البارات الشعبية في تونس... عوالم في فقاعات

الأربعاء 19 يونيو 201903:46 م

يقدّم رصيف22 هذه المادة ضمن شباب22 "You22"، وهي زمالة لمجموعة مميزة من طالبات/طلاب جامعات في لبنان وتونس والأردن، تمّ اختيارهم/نّ للمشاركة في برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحةٍ مشتركةٍ بتمويلٍ من الـEU، تشرف على تنفيذها CFI.


يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر أكتوبر 2019, في قسم "رود تريب" بـ"رصيف22" والمعنوَن: "بصحتك يا ساقي... بارات عربية لا بدّ من زيارتها".


محمد البوغديري

هنا حتى وأنت تحمل زجاجة البيرة وتصيح "يلعن أبو العالم يا صاح"، ويردّد من ورائك الآخرون هنا وهناك، أحدهم يقف احتراماً، الآخر يدير وجهه، الثالث يصفق، الرابع يرفع نشيد العلم، الخامس يقول: "بصحّتك"، السادس يتدرج المعنى وينقلب عليه لعدم فهمه ما يجري فيعاتب السابع لشدّه لحديثٍ أضاع عليه فهم هذا الغليان المفاجئ.

أما الثامن فنصف مهتمّ ونصف مستهزئ، وهكذا تتالى الأرقام في البارات الشعبيّة التونسيّة، فتغدو مشاعر و"طلعات" غريبة، ويصبح لك معنى في هذا المشهد، وبرغم هذا الكمّ الهائل من الشغب والأحاديث الدارجة حول أوضاع الوطن والحبيبات والتوجّهات العامّة، لا يخلو أيّ بار من نقاشٍ سياسي وتفاعلٍ حول قضية رأي، وتقاس درجة عمق الرأي بالعمق المستهلك من الزجاجات، حديث الكحول هذا ضمان الباثّ والمتلقّي على حدٍّ سواء، لقياس الجوّ العام من درجة النشوة، والنشوة هنا تصبح في أقصاها، حين تصير السياسة موضوع البار، ولا يهدأ النادل إلا بالاطمئنان أن أحدهم رفع النشيد الوطني ليردد من بعده البقية، كعنوان اتفاق على فضّ النقاش الحاد.

لايمكن أن أمرّ من هنا دون أن أقتطع من المشهد أشياءه الخصوصيّة التي يمتاز بها، الحبُّ هنا مفردة وطنيّة قديمة ستحسّها، يمكن أن يختلف التحليل من شخصٍ إلى آخر، لكنك ستحسّها، ستدرك ارتباط الجميع بها وكيف أن الحانات الشعبية أخذت من هذا المصدر كل الخيارات لتصبح بهكذا طريقة وبهكذا تاريخ.

لا يختلف اثنان أن لرائحة المكان مجالها الذي يفتح "نوستالجيا" باعتبار أن للجدران القديمة انعكاس على نفسية الزبائن، فالتذكير بكون الزبون جزءاً من حضارات هو بالضبط الذكاء التسويقي لهذه الحانات، هنا أنت مقاوم وطني، وأحد أفراد جيش هنيبعل، ومقاتل أمازيغي، وأحد أبناء الأحياء الشعبيّة الذين أحرقوا الإطارات المطاطيّة ضدّ نظام بن علي، كلّ هؤلاء في آنٍ واحد، باعتبار أن كلّ المراحل التاريخيّة تتجسّد في المعلقات الحائطيّة التي تملأ هذه الجدران التي تجعلك تعيش رحلة التاريخ.

ربما هو فقط تأثير البيرة سيحملك إلى هناك، لكن المعادلة الصعبة أنك لن تحسّ هذا إلا وسط هذا الجوّ العام، غالباً ما تجد صوراً لأماكن فرنسيّة وشعاراتٍ فرنسيّة، وحتى أن غالب أسماء هذه الحانات فرنسيّة، وهذا نتيجة بقايا الاستعمار الفرنسي لتونس وباعتبار أنهم من جعلوا هذه التجمّعات ممكنة في أماكن خاصة بها، ومن أدخلوا مفهوم "الكافيشانطا" كما هو متداول بالتونسيّة الدارجة، ومنعناها المقاهي الغنائيّة، إذا ترجمنا الكلمة وأرجعناها لأصلها، هذا التناقض الذي تحمله الجدران بين المعلّقات ينعكس على طريقة الأشخاص، بين أحاسيس التخلّي والانتماء، بين سبِّ الوضعيّة التي وصل إليها البلد وبين تشبّثهم بكونهم باقين هنا.

هنا أنت مقاوم وطني، وأحد أفراد جيش هنيبعل، ومقاتل أمازيغي، وأحد أبناء الأحياء الشعبيّة الذين أحرقوا الإطارات المطاطيّة ضدّ نظام بن علي، كلّ هؤلاء في آنٍ واحد، باعتبار أن كلّ المراحل التاريخيّة تتجسّد في المعلقات الحائطيّة التي تملأ جدران البارات التونسية

تحمل الحانات الشعبيّة تفاصيل تجعلك تحسّ المكان: أطعمتها الخاصة فتصبح الطاولات حالات وجودية من الألوان والروائح: عجوة تونسيّة، حمص وفول مطبوخان يضاف إليهما الكمون والملح، بسباس، جزر، كاكي، ولكلّ خمر طعامه، يقسم الأمر وفق درجة قوّة الكحول، وفق الحالة الوجدانيّة للفرد، وفق الشهوة التي تغلب أحياناً كلّ النقاشات

نوعية الزبائن غريبة وفريدة من نوعها أيضاً، فغالبهم كهول، الذين يريدون الحديث أكثر من الاستماع إلى الموسيقى، ويمكن أن يكون هذا السبب المباشر في كون جلّ الطاولات عبارة عن حلقات نقاش تطرح فيها كلّ مواضيع العالم، هنا تجد كلّ الشرائح الاجتماعيّة من البحارة والفلاحين والطلبة والعمال، كلّ من اختاروا التحليل وتقديم الآراء وطرح الموضوع من جانبهم الفريد، ستجدهم هنا، لتتحوّل النقاشات العاديّة إلى ملاحم أسطوريّة تصنع فيها المفاهيم وتقدّم فيها التحاليل التي تختلف عن السائد، لو حملت مدوّنة وجمعت الآراء لحصلت على شيءٍ فريدٍ من نوعه من الخروج عن القواعد في فهم ما يجري، يذكّرني هذا المشهد دائماً بمقولة إن الأشياء العظيمة تُبنى في جلسة سكر وليس على طاولة الطعام، هذا المقصود في كلّ شيء هنا، التفاصيل تجعلك أكثر راحة لتستعرض أن هناك المزيد دائماً من الإبداع، وأن هناك الكثير لتقوله بطريقتك.

مثل ما طرحته سابقاً من تفاصيل تجعلك تحسّ المكان، تحمل الحانات الشعبيّة أطعمتها الخاصة فتصبح الطاولات حالات وجودية من الألوان والروائح، عجوة تونسيّة، حمص وفول مطبوخان يضاف إليهما الكمون والملح، بسباس، جزر، كاكي، ولكلّ خمر طعامه، يقسم الأمر وفق درجة قوّة الكحول، وفق الحالة الوجدانيّة للفرد، وفق الشهوة التي تغلب أحياناً كلّ النقاشات، على رأي المثل "بطون جائعة، عقول لا تفكّر"، هذا الجوع هنا يصمت بالألوان لأن الأكل يصير فناً الشراب الأحمر مع اللحوم الحمراء، الشراب الأبيض مع اللحوم البيضاء، البيرة مع الفواكه الجافة والأشياء المملحة، ويصبح المطبخ التونسي فوق الطاولة، هؤلاء لا يكفّون عن جعلك منبهر بكلّ جزء من الحانة.

لن تمرّ من أي بار شعبي دون أن تجد مجموعةً تناقش على الأقل بعضاً من السوسيولوجيا وتحلّل تواطئ الحكومة وتكثف الشعارات

هذا التمهيد الشعبي وهذه الأرضيّة الخصبة مثّلت مجالاً لتواجد العديد من حركات التحرريّة في البارات، لن تمرّ من أي بار شعبي دون أن تجد مجموعةً تناقش على الأقل بعضاً من السوسيولوجيا وتحلّل تواطئ الحكومة وتكثف الشعارات، وتستغل الوقت المستقطع في المحادثة لأجل إحدى أغاني الشيخ أمام، أتذكّر أني كنت في المنتصف أحمل هاتفي الجوّال في إحدى المساءات التونسيّة حتى بدأت طاولة في آخر الرواق بالغناء "كلّ عين تعشق حليوة وإنت حلوة في كلّ عين" هنا ستتوقّف الكرة الأرضيّة لوهلةٍ عن الدوران وعليك أن تتجه نحوهم وتقيّم الأغنية، هذه البصمة تؤكّد كونك تحمل ضمنيّاً توجّهاتهم الموسيقيّة.

المسألة في زجاجات البيرة بداخل الحانات الشعبيّة ليس فقط أنها تجعل الإنسان سعيداً، هذا تبسيط مضلّل، الحقيقة أنها تجعله يعيد كلّ الأسئلة تجاه نفسه.

من هنا لا يمكن للمار سوى أن يلاحظ أن هذا التحليل البسيط لمشاكل عميقة تتجاوب مع متطلبات الواقع، رغماً عن أنف درجة تعقيد المسألة، أن ينطلق الحوار من "الأسوام شعلت النار" إلى أن ينتهي بتذكير سباق الحكومة مع الوقت، وعملية ربط الأحداث بجل الخيارات لا يمكن إلا أن تكون منهجيّة ولو لاواعيّة، يكفي أن تحسّ هنا وأن تكون صادقاً أياً كان رأيك، ثمّ أن البارات شهدت التجاوب مع أهم المراحل الاحتجاجيّة التي شهدتها البلاد على غرار "مانيش مسامح"، "فاش نستناو" وغيرها، حيث لا يمكن إلا أن تجد "لونيفار" أو "حانة باريس" أو "دار الصحفي" وغيرهم تعجّ بالشباب، يناقشون مالهم وما عليهم في الحراك، والأفق التي جعلت من صورهم تنتشر في كامل أنحاء البلاد، وطريقة التحدّث مع الصحفيين وغيرها مما يحيط بالحراك.

لا يمكن أن أمرّ دون أن أذكر أن تحضير المبادرات الوطنيّة على المستوى الطلابي والنقابي السياسي شهدت جانباً كبيراً منها في هذه الأماكن، هنا حيث تنضج الفكرة، تسقى وتكبر خارجاً، أما هنا فنقدّم لها من الروح ما يليق بأن تكون عظيمة، سلسة ومنتشية، كثير من تاريخ تونس في الثقافة البديلة والتجمّعات الطلابية على غرار "بيرسبيكتيف" و "الشعلة" وغيرها صيغت أولى أفكارها على إحدى الطاولات، هذا ما مهّد لنشأة حركات ثقافيّة متجدّدة من تجارب أدبيّة، فنّانين ومصوّرين فوتوغرافيين، سينمائيين ومسرحيين وغيرهم من صنّاع المحتوى في كل مجال.

الحانات الشعبيّة في شوارع تونس تجعلك تفهم أن لكلّ حدث أو لكلّ حوار استمراريّة، حتى وأنت تنتهي تعباً لا تكتفي وتريد دائماً المزيد، هنالك دائماً زجاجة أخرى تعجّ بالأفكار والأحداث والأحاسيس، ليصنعوا منها روحاً عامة، تجارب ومغامرات تقاوم الرتابة والعادي من كلّ صوب، جرّب أن تدخل فقط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard