في "الصويرة"، مغاربة وأوروبيون يُسحَرون بموسيقى "كناوة"

الثلاثاء 25 يونيو 201909:35 م

رغم موجات التديّن الفقهي القادمة من الخليج العربي والتي تُحرِّم الطقوس السحرية، وأخرى باردة قادمة من أوروبا تصفها بالخرافة، وتضعها في إطار "فولكلوري"، إلا أن موسيقى "كناوة" لاتزال تحتفظ بأساطيرها القديمة، وروائح ونكهات نشأتها الخرافية.

مدينة الصويرة المغربية المطلّة على المحيط الأطلنطي هي حاضنة لتلك الموسيقى، وقد استضافت "مهرجان كناوة" الذي نُظِّم ما بين 20 و23 من يونيو/ حزيران، لجمهورٍ كبيرٍ من مختلف المدن والقرى المغربية، ومعهم آلاف الزوّار من دول أوروبا وأمريكا، ورغم اختلاف لغاتهم وطرق تفكيرهم يجمعهم حبّ موسيقى "كناوة".

وجاء ذلك ضمن فعاليات مهرجان "كناوة ... موسيقى العالم"، التي تحتفي بموسيقى ذات حساسيّةٍ خاصّة، وبصوت مأساة أفريقيّة حملها سود البشرة الأفريقيون جنوب الصحراء، في رحلتهم إلى المغرب.

من بين أنواع الموسيقى المغربيّة تعكس "كناوة" الروح المغربيّة بامتياز، فهي منفتحةٌ على أشكالٍ غربيّة، وتحمل معها جذور مرحلةٍ تاريخيّةٍ كانت البلاد فيها مزدهرة، وكذلك تجسّد إيمان البعض في الكرامات والسِّحر.

موسيقى سحرية: رقص وإغماءات

ارتبطت موسيقى "كناوة" بالكثير من الأساطير المتعلّقة بالجنِّ والأشباح، وكانت تستخدم لاستخراج الجنِّ والأرواح من الجسد، وعادة ما يلاحق هذه الموسيقى إغماءاتٌ فرديّةٌ وجماعيّة أثناء الرقص، يفسرها موسيقيون بأنها حالة سامية من التناغم والانسجام يساء تفسيرها.

تصل الأمور أحياناً إلى موقف متطرف ببعض "المريدين" أثناء إحيائهم ما يُسمّى بـ"الليلة"، أو "الحضرة" أو "الزار"، إلى حدِّ ضرب أجسادهم بأدواتٍ حادّةٍ، أو المشي فوق شظايا الزجاج المتكسّر، وتشير أسطورة إلى أن هذه الحالة دليلٌ على وصول المريد إلى أقصى درجات الانسجام مع الموسيقى والطقوس، وانتقاله إلى بُعْدٍ آخر من العالم.

تقول فاطمة بالعامر (29 سنة)، إحدى عاشقات موسيقى كناوة، والمواظبات على حضور ليالي "كناوة" لرصيف22، إنها دأبت على إحياء الليلة احتفاءً بموسيقى كناوة بمدينة الصويرة، لأن هذه الموسيقى، بحسب فاطمة، تسافر بها إلى عوالم أخرى، غير مرئيّة.

وتحكي مليكة الودغيري، (35سنة)، لرصيف22، قصّتها مع ليالي "الحضرة الكناويّة" حيث تقول: "من يعاني من مرضٍ روحي يتعلّق بعالم الجنِّ، فعليه بموسيقى كناوة"، وتبرّر زعمها بأنها كانت تعاني في فترة ما من اكتئابٍ حادٍّ لدرجة أنها كانت منفصلة عن الواقع، وقيل لها في يوم من الأيام بأنها مسكونةٌ بإحدى ملوك الجنِّ، فتمَّ نصحها بتقديم "الذبيحة" على شرف ملك الجنِّ الذي يسكنها بأمر من "العريفة"، وهي المرأة التي يقال بأنها تتوسّط لدى الجنّ، من أجل تخليصها من الجنّ الذي يسكنها، والذي تقول مليكة إنه تسبّب لها في مجموعة من المشاكل الاجتماعيّة.

آلة "الغمبري" تنقلك إلى "عالم آخر"

 "سُمّيت كناوة بموسيقى الأرواح أو موسيقى الحال، لأنها عبارة عن طقوسٍ ثابتةٍ يختلط فيها ما هو تعبير عن آلامٍ واقعيّةٍ كآلام سود البشرة واشتياقهم إلى أوطانهم الأصليّة، وكذلك لوجود طقوسٍ ثابتةٍ يتداخل فيها الدّينُ بالخرافة"، بحسب عبد العالي نقري، الأستاذ الباحث في فلسفة الجمال.

تعكس  موسيقى "كناوة" الروح المغربيّة ، منفتحةٌ على أشكالٍ غربيّة، وتحمل معها جذور مرحلةٍ تاريخيّةٍ كانت البلاد فيها مزدهرة، وكذلك تجسّد إيمان البعض في الكرامات والسِّحر.

ويرى نقري، أن طقوس الليلة "الكناويّة" منقسمة إلى ليلتين، ليلة كناويّة بموسيقى عاديّة خاصّة بعشّاق هذه الموسيقى، و ليلة ثانية خاصّة بما يسمى "الاستشفاء"، حيث يأتي المريض في ليلته بما يسمّى "الذبيحة"، والمقصود بها القربان، وكذلك البخور و الشمع الأحمر، و يرقص على أنغام وكلمات معيّنة مثل، "عيشة يا عيشة يا لالة.. ياك المعبود الله لالة عيشة .."، إلخ، حتى ينتشي ويصل إلى درجة توصف بـ"الجذب"، فيُقال بأنه قد شفي من سقمه".

ويضيف نقري بأنها تنعت بموسيقى ملوك الجنّ، لما تعرفه من طقوسٍ غريبة، منها استخدام بخورٍ معيّن برائحةٍ معيّنة. وعند ما يسمّى بدايةً "بفتوح الرحبة" يلبسون الأبيض وعند غناء "ميمون" يلبسون لباساً معيّناً، و هكذا دواليك، يبدؤون بالغناء على شكل مناجاةٍ و استحضارٍ لبعض أسماء الجنِّ توسّلاً، كأغنية "عويشة" المقصود بها "عيشة قنديشة"، واستحضار طقس "الذبيحة" أيضاً، وإراقة الدم إرضاءً لـ"الجواد" المقصود بهم الأرواح.

اختار المهدي قموم،  آلة "الغمبري" للعزف في مقطوعات تنتمي لموسيقى "الكناوة"، ويحكي لرصيف22 أن اختياره لهذا النوع من الموسيقى، لم يكن عن قصد، بل جاء اعتباطاً. وقيَّم "الغمبري" باعتبارها من أهم الآلات التي تستخدم للعزف في موسيقى "كناوة".

ويفسّر قموم، الموسيقي والباحث، علاقة "كناوة" بتلك الطقوس الخرافية التي تنافي العقل في العصر الحديث: "إن ارتباط هذا النوع من الموسيقى بالسحر ليس مقتصراً على المغرب والمغاربة، فقبل أن تدخلَ المغربَ كان يستعملها البدوُ الأفارقة،  وهم أبرز ممارسي السِّحر في أفريقيا، وعند مجيئهم إلى المغرب وجدوا ضالّتهم عند بعض المشعوذين، وتمت المصاهرة فيما بينهم، وهذا لا ينطبق على كناوة، بل يشمل أيضاً موسيقى "عيساوة"، و" حمادشة"، وغيرها من الموسيقى التي تندرج ضمن موسيقى الحال والموسيقى الروحانية".

"سمّيت "كناوة" بموسيقى الحال أو الأرواح، لتداخل التعبير عن الواقع، آلام غربة الأفارقة وحنينهم إلى أوطانهم، والتعبير عن الأساطير الممزوجة بالدين".

ويضيف قموم أن آلة " الغمبري" هي في الأصل معروفة عالمياً بأنها آلة تغوص في دواخل الإنسان بسبب إيقاعاتها القوية، وتدفع مستمعيها إلى "الجذبة". و"الجذبة" في حد ذاتها هي حركات تفاعل، تكون مصحوبة بإيقاعات صاخبة، يرافقها تصفيق شديد، تأخذ المتفاعل معها إلى أقصى درجة من درجات الانسجام مع الموسيقى، وبالتالي انتقاله إلى البعد الآخر من هذا العالم.

أصل الموسيقى

تاريخياً، يرى البعض أن أصل تسمية "غناوة" أو "كناوة" أمازيغيٌّ، وهو "أكناو" أو "كناوية"، وتعني أرض الرجل الأسود، وهي تسمية يطلقها خصوصاً أهلُ الجزائر ومناطق جنوب ليبيا على أراضي أفريقيا.

فيما يرى آخرون أن أصل التسمية يعود إلى مدينة دجيني، في المنطقة الجنوبيّة التي يُطلق عليها الأوروبيون، خصوصاً البرتغاليّون، اسم "غينيا".

يقول علال أخروب، أحد عازفي موسيقى كناوة، ومدير مهرجان "كناوة أكادير"، والذي يسمّى بالدارجة المغربيّة "المقدّم" أو "المعلم": "إن العبيد أو أسرى الحرب، جيء بهم إلى المغرب في القرن الـ16، في زمن الحروب وتجارة العبيد. انتشر هؤلاء الأشخاص في أرض المغرب. تزوّجوا، واختلطوا بباقي المغاربة، وأنجبوا أطفالاً،  وتكاثروا. هؤلاء الأشخاص تمسّكوا بتقاليدهم وحنينهم إلى أرض الأجداد، وألّفوا الموسيقى التي يطلق عليها موسيقى (كناوة)".

وتبقى مدينة "موغادور" الصويرة، عنواناً لموسيقى الكناوة بالمغرب، ومهد تطوّرها بعدما كانت حبيسة الزوايا، والمقصد الأول للموسيقيين البارزين، الذين رغبوا في توظيف الإيقاعات الكناويّة ودمجِها في مقطوعات أخرى، بهدف إعطاء انتعاشٍ جديدٍ لهذا الفنّ الأفريقي، بعد أن ظلَّ مجاله محصوراً في طقوس شعبية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard