"نادي الفضاء العربي"... عيون إسرائيل على قدرات العرب الفضائية

الجمعة 14 يونيو 201906:01 م

تأمل إسرائيل إلى حد كبير في استغلال تقدمها في مجال الفضاء، للتعاون مع دول عربية خطت خلال السنوات الماضية خطوات كبيرة نسبياً فيه، لا سيما الإمارات والسعودية، خاصة أن الدولة العبرية تمتلك القدرة على إطلاق وتشغيل الأقمار الصناعية بشكل مستقل، وهو ما يفتقر إليه العرب، ويتعاونون من أجله مع دول أجنبية.

هذا ما أشار إليه معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، في ورقة بحثية منشورة بتاريخ 12 يونيو، أعدها الباحث يؤال غوزانسكي، وتناولت مساعي الإمارات والسعودية ودول عربية أخرى لغزو الفضاء تحت عنوان "نادي الفضاء العربي".

إلى نص المقال:

سرّع عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة عمليات البحث والتطوير والتعاون في مجال الفضاء، بهدف تأسيس بنية أساسية تكنولوجية-علمية مستقلة. الجهد الرئيسي في هذا المجال تقوده الإمارات والسعودية، إذ تستغلان مواردهما الاقتصادية الجيدة في مجالات بحثية وتجارية وعسكرية أيضاً.

في الدول العربية، لا تزال البنية العلمية-البشرية للبحث والتطوير في مجال الفضاء ناقصة، لكن يتم بناؤها. وفي حين لا تزال تنقصها القدرة على الإطلاق بشكل مستقل، يمكن ملاحظة رغبة للتطوير في هذا المجال.

ويشار إلى أن النصيب الأكبر من المشاريع الفضائية مخصص لأغراض اقتصادية وعلمية ويعبّر عن رغبة في العظمة والمكانة.

رغبة الدول العربية في السير على طريق التقدم، في حد ذاتها، لا يُفترض أن تقلق إسرائيل. على العكس تماماً، إذ يمكن أن تشكل بعض المشاريع العربية المدنية في مجال أبحاث الفضاء أرضاً خصبة للتعاون مع إسرائيل. مع ذلك يُنظر إلى الفضاء في المجال العربي بشكل متزايد من خلال المنظور الأمني، الأمر الذي يمكن على المدى الطويل أن يشكل تحدياً لإسرائيل.

أثارت مركبة الفضاء الإسرائيلية "بيريشيت" (تعني "البدء"، نسبة إلى أول أسفار التوراة الذي يترجم عربياً بـ"التكوين"، وتحطمت في أول هبوط لها على سطح القمر في 11 أبريل 2019) اهتماماً في العالم العربي، إلى جانب الشماتة بتحطمها على سطح القمر، وأشار كتاب عرب إلى ضرورة "صحوة عربية" في المجال العلمي-التكنولوجي من أجل التعلم من إسرائيل، سعياً إلى مواكبة تطورها.

قبل ذلك، خلال السنوات الأخيرة، سرّع عدد من الدول العربية عمليات البحث والتطوير في مجال الفضاء بهدف إقامة بنية تحتية تكنولوجية-علمية مستقلة. برزت على وجه الخصوص جهود الإمارات والسعودية اللتين تستغلان مواردهما الاقتصادية للتطوير في هذه المجالات لأغراض بحثية وتجارية وكذلك عسكرية.

يرتبط الحافز الرئيسي لهذا الزخم باعتبارات الهيبة والمكانة، لكن أيضاً يتضمن الإدراك بأن أبحاث الفضاء تُستخدم أيضاً كـ"قاطرة تكنولوجية" تسحب خلفها صناعات ومجالات معرفية كثيرة. ويرتبط الأمر برغبة دول عربية في تنويع مصادر دخلها (وبالنسبة إلى دول الخليج، تقليل اعتمادها على النفط ومنتجاته) وتطوير اقتصاد ومجتمع عصريين.

تسهم الطفرة في عدد الشركات الغربية الخاصة العاملة في المجال أيضاً في اهتمام جيران إسرائيل بالمزايا التي قد يمنحها لهم الفضاء.

الإمارات

يُعدّ البرنامج الفضائي الإماراتي الأوسع والأكثر طموحاً بين برامج الدول العربية. وتعتزم الإمارات أن تصبح مركزاً رئيسياً (Hub) في المجال. الدولة الفدرالية التي استثمرت في المجال نحو ستة مليارات دولار أطلقت بالفعل عدداً من الأقمار الصناعية إلى الفضاء، بعضها تم تطويره بشكل مستقل، وتقيم بنى أساسية وتدرب العلماء، عن طريق فروع الجامعات الدولية العاملة في المجال.

عام 2019، نشرت الإمارات "الاستراتيجية الوطنية للفضاء 2030"، التي تتضمن 21 مشروعاً بمشاركة 85 جهة، وتخضع حالياً لوكالة الفضاء الوطنية. ومن المقرر أن يصل مسبار "الأمل" الذي ستطلقه الإمارات من اليابان لدراسة الغلاف الجوي إلى المريخ عام 2021، تزامناً مع الاحتفالات بمرور 50 عاماً على تأسيس الدولة. وفي سبتمبر المقبل، من المخطط إرسال أول رائد فضاء إماراتي إلى محطة الفضاء الدولية (ISS) من خلال صاروخ روسي. كذلك تقيم الإمارات الآن داخل أراضيها "مدينة فضائية" يفترض أن تحاكي الحياة على المريخ.

ترتبط الإمارات باتفاقيات تعاون في المجال الفضائي مع شركات أجنبية ودمجت بنجاح شركات خاصة في رؤيتها الطموحة. عام 2018، شهدت اليابان إطلاق القمر الصناعي "خليفة سات"، وهو الأول الذي يتم تطويره وتصنيعه في الإمارات، ويبث إلى محطة أرضية في دبي صوراً بدقة تصل إلى 0.7 متراً لأغراض مختلفة، من بينها التخطيط الحضري والبيئي.

وعام 2019، تم تعميق التعاون بين الإمارات وشركة Virgin Galactic (حصلت الإمارات على حصة معتبرة من أسهم الشركة الرائدة في السياحة الفضائية)، لتعزيز أنشطة سياحة الفضاء من أراضيها.

وإلى جانب الأنشطة البحثية والتجارية، اشترت الإمارات من شركات فرنسية قمرين صناعيين متطورين (Falcon Eye) لأغراض عسكرية بقيمة مليار دولار. القمران اللذان يفترض أن يطلق أولهما في يوليو 2019، سيوفران صوراً فضائية بدقة تبلغ 0.7 متراً، وذلك بعد تأخير طويل سببه، من بين أمور أخرى، صعوبات أثارتها الولايات المتحدة حول تنفيذ الصفقة.

السعودية

في ديسمبر 2018، تأسست الهيئة السعودية للفضاء، ويترأسها (بدرجة وزير) ابن الملك، سلطان بن سلمان آل سعود، والذي كان عام 1985 أول رائد فضاء عربي ومسلم يشارك في رحلة على متن المكوك ديسكفري. خصصت للهيئة المسؤولة عن تركيز النشاطات وصياغة السياسات (المتعلقة بالفضاء)، ميزانية أولية تجاوزت المليار دولار للعام الأول من عملها.

ويتركز البحث والتطوير الفضائي في المملكة في "مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية" (KACST) ويعمل في إطارها "المركز الوطني لتقنية الاستشعار عن بعد". علاوة على ذلك تقيم السعودية مركزاً لأبحاث الفضاء بالتعاون مع ناسا وجامعة ستانفورد.

السعودية ليست متقدمة في المجال مثل جارتها الإمارات. ولهذا السبب قررت الرياض إقامة بنية أساسية للبحث والتطوير وتصنيع الأقمار الصناعية بمساعدة خارجية. عام 2018، أُطلق من الصين قمران للاستطلاع (Sat 5A, Sat 5B) "تم تصنيعهما سعودياً". وتحدثت تقارير عن اتفاقات في المجال وقعت بين المملكة وكل من أوكرانيا وروسيا وكازاخستان، كما أنها تشارك في أبحاث صينية حول القمر.

كذلك أفيد بأن المملكة عقدت شراكة مع Digital Globe لتطوير أقمار صغيرة توفر صوراً فضائية بدقة 0.8 متراً، وتجري اتصالات مع فرنسا وروسيا حول شراء قمر صناعي لأغراض عسكرية. كما وافقت روسيا على تدريب وإرسال رائد فضاء سعودي إلى محطة الفضاء الدولية.

دول أخرى

استغلت دول عربية أخرى فتح سوق أقمار الاتصالات للاستخدام التجاري، واستفادت من المكانة التي تنطوي عليها حيازة التكنولوجيا المتقدمة، دون أن تكون لديها بنى أساسية علمية مستقلة وقدرة تكنولوجية لتطويرها.

"يرتبط الحافز الرئيسي للزخم العربي في مجال أبحاث الفضاء باعتبارات الهيبة والمكانة، لكن أيضاً يتضمن الإدراك بأن أبحاث الفضاء تُستخدم كقاطرة تكنولوجية تسحب خلفها صناعات ومجالات معرفية كثيرة"
"حتى الآن ركز العرب على شراء الأقمار الصناعية من مصادر أجنبية بهدف المساهمة في هيبة الدولة (والقائد) من خلال وضع العلم الوطني في الفضاء"... تحليل إسرائيلي لأثر برامج الدول العربية الفضائية على علاقاتها مع الدولة العبرية

منذ عام 1967، تأسست منظمة "عرب سات" تحت مظلة الجامعة العربية. المنظمة التي يقع مقرها في الرياض تشتري وتشغل أقمار اتصالات تستخدم أيضاً كمنصة للتأثير على الرأي العام في العالم العربي. أطلق القمر الأول عام 1985 والأخير "ArabSat 6A"، من إنتاج لوكهيد مارتين، في أبريل 2019.

وعام 2018، أطلق الأردن أول قمر صناعي مصغر (JY1) من إنتاجه إلى الفضاء، وأطلقت قطر قمرها الثاني للاتصالات "سهيل سات 2" من إنتاج ياباني إلى الفضاء، وأطلق المغرب قمراً صناعياً آخر لرصد الأرض باسم "محمد السادس-ب). كذلك، فإن مصر التي تستخدم الأقمار الصناعية لأغراض علمية وتجارية وعسكرية شرعت في إقامة وكالة فضاء وطنية وعمقت تعاونها في المجال مع روسيا والصين.

وبجانب الجهود الوطنية، لوحظت محاولة لتعزيز التعاون بين العرب في المجال. وبالفعل وقعت الإمارات على اتفاق تعاون مع البحرين ويحتمل أن توقع اتفاقاً مشابهاً مع السعودية. الإمارات هي أيضاً القوة الدافعة وراء مبادرة متجددة لتأسيس "مجموعة عربية للتعاون الفضائي"، تضم 11 دولة، انطلقت في مارس الماضي على هامش المؤتمر العالمي للفضاء الذي عقد فيها.

سيكون المشروع الأول للمجموعة، التي تهدف إلى تكثيف التعاون العلمي، هو بناء قمر صناعي لمراقبة المناخ يسمى "813"، بتمويل إماراتي.

والمجموعة هي الوسيلة لتقليل تكلفة التطوير الكبيرة في المجال واستخلاص المعرفة الموجودة لدى الدول الأعضاء فيها. مع ذلك، يشار إلى أن تجارب سابقة للتعاون العربي في الفضاء قد توقفت على خلفية شكوك متبادلة، وخلافات سياسية وترتيب مختلف للأولويات، يكشف أنماط التنافس والصراع على الهيبة في العالم العربي.

دلالات

بدأت الدول العربية بالاستثمار في مجال الفضاء للمساهمة في دفع الصناعة والاقتصاد، والعلوم والتكنولوجيا داخلها، وكمسعى للهيبة والمكانة. هي لا تريد التخلف عن إسرائيل وإيران المتقدمتين عليها في هذا المجال. حتى الآن ركز العرب على شراء الأقمار الصناعية من مصادر أجنبية بهدف المساهمة في هيبة الدولة (والقائد) من خلال وضع العلم الوطني في الفضاء. لكن من الممكن بالفعل ملاحظة الجهد المبذول لتطوير بنى أساسية مستقلة بمساعدة عناصر مختلفة، من بينها روسيا والصين، المستعدتين لنقل التقنيات كجزء من الصفقات.

مع ذلك، تطمح الدول العربية إلى تقليص الاعتماد على عناصر أجنبية. سيسمح لها التقدم في مجال الأقمار الصناعية بإقامة قنوات اتصال أكثر أماناً، والحصول على قمر صناعي يتيح لها رصد الأرض بمرونة عملياتية لا تسمح بها الأقمار التجارية، بسبب القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على دقة الصور الملتقطة لإسرائيل.

باستطاعة كل الدول تقريباً شراء منتجات الأقمار الصناعية لأغراض البحث والاتصال أو حتى لأغراض عسكرية. لا تزال الدول العربية تفتقر بشكل كبير إلى البنى الأساسية العلمية-البشرية. لكن هذا يتم بناؤه. كما تفتقر إلى القدرة على الإطلاق بشكل مستقل. لكن أيضاً في هذا المجال يمكن ملاحظة حوافز للمضي قدماً.

السعودية منخرطة على ما يبدو في تطوير منصة إطلاق بمساعدة أجنبية. وأُفيد بوجود موقع قرب الرياض لتصنيع صواريخ أرض أرض بدأ بناؤه عام 2013. وعلى غرار التطور النووي الإقليمي المتسارع، فإن التطور في مجال الأقمار الصناعية والفضاء يمكن أيضاً استخدامه بشكل مزدوج، سواء لأغراض مدنية-تجارية أو أمنية-عسكرية.

رغبة الدول العربية في المضي على طريق التقدم، في حد ذاتها، لا يفترض أن تقلق إسرائيل. بل على العكس تماماً. قد تكون بعض مشاريع أبحاث الفضاء العربية بمثابة أرض خصبة للتعاون مع إسرائيل. ستستفيد بعض دول الخليج من التعاون مع إسرائيل التي تمتلك قدرة مستقلة على إطلاق وتشغيل الأقمار الصناعية، وميزة بناء الأقمار الصغيرة والمتقدمة.

مع ذلك، ينظر إلى الفضاء في المجال العربي بشكل متزايد من خلال المنظور الأمني، الأمر الذي يمكن أن يشكل تحدياً لإسرائيل على المدى البعيد. وبالتالي يتعين على إسرائيل أن تدرس متى يمكن أن يشكل الدمج بين الدافع والموارد أي تهديد لها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard