مستعمرة "مرتفعات ترامب" في الجولان السوري: بداية لطريق استيطاني موحش

الاثنين 17 يونيو 201912:20 م

أعلنت حكومة إسرائيل، يوم الأحد 16.06.2019، عن بناء مستوطنةٍ جديدةٍ على أراضي الجولان السوري المحتلّ، سمّيت بـ"مرتفعات ترامب" (trump heights) بما أرادوه أن يكون "تقديراً" لاعتراف الإدارة الأمريكيّة الحالية بالسيادة الإسرائيليّة على هضبة الجولان المحتلّة. كشفت الحكومة عن موقع المستوطنة المُزْمَع إقامتها، بعد جلسةٍ عقدتها على أرض الجولان السوري المحتلّ، ليكون على أنقاض قرية القنّعبة السوريّة المهجّرة منذ نكسة حزيران 1967.

  منذ عام 1967 حتى الآن، تمَّ توطين 25 ألف مستوطن في الجولان، غالبيّتهم استوطنوا المنطقة بعد بداية الثورة السوريّة، حيث ازداد عدد المستوطنين منذ ذلك الحين.

منذ احتلال الجولان، لم تركّز حكومات الاحتلال الاسرائيلي على الاستيطان فيه، بعكس سياساتها التوسعيّة والاستيطانيّة في الضفّة الغربيّة والقدس، إذ أنه منذ عام 1967 حتى الآن، تمَّ توطين 25 ألف مستوطن إسرائيلي في الجولان، غالبيّتهم استوطنوا المنطقة بعد بداية الثورة السوريّة (خلال سنوات الثورة السوريّة، ازداد عدد المستوطنين في الجولان بحوالي الثلث). في المقابل يُقدّر عدد السكان السوريين الباقين في الجولان بعددٍ مشابه (حوالي الـ 26 ألف سوري). لتجسيد هذا الأمر - لم تقام أيّ مستوطنةٍ جديدةٍ في الجولان السوري المحتلّ منذ السنوات التي سبقت الانتفاضة الثانية، وتحديداً منذ عام 1999، عندما أقيمت مستوطنة "النمرود"، غربي قرية مجدل شمس المحتلّة.

اليمين المتطرّف الاسرائيلي والتوسّع في الجولان المحتل

في نظرةٍ سريعةٍ الى التاريخ الحديث للجولان السوري المحتلّ، نرى أن الاستيطان لم يتسارع، ولم يزدد إلّا في ظلِّ حكومات اليمين المتطرّف الإسرائيلي. إذ أصدر الكنيست قرار ضمِّ الجولان عام 1981 بعد انتخاب إحدى الحكومات اليمينيّة الأولى في تاريخ اسرائيل، وترأسّها مناحيم بيجين، لتقام في تلك الفترة عدّة مستوطناتٍ إسرائيليّةٍ على أنقاض قرىً سوريّةٍ مهجّرة.

في نظرةٍ سريعةٍ الى التاريخ الحديث للجولان السوري المحتلّ، نرى أن الاستيطان لم يتسارع، ولم يزدد إلّا في ظلِّ حكومات اليمين المتطرّف.

عاد الأمر ليتكرّر منذ عام 2009، وصعود حكومة نتنياهو للحكم في إسرائيل. ازدادت في هذه الفترة أعداد المستوطنين في الجولان السوري المحتلّ بشكلٍ كبيرٍ، مقارنةً بالاستيطان فيه قبل هذه الفترة. تمَّ توسيع مستوطنة "كتسرين" (المُقامة على أرض قرية قصرين المهجّرة)، لتصبح المستوطنة الأكبر في الجولان السوري المحتلّ، وأيضاً تمَّ توسيع عدّة مستوطناتٍ أخرى ليزداد عدد المستوطنين من ما يقارب 18 ألف مستوطن لـ25 ألف خلال فترة 10 سنوات.

لكن، حتى هذه الحكومة، التي اشتهرت بتطرّفها وعنصريّتها، لم تبادر إلى إقامة مستوطناتٍ جديدةٍ في الجولان السوري المحتلّ، وهذا حتى الإعلان عن إقامة "مرتفعات ترامب". يشكّل هذا الإعلان تغييراً في السياسات الاستيطانيّة في الجولان السوري المحتلّ، وقد يكون بدايةً لطريقٍ استيطاني موحش. سبق هذا الإعلان العديدُ من التصريحات لنتنياهو ووزراء حكومته، والتي أصرّوا فيها على أن حكومتهم الحالية تهدف لزيادة عدد المستوطنين في الجولان السوري المحتلّ، حتى بلوغ ربع مليون مستوطن في عام 2050. هذه التصريحات لم تجسّد في خططٍ حكوميّةٍ مثبتة، أو في قوانين سنّها الكنيست، ولكنها حتماً تشير إلى تغيير أهداف إسرائيل بخصوص الجولان، ويمكن التوقّع بأن هذه التصريحات تعني بالضرورة زيادة الاستيطان والمستوطنات في الجولان المحتلّ.

أعلنت إسرائيل عن بناء مستوطنةٍ جديدةٍ على أراضي الجولان السوري المحتلّ، سمّيت بـ"مرتفعات ترامب"، واختاروا أن تُقام المستعمرة على أنقاض قرية القنّعبة السوريّة المهجّرة منذ نكسة حزيران 1967.

في ظلِّ الانتخابات الإسرائيليّة القادمة، كما وفشل نتنياهو في تشكيل الحكومة، يعيد نتنياهو الكرّة من جديد - استخدام الشعبويّة والعلاقات العامّة - بشكلٍ مخالفٍ للقانون الدولي، وباستخدام العنصريّة والتحريض، بهدف التقرّب من الناخب الإسرائيلي.

إن إطلاق اسم ترامب على مستعمرةٍ هو خرقٌ القانون الدولي الإنساني، وتعتبر إقامتها جريمة حرب، قد يكون الأمر في النتيجة تجسيداً للشعبويّة والعبثيّة التي تتخذ بواسطتها حكومة إسرائيل قراراتها.

عندما يتفوّق الواقع الساخر على الكوميديا

في ظلِّ الانتخابات الإسرائيليّة في أيلول/ سبتمبر القادم، وفي ظلِّ فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة بالرغم من "الهدايا" التي تلقّاها من ترامب (الاعتراف غير القانوني بسيادة إسرائيل على الجولان المحتلّ)، وبوتين (إعادة رفات جنودٍ إسرائيليين سقطوا في معارك ضدَّ الجيش السوري في حرب لبنان)، يعيد نتنياهو الكرّة من جديد - استخدام الشعبويّة والعلاقات العامّة - بشكلٍ مخالفٍ للقانون الدولي، وباستخدام العنصريّة والتحريض، بهدف التقرّب من الناخب الإسرائيلي.

هذا الواقع الساخر، والذي يستطيع فيه قائدٌ لحكومةٍ استعماريّةٍ فاشيّة، من التحكّم بتاريخ منطقةٍ تمَّ تهجير أهلها قسراً وتدمير بيوتها عنوةً، وتسمية إحدى قراها التاريخيّة باسم رجلٍ مُسْتَعْمِرٍ آخر، يتغنّى يوميّاً بالإمبرياليّة والعنصريّة، ويتفوّق على المسلسلات والأفلام الهوليوديّة بسخريته.

إن إطلاق اسم ترامب على مستعمرةٍ هو خرقٌ القانون الدولي الإنساني، وتعتبر إقامتها جريمة حرب، قد يكون الأمر في النتيجة تجسيداً للشعبويّة والعبثيّة التي تتخذ بواسطتها حكومة إسرائيل قراراتها.

ربط اسم ترامب بمستعمرةٍ غير قانونيّة، هو بالذات ربط لا يشذّ أبداً عن السياقات التي ربط اسمه فيها منذ تولّيه رئاسة الولايات المتحدة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard