مسلسل "جن": كيف أصبحت "قيمنا" أسلحة فتاكة لقمع حرية التعبير؟

الثلاثاء 18 يونيو 201904:32 م
Read in English:

The Jordanian Schism :How a poorly made television series revealed the fractured soul of a nation

مرّة أخرى، ضجًّ الشارع الأردني كبندول الساعة حول مسلسلٍ درامي ضحل المحتوى، موجّهٍ إلى المراهقين. المسلسل، الذي يحمل اسم "جن"، هو أوّل إنتاجٍ أردني مموّلٍ من شركة المحتوى العالميّة Netflix. في الظروف العاديّة، كان مثل هذا المسلسل سيمرُّ مروراً عابراً دون التوقّف عند محتواه، إلا بعينٍ ناقدةٍ لمستوى النصِّ والإخراج المتدنيّين، لكن مع الأسف، فإن النزوع العام في الشارع الأردني نحو الغضب الجمعي قد حوّل هذا المسلسل إلى قضية أمنٍ مجتمعي، مثبتاً لنا مرّة أخرى أن مجتمعنا يعاني من حالة فصامٍ مدمّرةٍ ومتنامية.

 إن النزوع العام في الشارع الأردني نحو الغضب الجمعي قد حوّل هذا المسلسل إلى قضية أمنٍ مجتمعي، مثبتاً لنا مرّة أخرى أن مجتمعنا يعاني من حالة فصامٍ مدمّرةٍ ومتنامية.

لم نفاجَأ أن ينصبَّ النقد المسعور لمسلسل "جن" على عناصر ثانويّةٍ، بعيداً عن أيِّ تقييمٍ فنّي لشكل وإخراج العمل، بل تمَّ التركيز على بعض المشاهد التي نُعتت بـ "الفاحشة"، إذ تجرّأ العمل على تقديم مشاهد يمارس فيها مراهقون شتى أنماط السلوك غير المحبّبة، مثل القبل واستخدام الألفاظ البذيئة وتعاطي الكحول والمخدّرات... يا للهول! وبما أننا نعيش في يوتوبيا محافظة — كفقاعةٍ متوهّمةٍ من براءةٍ لامتناهية ومثلٍ عليا مهيمنة على العقل الجمعي — فقد تمَّ وصف هذه المشاهد بشكلٍ جمعي، بأنها مناقضةٌ للواقع العام في المجتمع الأردني. إذ تداعت ردود أفعال الأغلبية المهيمنة خلال ساعاتٍ قليلةٍ من إصدار المسلسل على الشبكة المذكورة، فهاجت منابرهم منذرةً بحلول الساعة وبسقوط روما.

أثبت الشعب الأردني على مرِّ الزمن شغفه بالتعبير عن الذات (ضمن ما هو مقبول رسميّاً ومتاح من قبل وزارات النفي) كما أظهروا ذاك الميل المحموم إلى الفكر الجمعي، ينزعون عبره إلى استخدام تعبيرات ذات دلالات جمعيّة مثل "قيمنا"، "عاداتنا"، و"تقاليدنا"، واضعين أطراً صارمةً لتحديد ماهيّة "الأردني" ومنذرين من يجرؤ على الخروج عن تلك الأطر، فبات الشعب الأردني متمرّساً بفنِّ الرقابة الذاتيّة، محوّلين الغضب الجمعي إلى أداةٍ لقمع الأقليّات المخالفة.

ويزداد الأمر سوءاً عندما تتلقّف الحكومات الهياج المجتمعي بممالأة الأغلبيّة، حينما تكون القضايا خارجةً عن أدائهم أو إيراداتهم، مثلما فعل المدّعي العام الأردني عندما أيّد النقد الموجّه ضدَّ المسلسل، ودعا وحدة الجرائم الإلكترونيّة في المملكة لحظره، بل أكثر من ذلك، فقد تمَّ تشكيل لجنةٍ حكوميّةٍ برلمانيّةٍ مشتركة لمناقشة تداعيات مسلسلٍ تلفزيوني، في حين تشكّل قضايا مثل التضخّم والفساد والضرائب المستفحلة خطراً فعليّاً وملموساً على الأمن المجتمعي.

وفي كلّ مرّةٍ تدور فيها تلك الأسطوانة المشروخة، أجد نفسي أتساءل: ما هو بحقِّ الجحيم ذاك الذي يمثّلنا؟

ولقد تجّسد الغضب المجتمعي تجاه مسلسل "جن" في حالةٍ مشابهةٍ لحالات ردِّ الفعل الجماعيّة تجاه قضايا أخرى سابقة، كاشفةً صورةً محزنةً لحالة الإنكار الجمعي المسيطرة على الوعي العام، لمجتمع يدعي التقدّم والانفتاح على العالم، في حين يعاني من قوّة الشدِّ العكسي التي تحول بينه وبين التجديد العصري لمختلف المجالات الحياتيّة، وكأن الأردن عبارةٌ عن دولتين متناقضتين في حالة صراعٍ مستمرّة، إحداهما تسعى لتحقيق حلم مجتمع مدني يقدّس قيم الفردانيّة وحرية التعبير، والثانية فاشية مجتمعيّة تتسلّح بصوت الأغلبيّة لقمع أصوات الأقليّة.

ولعلَّ ما يُثير القلق بشكلٍ خاصٍّ في هذه القضية، هو النزوع شبه العسكري إلى الإنكار الجماعي، فنحن على يقينٍ تامٍّ بأن الصور المعروضة واللغة المتداولة في مسلسل "جن" ليست مفارقةً لواقع الشارع الأردني، ونحن على علم أن العديد من مراهقينا يمرّون بتجارب جنسيّة بدرجاتٍ مختلفةٍ ومتفاوتة، كما نعلم أن الألفاظ البذيئة تزيّن حواراتنا اليوميّة في مختلف أرجاء الوطن، ونعلم أيضاً أن التبغ والكحول والمخدّرات بمختلف أنواعها، هي جزءٌ من الحمية الصحيّة للعديد من الأردنيين، بغضِّ النظر عن العمر والجنس والحالة الاجتماعيّة، في شرق وغرب عمان، وفي مختلف المحافظات على حدٍّ سواء، ولكن عندما يتمُّ مجابهة صورتنا في مرآة الفنِّ أو الأدب، تتنطّح الأغلبيّة الفاشية، مردّدةً شعارها المعهود: "هذا لا يمثّلنا".

والأكثر إثارة للقلق والاشمئزاز، تلك اللغة الذكوريّة الساديّة التي اتسمت بها حوارات منصّات التفاعل الاجتماعي - بغضِّ نظرٍ رسمي - منذ صدور المسلسل، والتي تستهدف بشكلٍ خاصٍّ الإناث من طاقم العمل.

وفي كلّ مرّةٍ تدور فيها تلك الأسطوانة المشروخة، أجد نفسي أتساءل: ما هو بحقِّ الجحيم ذاك الذي يمثّلنا، وما هي تلك القيم المقدّسة التي ندّعي الدفاع عنها؟ هل تتجسّد هذه القيم في الذكوريّة المستفحلة في مجتمعنا، والتي تحدّد حصّة الإناث في برلماننا بنسبة 16% من المقاعد؟ وماذا بالنسبة لحالات التحرّش الجنسي المتنامية والتي تنغّص حياة المرأة والفتاة الأردنّية، وتحول بينها وبين حرية المشي في شوارع هذه اليوتوبيا؟ وأين كانت هذه القيم عندما وقفنا صامتين لعقودٍ أمام قانونٍ يسمح للمغتصب بالزواج من ضحيّته رغماً عنها هرباً من العقوبة؟ وهل هي فاعلة الآن في مواجهة المعتقدات المتطرّفة التي تنتشر كالنار في هشيم المجتمع، لتولّد مزيداً من الدواعش والخلايا النائمة التي تحوم حولنا كجنٍّ متعطّشٍ للدماء؟

والأكثر إثارة للقلق والاشمئزاز، تلك اللغة الذكوريّة الساديّة التي اتسمت بها حوارات منصّات التفاعل الاجتماعي - بغضِّ نظرٍ رسمي - منذ صدور المسلسل، والتي تستهدف بشكلٍ خاصٍّ الإناث من طاقم العمل. فخلال ساعات قليلة، هاجت تلك المنصّات بحساباتٍ وهميةٍ حول بعض الممثلات في العمل، والتي تراوحت التعليقات عبرها بين الثناء على العمل، والإهانات المباشرة والسباب والشتائم البذيئة والتهديد بالاغتصاب والقتل. والمفارقة المؤلمة أن اللغة والصور المستخدمة في الحوار العام تفوق في بذاءتها وبشاعتها تلك التي تمَّ تداولها في مسلسل "جن"، والتي تعكس النفاق القاطن في العقل المحافظ الموجّه بشكل رئيس بالسيطرة والهيمنة الذكوريّة على سلوك (وجنسانيّة) الأنثى، وليس الدفاع حقيقة عن قيم المجتمع. حتى تلك التعليقات التي صدرت عن فئات تدعي التقدّميّة وعن بعض الأكاديميّين والمعلّمين، فشلت في تفادي بعض المفردات المُهَيِّجَة مثل "قيمنا"، والتي أصبحت أسلحةً فتّاكةً لقمع حرية التعبير، والتي فاقمت في هذه الحالة من الخطر الفعلي المنصبِّ على طاقم عمل "جن" والأطفال الأردنيين الذين ظهروا في المسلسل.

كأن الأردن عبارةٌ عن دولتين متناقضتين في حالة صراعٍ مستمرّة، إحداهما تسعى لتحقيق حلم مجتمع مدني يقدّس قيم الفردانيّة وحرية التعبير، والثانية فاشية مجتمعيّة تتسلّح بصوت الأغلبيّة لقمع أصوات الأقليّة.

ولعلَّ ما يُثير القلق في هذه القضية، هو النزوع شبه العسكري إلى الإنكار الجماعي، فنحن على يقينٍ تامٍّ بأن الصور المعروضة واللغة المتداولة في مسلسل "جن" ليست مفارقةً لواقع الشارع الأردني.

وماذا بالنسبة لحالات التحرّش الجنسي المتنامية والتي تنغّص حياة المرأة الأردنّية؟ وأين كانت هذه القيم عندما وقفنا صامتين لعقودٍ أمام قانونٍ يسمح للمغتصب بالزواج من ضحيّته رغماً عنها هرباً من العقوبة؟ 

إن الأغلبيّة الأردنيّة لا تختلف عن سائر الأغلبيّات التي تنزع إلى نسيان وجود الأقليّات، في اندفاعها المفرط نحو الحفاظ على القيم "التقليديّة" والتعريف الحدّي لمفهوم "الأردنيّة"، تُسقط من حسابها أن هذا البلد أصبح نسيجاً جميلاً مليئاً بخليط من الفئات المختلفة والتي تتشابك خيوطها في طيّاته. لا يقتصر هذا النسيج فقط على العديد من الجنسيّات والأعراق الأخرى التي اتخذت الأردن وطناً، مثل السوريّين والفلسطينيّين والشراكسة والعراقيّين والأكراد والشيشان وغيرهم، بل يشمل أيضاً عدداً لا يُحصى من الأفراد الذين تختلف توجّهاتهم الأيديولوجيّة والثقافيّة عن السائد والمألوف، مثل الملحدين واللاأدريّين والصوفيّين والمثليّين والنسويّين والشيوعيّين والاشتراكيّين واليساريّين وغيرهم، وعلى الرغم من خفوت أصواتهم، فإنهم بدون شك يساهمون في تكوين روح الأمّة.

ويتضح مما سبق أننا كأردنيّين بحاجةٍ ماسّةٍ للنهوض من تلك الغيبوبة الطوعيّة التي نمارس فيها دفن رؤوسنا في الرمال ومقاومة رياح التغيير.

ولكن الأقليّة التي تمّت شيطنتها بشكلٍ أكبر، ويُنظر إليها على أنها تشكّل تهديداً أساسيّاً لهيمنة الأغلبيّة الأردنيّة هي الليبراليّون، هؤلاء قليلو الحياء، دعاة الفردانيّة الذين يقدّسون قيم التفرّد والاستقلاليّة الفكريّة المتجسّدة في الفكر النقدي القائم على القيم المدنيّة وحريّة التعبير. إذ يعتقد هؤلاء أن الجنسويّة جزءٌ أساسي من مكوّنات الخبرة الانسانيّة، والتي لا يجب التخوّف منها أو شيطنتها، حتى لا تتوارى خلف الظلال القاتمة، وتتحوّل إلى قوى مبهمةٍ مدمّرةٍ للنسيج الاجتماعي. كما يؤمنون أن المرأة أيضاً كينونةٌ حرّةٌ فرديّة لها حقّ التحكّم التام في عقلها وجسدها، ويسعون نحو مجتمعٍ حرٍّ لا يهاب النظر بعينٍ موضوعيّةٍ ناقدة للذات، ويعترف بحقِّ كلِّ فردٍ بتحديد قيمه ومثله العليا، ليدمجوا أصواتهم ضمن جوقة التطوير الاجتماعي. وفيما يتعلّق بقضية اليوم، فهم يعتقدون أن عملاً مثل مسلسل "جن" - على الرغم من هشاشته وسوء إنتاجه - يمثّل تعبيراً عن تلك الحرية، لتمهيد السبل للعديد من القوى الخلّاقة التي تضمّ أصواتها لتلك الجوقة.

ويتضح مما سبق أننا كأردنيّين بحاجةٍ ماسّةٍ للنهوض من تلك الغيبوبة الطوعيّة التي نمارس فيها دفن رؤوسنا في الرمال ومقاومة رياح التغيير، وهو جرس إنذارٍ يذكّر الأردنيّين بضرورة تبنّي استراتيجيّة أكثر جرأة لتسريع مسيرتنا نحو الدولة المدنيّة، عبر تبنّي خططٍ لتطوير التعليم، ودعم الحراك الشعبي التقدّمي الهادف إلى تفكيك القبضة الأبويّة المهيمنة على الوعي العام. تتجسّد جماليّة الحرية في ضمان حقِّ الكلِّ بالمشاركة في تكوين مجتمعهم المرجو، دون التعدّي على حقوق الآخرين بممارسة الحرية ذاتها، خلافاً للفكر السائد حول مفهوم الحرية، فهي لن تفسح المجال لمسلسل مثل "جن" لتفكيك بنية المجتمع، بل ستضمن الحقَّ لكلِّ من لم يُعجب بمحتوى المسلسل بالعودة لمشاهدة مسلسل Game of thrones بدلاً عنه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard