ولكن ما هي حرية التعبير ولماذا علينا النضال من أجلها؟

الخميس 13 يونيو 201907:24 م

"إذا سُلبنا حريّة التعبير عن الرأي نصبح مثل الدابّة البكماء التي تُقاد إلى المسلخ" - جورج واشنطن

تُعتبر حريّة التعبير من الحريّات الجوهريّة في الحياة البشريّة، وحقّاً من الحقوق الأساسيّة للإنسان، وقد أكّدت على أهميّتها مختلف الاتفاقيّات الإقليميّة والدوليّة حول العالم، إذ تنصُّ المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أن "لكلِّ شخصٍ حقُّ التمتُّع بحرِّيّة الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقةٍ، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلةٍ ودونما اعتبارٍ للحدود".

إذا سُلبنا حريّة التعبير عن الرأي نصبح مثل الدابّة البكماء التي تُقاد إلى المسلخ

وبشكلٍ عام، يمكن تعريف حرية التعبير على أنها إعطاء الأشخاص المساحةَ اللازمةَ من الحريّة، للتعبير عن الأفكار التي تجول في رأسهم، وإبداء مواقفهم المختلفة، بالأسلوب الذي يرونه مناسباً لهم، دون أن يكونوا تابعين لأحدٍ، أو خائفين من أحدٍ، أو قلقين من أصحاب القوّة والنفوذ، وفي حين يختلف حجم النضال بين الأفراد الداعين لكسر القيود الاجتماعيّة، كالمطالبة بالزواج المدني والاعتراف بالمثليّة الجنسيّة، وبين الذين يعبّرون عن احتياجاتهم المعيشيّة، كالحقِّ في المأكل والمشرب والملبس...، إلا أن المبدأ هو نفسه: القدرة على رفع الصوت عالياً من دون إسكاتهم بالقوّة.

 

ركن من أركان الديمقراطية

لا يمكن الحديث عن حريّة التعبير من دون ربطها بمبدأ الديمقراطيّة، فهذا النوع من الحريّات يعتبر شرطاً أساسيّاً لبناء مجتمعٍ ديمقراطي، يسمح للأفراد بإبداء آرائهم بمختلف المواضيع الحياتيّة، ما يساهم بتحقيق النموّ الاجتماعي والاقتصادي المتكامل، وتفعيل النقاش العام ودعم الصحافة الحرّة والمستقلّة.

ولكن ما هو المحور الذي تدور في فلكه حريّة التعبير؟

إن حريّة التعبير تعمل على تعبيد كلِّ الطرق التي يمكن للمرء استخدامها للتعبير عن نفسه وقناعاته وأفكاره، بشفافيةٍ لامتناهية، وهي تقوم على مجموعةٍ من العناصر الأساسيّة التالية:

- حريّة الأفراد في اعتناق الآراء وتبنّيها دون أيِّ تدخّلٍ من أيِّة جهةٍ كانت.

- حريّة تلقّي الأخبار والأفكار المختلفة وإذاعتها، من خلال الوسائل المكتوبة أو المسموعة أو الوسائل الفنيّة.

- حريّة تناقل الأخبار والتعبير عن الآراء دون التقيّد بالحدود الجغرافيّة.

على سبيل المثال، تكرّس المجتمعات الديمقراطيّة مبدأ حريّة التعبير من خلال السماح للأفراد بكتابة التعليقات على المقالات الصحفيّة المنشورة، أو عرض إعلانٍ في أحد الشوارع، هذا وتتعهّد السلطة بعدم التعرّض للمواطنين في حال قرّروا النزول إلى الشارع سلميّاً، لرفع مطالبهم والدفاع عن حقوقهم.

مكوّنات حريّة التعبير

تشتمل حريّة التعبير على مجموعةٍ من المكوّنات الأساسيّة وهي: حريّة الرأي، حريّة الصحافة والإعلام، وحريّة المعلومات.

حريّة الرأي تعني حريّة الفرد في تكوين آرائه، والتعبير عنها، وبالتالي فإنه لا يحقّ لأحدٍ أو لأيّة جهةٍ التعرّضَ لصاحب الرأي وتعنيفه بسبب آرائه وأفكاره، وفق ما نصّت عليه المواثيق الإقليميّة والدوليّة المتعلّقة بحقوق الإنسان.

حريّة المعلومات تعني حقّ الفرد في نقل جميع أنواع المعلومات والأفكار من خلال مختلف وسائل التعبير والاتصالات، ودون مراعاةٍ للحدود الجغرافيّة أو أيّة حدودٍ أخرى، وتأتي المعلومات سواء كانت مكتوبة، مقروءة أو مسموعة، على شكل كلماتٍ وأرقامٍ ورموز.

حريّة الصحافة والإعلام تُعتبر من أهمِّ أشكال حريّة التعبير وأكثرها تأثيراً وقوّةً.

منذ نشأتها، شهدت حريّةُ الصحافة والإعلام الكثيرَ من التقلّبات وفق الظروف السياسيّة والاقتصاديّة، فبعد أن كان الإعلام "بوقاً" للسلطة وللأنظمة القمعيّة، تحوّل إلى "مرآةٍ شفّافةٍ" تعكس همومَ المجتمع، ولسان حال الشعوب التي ترفع صوتها عالياً للمطالبة بحقوقها، ومحاسبة المسؤولين، وانتقاد أعمال الطبقة الحاكمة.

المعرفة سلاحٌ قوي بيد الشعوب كونها ترفع مستوى ثقافتهم وتساهم في تطوّرهم كأفرادٍ متعطشين لكسر حاجز الخوف، والتغلّب على العوائق التي تجعلهم مجرّد "دمى" تحركّها أيادي الحكّام

وفي ظلِّ العالم الرقمي الذي نعيش في كنفه اليوم، أصبحت هناك فرصٌ متساويّة لجميع الناس، بغضِّ النظر عن دينهم، لونهم، جنسهم وطبقاتهم الاجتماعيّة، للحصول على المعلومات الضروريّة من أجل الوقوف في وجه الحكومات ومحاسبتها، وحتى الإطاحة بها.

ولكن هناك من يقف دوماً أمام هذا الدور السامي الذي تلعبه الصحافة مع الشعوب.

المعرفة سلاحٌ قوي بيد الشعوب كونها ترفع مستوى ثقافتهم وتساهم في تطوّرهم كأفرادٍ متعطشين لكسر حاجز الخوف، والتغلّب على العوائق التي تجعلهم مجرّد "دمى" تحركّها أيادي الحكّام.

هذا التعطش لاستعادة الحريّة المسلوبة يُربك الأنظمة الديكتاتوريّة التي تحاول إسكات الأفراد، عبر الترهيب والتهديد وزرع الخوف في النفوس، فما أن يقوم أحدٌ بالتعبير عن رأيٍ ما لا يُعجب السلطة، حتى تتحرّك هذه الأخيرة فوراً من خلال بعض "الأدوات" التابعة لها: مكتب مكافحة الجريمة الإلكترونيّة، النيابة العامّة التمييزيّة، وزارة العدل، المخابرات، "شعبة المعلومات"... هذا فضلاً عن الاستدعاءات إلى المخافر، حيث يُجبر المرء على توقيع تعهّدٍ يقضي بعدم التعرّض مجدّداً للشخصيّات السياسيّة والدينيّة، والطبقة الحاكمة التي تعتبر نفسها "منزّهةً عن الخطأ".

وعليه يبقى مصطلح "حريّة التعبير" مجرّد شعارٍ "رنّان" في دساتير بعض الدول العربيّة، تتغنّى به في المحافل الدوليّة، في حين أنها تخنق أصوات منتقديها، من خلال سلسلةٍ من الممارسات المجحفة، كاعتقال وتعذيب وقتل أشخاصٍ ذنبهم الوحيد أنهم آمنوا بحريّة التعبير، ومارسوا واحداً من حقوقهم البديهيّة، غافلين أن ذلك من شأنه إيقاظ "الوحش" الكامن في نفوس حكّامهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard