السلطة تفضح الأخلاق وتكشف المستور...كيف تقيّمون أداء زعمائكم؟

الثلاثاء 18 يونيو 201908:35 م

السلطة لا تُفسد الرجال، إنما الأغبياء، إن وضعوا في السلطة، فإنهم يفسدونها.... مأساة العالم الذي نعيش فيه تكمن في أن السلطة كثيراً ما تستقرّ في أيدي العاجزين. (جورج برناردشو).

منذ الأزل والإنسان يحاول الاستئثار بالسلطة، فيبذل جهداً جبّاراً من أجل إحكام قبضته وبسط سيطرته على كلِّ شيءٍ من حوله، بهدف تأكيد نفوذه وإثبات نفسه، غير أن صراع البشر على السلطة قد يخرج من دائرة المنافسة الشريفة ويكلّف أحياناً سفك الدماء، خاصّةً حين يتسلّل الطمع إلى النفوس، وتصبح كرسيُّ الزعامة هدفاً منشوداً مهما كانت التبعات والأثمان.

ولكن بمعزل عن المحاولات الحثيثة التي يبذلها بعض أصحاب السلطة من أجل اخفاء مخطَّطاتهم، وإيهام الشعب بأنهم القادة المثاليّون الذين يتحلّون بالتواضع والعفّة والشرف، فإن السلطة تفضح المكامن الموجودة في دواخلهم وتكشف حقيقتهم المجرّدة.

السلطة تفضح الأخلاق

"إذا أردت أن تعرف أخلاق رجلٍ فضع السلطة في يده ثم انظر كيف يتصرّف" (مونتسكيو).

إن القوّة تكشف شخصيّة المرء الحقيقيّة، وذلك عن طريق تحريره من الداخل، وفق ما توصّلت إليه الأبحاث.

بمعنى آخر يمكن القول إن السلطة هي بمثابة مرآةٍ شفّافةٍ تعكس مكنونات القلب، فاذا وصل الأحمق مثلاً إلى السلطة فإنه من المرجّح أن يزداد حماقةً، ويتصرّف بطريقةٍ عشوائيّةٍ وغير مدروسةٍ على الإطلاق، أما في حال تمكّن الشخص الشريف والحكيم من تولّي مقاليد الحكم، فإن السلطة لن تغرّه، بل على العكس، سيستخدم نفوذه من أجل مساعدة الآخرين وتلبية رغبات شعبه.

يعرّف علماء النفس عموماً القوّة بأنها بسط السيطرة على الآخرين، من خلال توفير الموارد أو حجبها دون تدخّلٍ اجتماعي، رغم أن ملامسة النفس تبدأ بالشعور بالقوّة، فالحصول على منصبٍ قيادي من شأنه تعزيز الإبداع وتفجير الطاقات.

اذا وصل الأحمق  إلى السلطة فإنه من المرجّح أن يزداد حماقةً، ويتصرّف بطريقةٍ عشوائيّةٍ، أما في حال تمكّن الشخص الشريف والحكيم من تولّي مقاليد الحكم، فإن السلطة لن تغرّه، بل على العكس، سيستخدم نفوذه من أجل تلبية رغبات شعبه

في إحدى التجارب العلميّة في العام 2008، طُلب من بعض الطلاب الجامعيّين أن يتذكّروا حادثةً كانوا يتمتّعون خلالها بالسلطة، في حين أنه طُلب من الطلاب الآخرين أن يتذكّروا وقتاً آخر كانوا فيه خاضعين لسلطة شخصٍ ما، ثم عُرضت على الجميع صورةُ مخلوقٍ له أجنحة، وطُلب منهم رسم المخلوق الغريب، إنما على طريقتهم الخاصّة.

النتيجة: بعد أن عادوا بالذاكرة إلى لحظات الضعف، قام الطلاب الذين شعروا بالعجز بإضافة الأجنحة إلى المخلوق الذي رسموه، تماماً كما جاء في الصورة، وهو ما يدلّ على المطابقة، في حين أن الطلاب الذين استرجعوا لحظات القوّة لم يتأثروا بالمثال الذي قُدِّم لهم، بل ساروا وراء إبداعهم الشخصي.

 

تحقيق الرغبات

إن القوّة تجعل الناس أكثر عرضةً للعمل وفق رغباتهم الخاصّة.

ففي إحدى التجارب اتّضح أن الأشخاص الذين يشعرون بأنهم أقوياء، قاموا بنزع مروحةٍ مزعجةٍ تهبُّ عليهم، كما أنه عند العمل مع الآخرين، تبيّن أن الأقوياء كانوا أكثر عرضةً للتعبير عن آرائهم وأفكارهم بشجاعةٍ لا مثيل لها.

عند امتلاك السلطة، يصبح المرء أكثر إصراراً في السعي لتحقيق أهدافه، تماماً كما اتّضح من خلال إحدى التجارب العلميّة: قضى المشتركون الذين يشعرون بالقوّة مزيداً من الوقت في محاولة حلِّ لغزٍ هندسي رغم صعوبته الشديدة، ما يدلُّ على عزمهم وإصرارهم على الوصول إلى أهدافهم.

وبالتالي يمكن القول إن الوصول إلى السلطة يقود المرء إلى التركيز بشكلٍ أوضح على أي رغبةٍ لديه، فيضع الهدف نصب عينيه، ويحاول جاهداً تحقيقه مهما كلّف الأمر.

غير أن هذه الأهداف غالباً ما تتخذ طابع الأنانية، والنفوذ هو بالحقيقة امتحانٌ للأخلاق، ما يدعم مقولة المؤرّخ الإنجليزي "لورد أكتون": "تميل السلطة إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد إفساداً مطلقاً"، ورأي ابرهام لنكولن حين قال: "يستطيع جميع الرجال تقريباً أن يتحمّلوا الشدائد، ولكن إذا شئت أن تختبر خُلق رجلٍ ما، فاعطِه سُلطة".

أما "ميليسا ويليامز"، عالمة النفس في جامعة إيموري والتي كتبت عن كلِّ ما من شأنه المساهمة في إيصال السلطة إلى الفساد أو رفع شأنها، تعتبر أن المسألة أكثر تعقيداً من هذه النظريات كلّها.

فقد لخّصت "ويليامز" الأبحاث التي تحدّد أربع سماتٍ رئيسيّةٍ قادرةٍ على جعل القيادة إما أخلاقيّة أو غير أخلاقيّة، بالتالي: الشخصيّة، الفرديّة، القيم، والرغبة في السلطة.

فليس من المستغرب مثلاً أن سمات النرجسيّة والميكيافيليّة تتغذّى بالقوّة والنفوذ، في حين أن القيادة الأخلاقيّة تنشأ من سمات الشخصيّة الإيجابيّة: "إن القادة المتواضعين والصادقين كانوا أكثر أخلاقاً من غيرهم، كما أن القادة المحبوبين كانوا أكثر دعماً، إذ خدموا أتباعهم بدلاً من أن يحصل العكس".

هذا وقد تبيّن أنه سواء كنتم تنظرون إلى أنفسكم "كذئابٍ منفردة" أو جزءٍ من القطيع فإن هذا يؤثّر أيضاً على أسلوبكم في القيادة.

وبالنسبة إلى القيم فقد اتضح أنها تحدّد كيفية استخدام السلطة بطريقةٍ مسؤولةٍ أم لا، فالأشخاص الذين يفتقرون للقيم الأخلاقيّة لم يبذلوا جهداً ليكونوا منصفين وعادلين وصادقين، بل باتوا أكثر أنانية في لعبة الاقتصاد، في حين أن المسؤولين الذين يتمتّعون بمعايير أخلاقيّةٍ معيّنةٍ كانوا أكثر سخاءً في تعاطيهم مع الآخرين.

أما الرغبة في السلطة فمن شأنها أن تؤثّر على طريقة استخدامنا لها: إلى أيِّ مدى نريدها بشدّة ولأيِّ أسباب؟ فعندما وُضع بعض الطلاب المشتركين في أدوارٍ قياديّةٍ غير مستقرّة، وقيل لهم أن هذه الأدوار قد تتبدّل وفق الأداء، مال أولئك الذين لديهم رغبة في الهيمنة إلى استبعاد الأشخاص الموهوبين، عن طريقة عرقلة أدائهم لضمان سلطتهم الخاصّة.

هذه الاستنتاجات وغيرها نشرتها "ميليسا ويليامز" في دراسةٍ نُشرت في فبراير، تكشف أنه عندما شعر الرجال بأحقيّتهم في السلطة، وبعد منحهم إيّاها، وصل بهم الأمر إلى حدِّ ممارسة تمييزٍ جنسي عنيف.

عندما يصل الناس إلى السلطة، لا تتوقّعوا منهم أن يتصرّفوا بشكلٍ مختلفٍ تماماً عن سلوكهم من قبل، فالطيّبون لن يصبحوا طغاةً بين ليلةٍ وضحاها، كما أن الحمقى لن يتحوّلوا إلى حكماء، وإذا أردتم معرفة معدنهم الحقيقي راقبوا تصرّفاتهم بعيداً عن عدسات الكاميرا والأضواء

بالطبع هناك عدّة عوامل تلعب دوراً كبيراً في تحديد السلوكيّات، غير أن العلاقة التي تجمع الشخصيّة بالقوّة هي واضحة، وفي الإجمال يمكن القول إن السلطة تجعل المرء يظهر على حقيقته، وتجعله يشعر بأنه يستطيع أن يكون على طبيعته مع الآخرين، كما أنها تؤثّر على حريّة التعبير، عن طريق تحريره من فكرة الاعتماد على الآخر، ما يسمح له بتجاهل مخاوفه ومتابعة أهدافه الخاصّة.

باختصارٍ، عندما يصل الناس إلى السلطة، لا تتوقّعوا منهم أن يتصرّفوا بشكلٍ مختلفٍ تماماً عن سلوكهم من قبل، فالطيّبون لن يصبحوا طغاةً بين ليلةٍ وضحاها، كما أن الحمقى لن يتحوّلوا إلى حكماء، وإذا أردتم معرفة معدنهم الحقيقي راقبوا تصرّفاتهم بعيداً عن عدسات الكاميرا والأضواء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard