنافسيتها، وتقديسها للسعي الفردي والطموح على حساب الآخرين، إضافة إلى سقوط الأيديولوجيات الكبرى، كل ذلك ساهم في تحوّل الخوف من غريزة بقاء، إلى عامل جوهري في صناعة عُقدنا، وأمراضنا النفسية، وتخلفنا اجتماعياً وسياسياً.

بسبب الخوف بتنا نقدر الحياة كمسؤوليات، وكتحديات بعيدا عن الاستمتاع والاسترخاء، ونتبنى مشاعر الكراهية، والانسياق خلف مشاعر فاشية تعادي كثيراً من قيمنا الأخلاقية، وتجعلنا عرضة دائما لتلاعب السياسيين الفاسدين والمستبدين، حتى ونحن نعلم ذلك، لا نقاوم إغراء الخوف والانسياق خلف أوهام هؤلاء الزعماء.

"الخوف يكمن في المجهول، والشخص الذي يمكن أن تثق فيه هو أنت، ويمكنك أن تتغلب على المخاوف بمواجهتها"

فهل يمكن أن نتحرر منها؟

أول مشكلة تواجهنا هي مقاومتنا نحن لهذا التحرر، نفوسنا بحسب عالم النفس الألماني آريك فروم تميل إلى التناغم مع ما تشكلت عليه، سهل إن شعرت بصداع أن تذهب للصيدلة وتتناول دواءً مناسبا لإزالة العارض، ولكن إذا فكرت أن تقاوم شيئا نفسيا، فستجد نفسك غير راغب في ذلك، لأن نفسك تجذبك إلى ما يديم مشاكلها وعقدها.

تلك الحالة أطلق عليها فروم مصطلح "المقاومة"، كلما رغبت في تغيير نفسك، قاومَت نفسك هذا التغيير.

بوجا نايك، حساب على "كورا"، وجد حلاً في جبال الهيمالايا، يتلخَّص في أن تجلس بمكان مظلم ومجهول، وتقاوم خوفك حتى يتلاشى.

بداية التأمل الذي يعتمد عليه المعلم في تلك المناطق يرتكز على الحدس، والحدس ملكة مرتبطة بالجسد، تحديداً في معدتك، وهو مركز الخوف أيضا، إذا واجهت تحدياً، واتخذت قراراً، وشعرت بألم ولو بسيط في معدتك، فهذا يعني أنَّ الحدس يعمل، أو أنَّ مركز الخوف نشط.

لذا حرص مُعلِّمو التأمل على تجفيف المعضلة من المنبع، وأن يواجه الإنسان مخاوفه كلها كخطوة أولى لممارسة التأمل.

يحكي نايك أنه ذهب إلى الهيمالايا، كما قيل له، ليحصل على درس عملي حول كيفية التغلب على مخاوفنا، كان يتخيل أنَّه سينخرط في مغامرة مثل القفز بالحبال من أماكن شاهقة، ولكنه صُدم بالتجربة.

ذهب ورفاقه إلى غابة صنوبر مظلمة، ليل بلا قمر، وغير مسموح بوجود المشاعل، وجاءت التعليمات: ممنوع أن يتحَّدث أحدٌ، وإلَّا لن تحضر الأنشطة الأخرى.

وسار نايك في طريق مهجور، بينه وبين صديقته مسافة 5 دقائق، وبات يسمع أصواتاً لكائنات "غريبة".

في البداية لم يتمكن من رؤية أي شيء، فقط ظلام، ثم بدأ يسمع تمتمة، وصخب في الأدغال القريبة..في منتصف الطريق صرخَت صديقته، حتى وصلوا أخيراً إلى مكان تجمّع فيه الجميع، حضن صديقته، الجميع كان شاحباً، ويبكي.

وعندما عادوا كان الجميع مرعوباً، ما تعلّمه نايك: الخوف يكمن في المجهول، والشخص الذي يمكن أن تثق فيه هو أنت، ويمكنك أن تتغلب على المخاوف بمواجهتها.

في اليوم الثاني تمكّن من السير في نفس الطريق وحيداً، بلا خوف.

وينصحكم نايك بعد تجرتبه تلك بـ"الفعل"، إذا خفتم من الظلام فاجلسوا وحدكم في غرفة مظلمة، ولا تشعلوا النور، خفتم أن تخطبوا في الناس، افعلوا ذلك، خفتم من الموت، احتفلوا بالحياة، خططوا للمستقبل، والأحلام، تعلّموا أن تثقوا بأنفسكم وتؤمنوا بها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard