الحرب ضدّ داعش والفوقيّة البيضاء: هل نختلف عن بعضنا البعض في الحقيقة؟

الأربعاء 26 يونيو 201904:27 ص

لماذا يقارن بعض المفكّرين المستشرقين بين الغرب والعالم العربي من وجهة نظر صداميّة؟ ربما هناك عدّة أسبابٍ أوّلها: تاريخ السياسات الخارجيّة لأمريكا في العالم العربي.

فمنذ انهيار الإمبراطوريّة البريطانيّة بعد الحرب العالميّة الثانيّة، دبّرت الولايات المتحدة انقلابات عبر الشرق الأوسط (إسقاط محمد مصدق في إيران، 1953)، وتدّخلت بالغزو أو بالعمل الاستخباراتي في بلادٍ عربيّةٍ عديدة (ليبيا، لبنان، العراق، سوريا، إلخ)، وباعت أسلحةً كثيرة (أساساً للخليج)، وأدمنت النفط في المنطقة.

وثانيها، أن ظهور هجماتٍ إرهابيّةٍ إسلاميّةٍ متطرّفة وجماعاتٍ إرهابيّة أصبح ظاهرةً مُقلقة منذ سنين طويلة، خصوصاً بعد حوادث 11سبتمبر 2001، في مدينة نيويورك مؤخّراً. أشعل ظهور تنظيم داعش، الجماعة الإسلاميّة المتطرّفة في عام 2014، الحوارَ حول التطرّف الإسلامي والشرق الأوسط بشكلٍ عام في بلادي (للأفضل أو للأسوأ)، وكأن نظرية صمويل هنتغتون المشهورة، التي تزعم أن الإسلام له "حدود دموية" (مشيراً إلى أن البلاد المسلمة دائماً تحارب الحضارات المجاورة) وله نزوع إلى العنف مع الغرب، فعلاً صحيحة. وفي حقيقة الأمر، يؤمن 74% من الأمريكيين بأن داعش يمثّل أكبر تهديدٍ لأمريكا في العالم، بحسب استطلاع من مركز بيو للبحث في عام 2017. بالتأكيد سرق داعش انتباه أمريكا كما سرق وسلب الأرض في العراق وسوريا.

شيطنة الإسلام

ولكن هل يمكننا أن نلوم الأمريكان على خوفهم؟ داعش تنظيم مروّع للغاية ويطرح تهديداً أمنياً خطيراً للإنسانيّة.

ذبح داعش الآلاف عبر العالم، وارتكب الإبادة الجماعيّة والثقافيّة في الأراضي التي احتلّها، وألحق أضراراً ضخمةً بالبُنية التحتيّة في بلدين على الأقلّ، ومن ثمّ فإنه من المنطقي أن يقلق الشعب الأمريكي بسبب هذا الانحراف الفكري من قبل مسلمين، وقد يكون من المفيد هنا تذكّر أجواء ما بعد أحداث سبتمبر، حين كانت النظرة السلبيّة تجاه العرب والمسلمين التي يغذّيها الخوف وعدم المعرفة، هي الطاغية في الرأي العام الأمريكي. يرى مركز بيو للبحث في استطلاع آخر أن 48% من الأمريكيّين العاديّين يشعرون بالإيجابيّة تجاه المسلمين وأيضاً 35% من الأمريكيّين يشعرون بأن الإسلام يشجّع التطرّف ضمن أنصاره. ولكن هذا الشعور بأن الإسلام يشجّع الإرهاب هو نتيجة فهمٍ غير صحيح، وتناولٍ منقوصٍ للحقائق من المستشرقين.

ففي أوج سطوة داعش، اشترك بين 25,000 و30,000 مسلّحٍ مسلمٍ في قوّات التنظيم المتطرّف، بالمقارنة مع 1.8 مليار مسلم أركان العالم، وليس فقط في الشرق الأوسط. هكذا، بالرغم من طبيعة داعش المخيفة يشكّل الإرهابيّون الإسلاميّون من داعش تحديداً 0.0000167% من كلِّ المسلمين--قلّة ضئيلة- ومعظم البقية تدين داعش بالطبع.

يمكننا اعتبار عملية شيطنة الإسلام تعميماً، واختزالاً، وتبسيطاً لأن أفعال الأقليّة، مثل داعش، بدأت تبدو عالية الصوت كأنها مُمثّلة للأكثرية، وبالتالي فإن أفعال أغلبيّة المسلمين تبدو خفيضة الصوت. ولكن للأسف فالأمريكي لا يعقل الأمر بطريقةٍ أخرى. مع أن هذا الحال تحسّن بصورةٍ تدريجيّةٍ منذ 2014 بحسب المركز، فإنه من الواضح أن كتلةً كبيرةً من الأمريكيين لم تفقد الثقة بالمسلمين فحسب، بل يربطون المسلمين بالتطرّف كذلك. ولكن واقعيّاً، تقع طريقة التفكير هذه في مشاكلها المنطقيّة. تنقل إحصائيّات أخرى من بيو أن هناك أغلبيةً كبيرةً من بلادٍ مسلمة (تشمل لبنان، الأردن، فلسطين، وتركيا) تمتلك "وجهاتِ نظرٍ سلبيّة" حول داعش، مشيرةً إلى أنهم لا يدعمون داعش وبالعكس يعارضونه حتماً.

ويعزّز المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة هذه النتائج من بيو في بحثٍ آخر، وبالذات يقول إن 85% من الرأي العام العربي ضدّ تنظيم داعش. من البديهي أننا كأمريكيين لا نتفهّم الحال كلّه، وأن المسلمين ليسوا ببساطة متطرّفين، وهم مثلنا يريدون انتهاء التطرّف والإرهاب بشكلٍ عام. إذاً بالرغم من هذه التناقضات، لماذا يفكّر الأمريكيّون أن المسلمين هم المشكلة وليس التطرّف نفسه؟ وأيضاً، لماذا لا يركّزون بنفس القدر على شيطنة أعمال العنف ضدّ الروهينغا في ميانمار، أو الإرهاب المتصل بالمخدّرات في أمريكا اللاتينيّة؟ من الواضح القول إن الزيادة في الأعمال الإرهابيّة وانتشار أفكار داعش كذلك، يتحمّلان المسؤولية عن هذا الشعور، ولكن هناك شيئاً آخر يلعب دوراً أهمّ في أمريكا: ظاهرة "الفوقيّة البيضاء" ودعايتها وانتشارها خلال رئاسة ترامب.

هل أصبحت أمريكا  بيئةً سلبيةً للمسلمين؟

هذا يفتح ملفاً آخر: هل غيّرت رئاسة ترامب النسيج الاجتماعي الأمريكي ليصبح بيئةً سلبيةً للمسلمين؟ مع أن إدارة ترامب بكلِّ تأكيد لم تخلق العنصريّة أو كراهية الإسلام في بادئ الأمر، فإن من البديهي أن ترامب سمح بزيادة "الإسلاموفوبيا" من خلال سياساته. مثلاً فرض ترامب حظر السفر على المسلمين، ولم يندّد بصورةٍ فوريّةٍ أو قويّة بالمذبحة في كرايستشيرش. في الحقيقة، أوّلاً قابل ترامب الجريدة المحافظة المتشدّدة "بريتبارت" قبل يوم المذبحة وأشعل الجدل بالقول "أنا لي ناس أشدّاء ولكنهم لا يلعبون دوراً شديداً... حتى يصلون إلى مرحلةٍ ما - ثم قد يكون سيئاً، سيئاً جدّاً." ثم، بالرغم من القول إن ترامب حرّض على العنف بواسطة كلامه، غرّد برابطٍ للجريدة بريتبارت قبل عملية القتل حول مقابلته مع بريتبارت، ثمّ حذف التغريدة، ثمّ أدان المذبحة. فضلاً على ذلك، اعتبر السفّاحُ القاتل ترامب في بيانه الرسمي "رمز الهوية البيضاء المتجدّدة والهدف المشترك."

أيضا تنمّر ترامب على إلهان عمر، الممثّلة المسلمة من مينيسوتا في مجلس النوّاب الأمريكي، في تويتر.

وأنا أيضاً كأمريكي أستطيع أن أعلّق عن تجربتي الشخصيّة وما لاحظته في مونتانا - مسقط رأسي - وأمثلة الجهل اليوميّة فيها، قبل وخلال عصر ترامب. لو أمكن لأمريكي في مدينتي التفريق بين الأردن واليمن في خريطةٍ ما، لربطهم عادةً بالصور النمطيّة للمسلمين التي تفترض العلاقة بين الإسلام والإرهاب، اللحى، الجمال، الرمل، والنفط (وأنا أصبحت ضحية فخِّ طريقة التفكير هذه بصراحة، قبل أن أتعلّم اللغة العربيّة والثقافات المتعدّدة العربيّة الجميلة).

قد تنتشر هذه الأفكار على طريقة المزاح بين الأشخاص، ولكن هذه النكت تحمل ظلّاً عنصريّاً واضحاً. وفوق ذلك كلّه، أظهر بحث إضافي حديث من بيو في 2019 أن 65% من الأمريكيّين، بغضِّ النظر عن حزبهم، يؤمنون بأن من الشائع أكثر في أمريكا ترامب أن يعلن العنصريّون آراءهم العنصريّة، مثل تلك الصور النمطيّة أو حرفيّاً: الفوقيّة البيضاء. كما أن 56% من الأمريكيّين يقولون إن ترامب جعل العلاقات العرقيّة أسوأ.

أشار تقرير الجريدة الأمريكيّة بوليتيكو أن الزيادة في حوادث الدعاية العنصريّة في أمريكا بلغت نسبة 182% في 2017 وحدها، وارتفع عدد جماعات الكراهية والمنتسبين إليها ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 30% في نفس العام، وتنتمي معظم هذه الجماعات إلى الفئات التي تؤمن بشدّة بتفوّق البشرة البيضاء

وفيما يتعلّق برئاسة ترامب، تحوّل المجتمع حقيقةً تحوّلاً غير مسبوق. خير مثال على ذلك تقرير الجريدة الأمريكيّة بوليتيكو، أن الزيادة في حوادث الدعاية العنصريّة في أمريكا بلغت نسبة 182% في 2017 فقط، وارتفع عدد جماعات الكراهية والمنتسبين إليها ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 30% في نفس العام، وتنتمي معظم هذه الجماعات إلى الفئات التي تؤمن بشدّةٍ بتفوّق البشرة البيضاء. ولكن لماذا انتشرت العنصريّة خلال عصر ترامب؟ من الممكن أن يكون الجواب: كردِّ فعل على سياسات أوباما، أو على الهجرة نفسها، أو على الإرهاب بشكل عام. في كلِّ الأحوال، فقد انتشرت الفوقيّة البيضاء خلال رئاسة ترامب. إذا أخذنا كلَّ هذا في الاعتبار، ينبغي أن نعترف بأننا نتعامل مع ما يسمّيه محرّر النيويورك تايمز وجهات علي، بـ"داعش الأبيض": الأقليّة المتطرّفة ذات التاريخ الشنيع في أمريكا.

ما هو جوهر داعش الأبيض؟ لا يشير المصطلح "داعش الأبيض" إلى أشخاصٍ بيض عشوائيين، وإنما إلى المتطرّفين البيض الذين يؤمنون إيماناً عميقاً بتفوّقهم القومي على الآخرين. تمَّ إنشاء داعش الأبيض وجذوره منذ بداية الولايات المتحدة واعتمادها على العبوديّة السوداء (ومن ثم ظهور كوكلوكس كلان) وبالطبع كان هذا قبل ظهور داعش. كانت ومازالت مهمّة داعش الأبيض ترهيب الناس من غير أصحاب الجنسيّة البيضاء، مثل السود، واليهود، والمسلمين، وغيرهم. المهمّ هو انتشار داعش الأبيض كردّ فعلٍ على الهجرة المتزايدة في القرن العشرين في أمريكا، وعلى وجود أشخاص مختلفين تحدّوا الشخصية السائدة عندئذ. وكما يقول علي، توجد نفس العوامل والظروف في صياغة التطرّف (إمّا الفقر، الجهل، الأمية، الجمود الاقتصادي، أو التهميش الاجتماعي، إلخ) في كليهما: داعش وداعش الأبيض، ونفس الشيء في كلا المجتمعين، يؤدّي هذا إلى كابوس لذلك المجتمع: التطرّف. يجد المجنّدون الأيديولوجيّة التي تعطيهم إحساساً بالهدف في الحياة. ولذلك بعبارةٍ أخرى، تخبرنا مجزرة كرايستشيرش بشيء واضحٍ وضوح الشمس: نواجه كأمريكيين نفس المشكلة العالميّة التي تؤثّر على المسلمين والمسلمات.

على وجه الدقّة فإن داعش وأنصاره لا يمثّلون الإسلام السنّي، وبنفس المقياس فإن داعش الأبيض لا يمثّل كلَّ الأمريكيين، بل إن معظم الأمريكيّين يعارضونه. قد تبدو هذه حقيقة واضحة في الإعلام الأمريكي فيما يخصّ الأمريكيّين وموقفهم من داعش الأبيض، ولكن الأمر ملتبس لكثير من الأمريكيين حول داعش، بسبب تركيز الكثير من الكتّاب في أمريكا حول حقيقة أن مقاتلي داعش هم من السنّة، بدون إعطاء خلفيّةٍ توضّح سوء الفهم والتعميم المخلّ،َ الذي قد ينتج في الذهن الأمريكي بسبب هذا.

ما هو داعش الأبيض؟ لا يشيرالمصطلح "داعش الأبيض" إلى أشخاصٍ بيض عشوائيين، وإنما إلى المتطرّفين البيض الذين يؤمنون إيماناً عميقاً بتفوّقهم القومي على الآخرين.
انتشرت الفوقيّة البيضاء خلال رئاسة ترامب، و ينبغي أن نعترف بأننا نتعامل مع ما يسمّيه محرّر النيويورك تايمز وجهات علي بـ"داعش الأبيض": الأقلية المتطرّفة ذات التاريخ الشنيع في أمريكا.

 إن سقطنا في فخِّ النظر إلى العرب والغرب كخصمين حضاريّين لا يلتقيان، فإننا نكون كأننا نطرح أن داعش والفوقية البيضاء (داعش الأبيض) يمثّلان المسلمين والأمريكيين على التوالي، وبهذا سنحقّق ليس أهداف داعش فحسب، بل داعش الأبيض أيضاً: إشعال نار كرهٍ وعداءٍ قويين متبادلين.

كيف نقاوم من ينشرون الكراهية باسمنا؟

إن مهمّتي كشخص مثلكم في هذه الفئة الوسطيّة، استكشاف كيف نقوم نحن الذين في المنتصف (وأقصد المنتصف الذي يحتوي على أغلبيّة الأمريكيّين والمسلمين الذين لا يدعمون الإرهاب والتطرّف) بمقاومة من ينشرون الكراهية باسمنا؟ مع أنه يؤسفني أن أرى ارتفاع وجود مجموعات الكراهية في داعش الأبيض في أمريكا، فإنني أعلم أننا في صفوف المعارضة. يجدر بنا أن نقف موقفاً موحّداً من هذه المشكلة، لأن الفعل وردَّ الفعل يجعلانا ندفع الثمن.

سبب سوء التفاهم بيننا هو ضعف المعرفة عن الواقع في الشرق الأوسط. وحلُّ مشكلة سوء الفهم المتبادل يكمن في التعليم، والاعتراف بأن المقارنة بين "حضارة الإسلام" و "حضارة الغرب" من منظور صدام الحضارات المحتوم غير مفيدة، وإنما تخرّب أيَّ تقدّمٍ في هزيمة الداعشين.

أخشى أننا لو سقطنا في فخِّ النظر إلى العرب والغرب كخصمين حضاريين لا يلتقيان، فإننا نكون كمن يطرح أن داعش وداعش الأبيض يمثّلان المسلمين والأمريكيين على التوالي. وبهذا سنحقّق، ليس أهداف داعش فحسب، بل داعش الأبيض أيضاً: إشعال نار كرهٍ واستعداءٍ قويّين مشتركين. كما قال الشاعر أدونيس في كتابه "بؤس المدن وغبار التاريخ" فإن "الإرهاب لا يحارَب بالإرهاب"، وكذلك فإن الكره لا يحارَب بالكره، والتعميمات عن مجتمعاتنا تجعل الأمر عديم الجدوى.

وفي النهاية، كما قال ويليام صالتان في مقال على موقع Slate, محلّلاً العلاقة بين الدواعش والمتطرّفين البيض: لا يمكننا كعالم أن نحارب داعشاً واحداً بدون محاربة الآخر، فأفعال أحدهما ستشجّع أفعالاً مستقبليّةً للآخر. وأنظر إلى اعتداءات سريلانكا كدليلٍ على هذه الظاهرة الخطيرة.

كما أن عدم الفعل سيؤدّي إلى الاستقطاب والاستعداء أكثر، وذلك عمل غير مسؤول عن مستقبل مجتمعاتنا، ويشكّل بكلِّ تأكيد خطراً على مستقبل العالم كله.

بالتأكيد، كلا الداعشين يرغبان في تدمير ما نحتاج أكثر إليه في عالم اليوم: التراحم، التواصل الفعّال، التعليم، التفاهم المشترك، وتقبّل الاختلافات بين ثقافتينا، بالرغم من التصريحات والخزعبلات السياسّية من ترامب أو صمويل هنتغتون أو حتى أسامة بن لادن، أسألكم: هل كلّنا نختلف كثيراً عن بعضنا البعض في حربنا ضدّ التطرّف والارهاب في مجتمعاتنا؟ أنا أقول لا إطلاقاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard