عبّاس العلاونة.. الجزائريّ الذي قاوم الإرهاب وتردّي الذّوق العام بالكتب القديمة

الاثنين 17 يونيو 201912:59 م

ثمة مثل جزائري يقول "كِشاب علقولو كتاب". أي أنهم منحوه كتابا بعد أن غزاه الشيب، كناية عن تأخر الحصول على ما تحلم به. غير أن هذا ليس حال بائع الكتب القديمة العم عباس العلاونة (1958) والمعروف بـ"راهب الكتب" حيث أصبح معلما بارزا في مدينة برج بوعريج شرق العاصمة الجزائر . فهو قد عرف الشغف بالكتاب منذ طفولته الأولى، حيث تعلم على يد الفرنسيين، الذين بقوا في الجزائر، بعد الاستقلال الوطني عام 1962.

الكتاب كانت بوابته على العالم، ومفتاح علاقته بالبشر، ومعنى وظيفته في الحياة، عبر نور حبره، وروائح ورقه العتيقة، يسافر إلى ماضي الجزائر دائما، في محاولة مستمرة لفهم وتذوق أفضل وأعمق للحظة الراهنة.

البداية كانت مع نخبة فرنسية من المعلمين رفضت مغادرة الجزائر، وواصلت مهمتها التنويرية، بعيداً عن النزعة الاستعمارية، رغم الظروف القاسية، التي رافقت التعليم في الجزائر التي خرجت من احتلال دام 132 سنة.

يعيدنا العم عباس العلاونة إلى ذلك الزمن بالقول: "وجدتْ جزائر الاستقلال الوليد نفسَها أمام واقعٍ يندر فيه المتعلّمون ناهيك عن المعلّمين. بالنظر إلى أن سياسة الاحتلال قامت على احتكار التعليم لأبناء الفرنسيّين، وأبناء الأسر الجزائريّة المواليّة له، فكان للمعلّمين الفرنسيين الذين انسلخوا عن مجتمعهم وفضّلوا البقاء في المدارس الجزائريّة، بعد أن تسلَّمتها حكومة الاستقلال، فضلٌ كبيرٌ في نشر العلم والثقافة"

يتساءل العلاونة بحسرة: "هل كرمناهم بما هم أهل له؟ هل تحمل مدرسة جزائرية اليوم اسمَ واحدٍ من هؤلاء؟".

ويكمل العم عباس حكايته مع الكتاب، التي بدأت منذ الطفولة، يقول: "التحقت بالمدرسة عام 1964. وكان معلمي الأستاذ كازو يعمل على جعلي أحب القراءة من خلال جعلي أحبه هو شخصيا؛ كان ودودا وطيبا. وفي مقابل اعتماد الأب الجزائري سياسة الضرب في دفع ولده للاجتهاد في الدراسة، كانت سياسة معلمي الفرنسي في ذلك تقوم على اللين والمودة".

القراءة.. شغف وحب وصراع

يقول العم عباس إن شغفه بالكتاب ارتبط بشظف العيش؛ كان مطالبا بأن يخصِّص وقتاً وجهداً لمساعدة أسرته، التي كانت ترى في إقباله على قراءة الكتب إهداراً لوقت وجهد كان قادراً على أن يستغلهما في مساعدتها على توفير حاجياتها، "فكان ذلك بداية لانخراطي في الصراع من أجل الكتاب".

"في مقابل اعتماد الأب الجزائري سياسة الضرب في دفع ولده للاجتهاد في الدراسة، كانت سياسة معلمي الفرنسي في ذلك تقوم على اللين والمودة"

ذكّرتُ العم عباس بمقولة الروائي الأمريكي هنري ميللر: "إنّ أوّل شيء أربطه بقراءة الكتب هو الصّراع، الذّي خضته من أجل الحصول عليها". ولكن عباس، بحسب روايته عن تجربته وأبناء جيله مع القراءة الحرّة، لم يجد صعوبة في الحصول على الكتب، فقد كانت متوفّرة في الشارع الجزائري، خلال العقود الثلاثة التي تلت الاستقلال، وبأسعار زهيدة جداً، على العكس اليوم تماماً، إذ كانت معظم منشورات دار "الجيل"، ودار "الآداب" اللبنانيتين، ودار "التقدم" الروسية، ودار "غاليمار" الفرنسية، و"المؤسسة الوطنية للكتاب" في متناول الجميع بالمكتبات وعلى الأرصفة، "وإنما كنت أجد صعوبة في التوفيق بين القراءة والالتزامات العائلية".

استمر هاجس التوفيق هذا، بعد أن التحق عباس العلاونة بالخدمة العسكرية الإجبارية ما بين عامي 1982 و1984. "إذ لم يكن المشرفون على الثكنة الجزائرية يومها مثقفين ومتعلمين، مثلما هو عليه الحال اليوم، فقد كان معظمهم يستمدون شرعيتهم من مشاركتهم في ثورة التحرير، من دون أية خلفية معرفية وثقافية تذكر، فكانوا يرون في رؤيتهم لي أحمل كتابا، حتى وإن كان ذلك خارج فترة الخدمة، سلوكاً منافياً لصفة العسكري، فكنت أتحايل من أجل افتكاك وقت أقرأ فيه".

عسكريو الجزائر: الرشّاش بدلا من الكتاب

ظللت أسأل نفسي، يقول عباس، عن السبب الذي جعل المسؤولين المدنيين والعسكريين، بعد الاستقلال الوطني، أقل ثقافة وشغفا بالكتاب، مقارنة برجال الحركة الوطنية وثورة التحرير. فقد كان هؤلاء مثقفون من طراز رفيع.

الأمير عبد القادر الموصوف بمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، ومصالي الحاج الموصوف بأب الحركة الوطنية، والعربي بن مهيدي الموصوف بمهندس الثورة التحريرية، كلهم مثقفون، وكنت أقول: لماذا تحمل تماثيل هؤلاء سيفا أو رشاشا ولا تحمل كتابا؟!

سألته عن خلفية ذلك في رأيه، فعدّل نظارته وقبعته الأنيقتين، فهو يحرص على مظهره يوميا، لأنه يعتقد أن ذلك يساهم في جذب الناس للكتاب، ويرفض أن ترتبط صورة بائع الكتب بغير الأناقة، وأجاب: "كل من حكموا البلاد بعد الاستقلال كانوا ذوي خلفية عسكرية صرف، فكانوا يرون في الشرعية المعرفية للمثقف منافسة لشرعيتهم التاريخية، فاستبعدوا الجوانب الثقافية في الشخصيات الثورية وركزوا على جوانبها الحربية".

"كل من حكموا الجزائر بعد الاستقلال كانوا ذوي خلفية عسكرية صرف، فكانوا يرون في الشرعية المعرفية للمثقف منافسة لشرعيتهم التاريخية، فاستبعدوا الجوانب الثقافية في الشخصيات الثورية وركزوا على جوانبها الحربية".

هذا ما أدى باعتماد السياسات النظامية، حسب العم عباس، إلى "الاستثمار في الجدران" عوضا عن "الاستثمار في الإنسان"، فكان ذلك مقدمة لاستثمار الحركات الإسلامية في الشارع الجزائري، الذي سلّم نفسه لها، خلال أول انتخابات حرة مطلع تسعينيات القرن العشرين، فكان ذلك مدخلا لعشرية من الدمع والدموع.

مقاومة الإرهاب بالكتاب

اشتغل العم عباس حلّاقاً، خلال الفترة التي تلت نهاية خدمته العسكريّة الإجباريّة، فكان يستقبل الرجال والنساء معاً في محلّه. يقول: "كانت سنوات الثمانينيات من القرن العشرين تمثّل ازدهار تفتّح الجزائريين على أنماط العيش المعاصر، فلم تكن المرأة تجد حرجاً في انتظار دورها في محلّي إلى جانب الرجل، وكنت أستغلُّ حالات انتظار الزبونات والزبائن، فأنشر ثقافة القراءة بينهم، بوضع كتبٍ ومجلّاتٍ فوق الطاولات، حتى أن بعضهم كان يستعير مني الكتاب الذي قرأ منه شيئاً أثناء انتظار دوره ليكمله في بيته".

غير أن "التفتّح الاجتماعي"، الذي أشار إليه "راهب الكتب" تبخّر باكتساح "الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ" لمفاصل الشارع الجزائري، قبل أن تتدخّل مؤسّسة الجيش وتوقف المسار الانتخابي يوم 11 يناير من عام 1992، ليكون ذلك مقدّمةً لحربٍ أهليّةٍ كان طرفيها الجيش النظامي والجماعات المسلحة.

يقول العم عباس: "رأيت أن المثقّفين والفنّانين والجامعيين كانوا في طليعة الشرائح التي تتعرّض لاغتيال الجماعات المسلّحة، ومن بين الوجوه التي اغتيلت في تلك الفترة، المسرحيّان عبد القادر علولة وعز الدين مجوبي، والمفكّر بختي بن عودة، والأكاديمي جيلالي اليابس، والداعية محمد بوسليماني، والصحفي إسماعيل يفصح، والمغني الشاب حسني، والقاصّ عمار بلحسن، والروائي الطاهر جاوت، والشاعر يوسف سبتي، فكانت مقاومة هذا الوضع مهمّةً وطنيّةً وحضاريّةً ووجوديّة".

من هنا قرّرت عام 1993، يقول محدّث "رصيف 22"، أن أنسف تشدّق الجماعات الإرهابيّة بنجاحها في دفع المثقفين إلى الاختباء، فخرجت بنخبةٍ من الكتب المستعملة، قبالة الملعب البلدي، في مدينة برج بوعريريج (200 كيلومتر إلى الشرق من الجزائر العاصمة)، ثم دخلت بها إلى السوق الشعبي، فكان ذلك تحدياً صارخاً مني في ذلك السياق، خاصّةً أن الكتب المعروضة كانت ذات توجّهٍ حداثي وأدبي وفكري، مناقضٍ تماماً لخطاب الجماعات الإسلاميّة التي لا تتبنّى العنف، فما بالك بالتي تتبنّاه.

كان معرّضاً للموت وللشمس وللريح والمطر والغبار واستهزاء البعض، لكنه كان يخرج يوميّاً حاملاً حقائبه المحمّلة بالكتب، التي منها كتب بعض من اغتيلوا. هو الذي كان قادراً على أن يشتغل حلّاقاً بحكم الخبرة والممارسة، أو كاتباً إدارياً، بحكم حصوله على شهادة في هذا التخصّص عام 1978. ولم تكن قلّة الإقبال على سلعته، إذ يحدث ألا يبيع كتاباً واحداً في اليوم، تؤثّر في عزيمته، إذ أنه لم يكن تاجراً بل مناضلاً، تكفيه رمزيّة مشهد الكتب في شارعٍ تمّت برمجته على الموت والرصاص.

حسرة وفرحة

يحصل العم عباس على الكتب تبرّعاً أحياناً وشراءً أحياناً أخرى. ويشير في هذا الباب إلى جملة من السلوكيّات المتعلّقة بفعل القراءة في الفضاء الجزائري الجديد، يقول إن المؤسّسات المعنيّة بالكتاب في الجزائر لا تملك وعياً بطلبها من أمثاله، "هل يعقل ألا يتقرّب "المرصد الوطني للكتاب" من بائع كتبٍ احتكَّ بالقرّاء على مدار ربع قرن، حتى أن صداقاته باتت محصورةً في زبائنه؟".

من بين تلك السلوكيّات أن خزانة الكتب في البيت الجزائري باتت في طليعة الأغراض التي يتخلّص منها الجزائري، سواء في حالة ضيق البيت أو في حالة الانتقال إلى بيتٍ جديد، بسبب رحيل بعض وجوه الجيل المولع بالقراءة أو تراجع سلطة من بقي حيّاً منها داخل الأسرة. "صحيح أن هذا المعطى في صالحي، لأن تلك الكتب تؤول إليّ، لكنه يحزنني أكثر مما يفرحني بصفته مؤشراً على تراجع فعل القراءة داخل البيت الجزائري". يسأل: "هل سبق لك أن شاهدت كتباً في مشهدٍ من مسلسلٍ تلفزيوني جزائري؟".

غير أن العم عباس نسي حسرته على تراجع شغف الجزائريين بالقراءة، بمنحه قبل شهرين محلاً أنيقاً داخل حديقةٍ عموميّةٍ من طرف والي ولاية "برج بوعريريج"، بعد أن انتظر ذلك خمسة وعشرين عاماً. يقول: "لولا تقدّمي في السن لفضّلت البقاء في الأرصفة، حتى تبقى كتبي في الهواء الطلق، وفي متناول أكبر عدد من العيون". ويختم بالقول: "لو أعطوني عشر ما يعطونه لمؤسّسات تعنى بنشر ثقافة القراءة، من غير أن تحقّق في ذلك نجاحاً يذكر، لحققتُ فتوحاتٍ كبيرةً، لكن صدق المثل الشعبي القائل إن الحظَّ يمنح اللحم لمن لا يملك أسناناً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard