عن أكذوبة اضطهاد موسيقار الأجيال لابن أخيه سعد عبد الوهاب

الثلاثاء 18 يونيو 201904:02 م

لا دقّة حول تاريخ ميلاده، لكن يُقال إنه وُلد عام ميلاد العندليب عبد الحليم حافظ 1929، ويروّج البعض في قولٍ آخر إنه وُلد عام 1926، لن نختلف في هذه النقطة لأنها لن تفيد في شيء.

مثّل "سعد" وغنّى في أفلامٍ عدّة، أنتج له بعضها عمّه، أحد كبار الموسيقى العربيّة، محمّد عبد الوهاب، والذي أُشيع عنه أنه غار من نجاح ابن أخيه، فقرّر إبعاده ونفيه إلى الإمارات، كيلا ينافسه على عرش الموسيقى والغناء!

إن 60% من الألحان الناجحة كانت صناعة  عبد الوهاب، ورغم أن "سعد" غنى نحو 100 أغنية، فلا نجد له أغنياتٍ بنفس نجاح الأغاني التي من تلحين عمّه.

وهنا فلتغفر لي الجماهير والسماء ذكر هذه الهلاوس، تماماً كمن روّج أن أم كلثوم كانت وراء مقتل أسمهان، أو كمن روّج أن الملحن المصري رؤوف ذهني هو مبدع روائع "عبد الوهاب" الكبرى، وأن الموسيقار الأشهر سرقها منه ووضع عليها اسمه انتحالاً.

وبعد هذه الهلوسة، فلنعُدْ لـ"سعد"، مطرب السبع أغنيات كما أحب أن أسمّيه، أتحدّاك أن تتذكّر له أغنيةً ثامنةً مشهورة، هذا إنْ تذكرتَ له أصلاً السبعة الآتية:

"الدنيا ريشة في هوا (لحن موسيقار الأجيال) - قلب القاسي (لحن سعد وغناؤه) - فين جنّة أحلامي (لحن موسيقار الأجيال) - على فين واخداني عينيك (لحن موسيقار الأجيال) - انت ويايا - اليومين دول قلبي ماله (لحن سعد وغناؤه) - من خطوة لخطوة (لحن سعد وغناؤه)"..

أي أن 60% من الألحان الناجحة جداً كانت صناعة عمّه عبد الوهاب، ورغم أن "سعد" غنى نحو 100 أغنية، فلا نجد له أغنياتٍ بنفس نجاح السبعة الماضية. 

ربما نتذكّر هذه الأغنيات، بصوت سعد أو بغيره، لأنها بمنطق السوق "فرقعت" بالفعل، لكن تُرى ما السبب في اشتهار هذه الأغنيات دون غيرها لهذا المطرب، الذي لمع فجأةً ثم اختفى 20 سنة؟ وحين عاد إلى الفنِّ مرّةً أخرى كانت أسباب شهرته الأولى قد انتهت.

الإجابة في هذا السؤال: هل يمكن أن نصدّق أن يفشل مطربٌ لحّن له عبد الوهاب الكبير، وكتب له مأمون الشناوي، وفتحت له السينما بابَ إنتاج الأفلام على يد محمد عبد الوهاب أيضاً؟

وقد تتضمّن الإجابة هذه الإشارة:

كان سوق الغناء متلهّفاً في هذا الوقت، نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، لظهور نجمٍ بمواصفاتٍ جديدة، شاب يعوّض كبر سنِّ عبد الوهاب.. فكان من الطبيعي نجاح "سعد" بأداء أغنياتٍ رومانسيّةٍ حالمة تخاطب ذوق الصغار، لكن للأسف ظهر "حليم"، الرومانسي المخربش، فكان من الطبيعي أن تمحو الأيام "سعد"، لأن السباق بالتأكيد كان أكبر من إمكانيّاته..

تخرّج "سعد" في كلية الزراعة بجامعة القاهرة عام 1949، عمل بمصنع سكّر في نجع حمادي 10 أيام حتى جاءته موافقة الإذاعة المصريّة واعتماده بها كمذيع، مارس الغناء إلى جانب عمله الإذاعي – موظف مثالي - مثّل في أولى أفلامه بطريقةٍ مفتعلةٍ، لكن نجاح أغانيه على يد صنّاعها الحقيقيين لفت إليه الانتباه.

التحق مطربنا بمعهد الموسيقى بجوار دراسته للزراعة، وزامل في المعهد الموسيقار المتفرّد محمود الشريف، فضلاً عن كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي، مثلّث الرعب الذي اتخذه "حليم" سُلماً لصعوده إلى القمّة دون تنازلٍ عنها إلى الأبد. كان "حليم" يستعدُّ في هذه الأثناء للظهور كنجمٍ للمرحلة، حين كان "سعد" مطرباً كُتبت له الشهرة الغريبة من نوعها، لكنها كانت شهرةً من النوع قصير العمر.

كان سوق الغناء متلهّفاً في هذا الوقت، لظهور نجمٍ بمواصفاتٍ جديدة، شاب يعوّض كبر سنِّ عبد الوهاب.. فكان من الطبيعي نجاح "سعد" بأداء أغنياتٍ رومانسيّةٍ حالمة، لكن للأسف ظهر "حليم"، الرومانسي المخربش.

كُتب لسعد عبد الوهاب أن يغنّي كلمات أهمِّ كتّاب الأغنية في وقته... لكن أتى عام 1964 وشهد زيارة للمملكة السعوديّة ليؤدّي فريضة الحجِّ، وهناك اختطفه الدين.

أظن أن اختياره اللاحق حسم المعركة لصالح سعد الذي لا يملك مشروعاً فنيّاً، هو موظّف امتهن الغناء لفترةٍ حتى يكتشف فيها ذاته، ولا عيب في ذلك، لكن ليس من المنصف أن يضعه البعض في مرتبة عبد الوهاب.

كُتب لـ"سعد" أن يغنّي كلمات أهمِّ كتّاب الأغنية في وقته: مأمون الشناوي، حسين السيد، أحمد شفيق كامل، عبد العزيز سلام، لكن أتى عام 1964 وشهد زيارة "سعد" للمملكة السعوديّة ليؤدّي فريضة الحجِّ، وهناك اختطفه الدين، فعمل بالإذاعة السعوديّة، ومنها انتقل للعمل بالإمارات مستشاراً للأغنية، وتركّز إنتاجه في الخليج على "الأغنيات الدينيّة" وابتعد عن الإيقاعات الراقصة التي ميّزت الألحان المقدّمة له، حتى عاد إلى القاهرة في منتصف الثمانينيات، وكان الحال قد تغيّر، فعاش سنواته الأخيرة مريضاً منعزلاً عن الوسط الفنّي مع ابنيه، حتى مات في 2004.

هل كان "سعد" ندّاً لعبد الوهاب بأيِّ حال؟ هل كان يمكنه أن ينافس عبد الحليم؟ هل كان يمكنه أن يتناسى تركيبته الدينيّة ويُكمل "نصّ دينه الفنّي"؟

في غناء "سعد" بساطةٌ يمكن لآخرين أداءها، إذا ما أوتوا قبول الشكل والوداعة وتعلّم أبسط فنون الغناء، بعكس عمّه المُلغز، المركّب، المبتدع لأشكالٍ مختلفة من الأداء المذهل، ما جعل مثلاً الموسيقيّ الكبير كمال الطويل يقول عنه إنه أعظم من غنّى على الإطلاق، فضلاً عن قيمته التي لا يتسع المجال لتناولها في الموسيقى العربيّة، كلُّ هذا يجعلنا نتوقّف عند إمكانية إعطاء "سعد" أكبر من حجمه، لمجرد كراهية عمّه وإلصاق التهم به. هل كان "سعد" ندّاً لعبد الوهاب بأيِّ حال؟ هل كان يمكنه أن ينافس عبد الحليم؟ هل كان يمكنه أن يتناسى تركيبته الدينيّة ويُكمل "نصّ دينه الفنّي"؟

أظن أن اختياره اللاحق حسم المعركة لصالح "سعد الذي لا يملك مشروعاً فنيّاً"، هو موظّف امتهن الغناء لفترةٍ حتى يكتشف فيها ذاته، ولا عيب في ذلك، هو حُرٌّ، لكن ليس من المنصف أن يضعه البعض في مرتبة عبد الوهاب، ويقولون إنه تخوّف من وجود "سعد" كمنافسٍ.. أكاد أبصم بالعشرة أنه لو سمع عبد الوهاب هذه الفرية لسقط مغشيّاً عليه من كثرة الضحك.

رحم الله عبد الوهاب وابن أخيه سعد، وجعلنا نستمتع بما قدماه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard