الساروت.. البدويّ الذي ظُلم من الجميع وكانت البساطة بوصلته الوحيدة

الأربعاء 12 يونيو 201904:57 م

هو البدوي ابن حمص، والّذي تربّى في حيّ البياضة من أصول خارج حمص، كما سائر البدو، لهم عاداتهم الخاصّة ومفهوم خاصّ عن الحياة، كما أنّهم يتفهّمون جيداً سكّان المدن والحضر، لذلك نجدهم وفي سائر المدن يعيشون على الهامش بسلام.

فقد ظلّ خطابه شعبويّاً، وأناشيده في الساحات كما في المجالس الخاصّة لدى العشائر تحثّ على الصمود، وتبيّن بلغةٍ بسيطةٍ وصوت بدوي مبحوح بأنّ الظلم مدانٌ على صعيد ريفي وعشائري وديني بسيط.

عبد الباسط الساروت لم يكن لديه أيّ فكر سياسي واضح، ولا يملك من المرادفات الكثير لتخدمه في خطبه أمام الحشود، أو أمام الإعلام، أو حتى عندما كان يخرج مباشرة (عبر سكايب) مع اللجان في المعارضة خارج سوريا. فقد ظلّ خطابه شعبويّاً، وأناشيده في الساحات كما في المجالس الخاصّة لدى العشائر تحثّ على الصمود، وتبيّن بلغةٍ بسيطةٍ وصوت بدوي مبحوح بأنّ الظلم مدانٌ على صعيد ريفي وعشائري وديني بسيط.

كان من الواضح أنّ الساروت يعرف جيّداً أنّ الأمور معقّدة جدّاً على صعيد الثورة في كلّ سوريا، وهو الذي كان يناشد في أغانيه كلّ محافظة على حدة، بأن تهبّ للثورة بالترافق مع مواجهات حمص. وهو الغارق في الحصار والقصف، كان يلعب دور الرياضي الملتزم داخلياً، وهو يدرك بأنّ قيادات المعارضة (خصوصاً المتمركزين خارج سوريا) مفكّكة ومرهونة، فلعب دور الحارس البدوي المتحرّر من ربطات العنق والديبلوماسيّة، فكان دوره أن يرفع المعنويات في الساحات وداخل البيوت وعبر الإنترنت، ليقول إننا على الأرض، ونحن نقرّر ماذا نفعل، وللذين يريدون أن يفاوضوا باسمنا عليهم أن يمرّوا عبرنا. ويُسجَّل للساروت ورفاقه بهذا السلوك، حسّ ثوري صادق وبنّاء لم نعتد عليه في ثورات أيّامنا هذه.

لقد جذب الساروت بطريقته وتجربته كلّ المهتمّين بأحداث سوريا، فنرافقه في فيلم (عائد إلى حمص) في يوميّاته، يحفر الخنادق ويجهّز السلاح، ويهتمّ بالتفاصيل والمعنويات لكلّ فرد في المدينة بطريقة شعبيّة خالصة، وبذات الوقت، يحافظ على صورة النجم والخطيب المغنّي، عندما يطلع أمام الحشود ويجلس مع زعماء العشائر والعائلات في مجالسهم، ويتكلّم بلغة العشائر والتشريفات. نستطيع أن نسمّيه دينمو، يستشعر كلّ نبض الأحداث ويحثّ على الصمود، دون أن يبيّن بأنّه قيادي أو (أمير) تنظيم.

يُسجَّل للساروت ورفاقه بهذا السلوك، حسّ ثوري صادق وبنّاء لم نعتد عليه في ثورات أيّامنا هذه.

في العام 2014، أصبحت مدينة حمص مدمّرة بشكلٍ شبه كامل، خرج الساروت ورفاقه الّذين بقوا أحياء من المدينة بتسويةٍ مع النظام بعد صمودٍ طويلٍ وقاهر. وكان واضحاً بانّه كان محبطاً وضائعاً، وكان يشكّك بكلّ عناصر مناصري الثورة. فمن بعد خروجه من حمص وسقوط المدينة بيد النظام بدا متشدّداً أكثر، تارة يناصر التنظيمات الإسلاميّة، وتارة يحاول توحيدها، كما المجنون الّذي ظُلم من الجميع فيحاول التفتيش عن أيّ عقيدةٍ تتشارك معه بالقتال ضد النظام، دون الأخذ بعين الاعتبار بفكرها أو كيف تبدو للناظر من الخارج.

لا شكّ بأنّ الساروت شخصية غير عادية في زمننا هذا. نحن نعيش فكرة مقتل الشاب الذي خاض التجربة الفريدة، بطريقته البنّاءة خلال حصار حمص. تبقى الأحاديث والنقاشات عن كونه أصوليّاً أو لا، هل بايع التنظيمات الإسلاميّة أم لا، بمثابة أحاديث بغير محلّها، لأنّنا نودّع الشاب النظيف الثوري الّذي خاض تجربة فرداوية بنّاءة في مدينته، والناس تعرفه عبر هذه التجربة الروحيّة. فهو ليس أبو بكر البغدادي وهو ليس نافذاً يقيم علاقات مع دول لتموّل تنظيمات، ليكون لمقتله أهميّة استراتيجيّة. فنحن فقدناه عند سقوط حمص، حتى أنّ السوريين أصدقائي عندما أخبرتهم بأنّه قُتل، سألوني من هو الساروت؟ وبهذا شكّل مقتله تذكيراً فقط، تذكيراً حسيّاً بأنّ الأمور تغيّرت منذ العام 2014 ولن تعود كما كانت، لا قبل سقوط حمص، وبذات الوقت، ليس قبل بدء الأحداث في سوريا.

لعب الساروت دور الحارس البدوي المتحرّر من ربطات العنق والديبلوماسيّة، فكان دوره أن يرفع المعنويات في الساحات وداخل البيوت وعبر الإنترنت، ليقول إننا على الأرض، ونحن نقرّر ماذا نفعل.

لنكن واقعيين ونفكّر بما خاضه شاب غير محصّن إلا بفطرته وعزيمته وصوته. لا يستطيع أحد أن يصنّفه بالإرهابي أو الأصولي، حتى من زاوية أعدائه، ففكره واضح ولا يشكّل سوى نبض مدينة ريفيّة كانت تعيش نفس المعتقدات قبل الأحداث، وتفاعلت بشكل يشبه نفسها خلال الأحداث.

لا أجد الساروت شخصاً مميزّا كقائد عسكري، وبالتأكيد لم يدرس الصولفيج، ولم يرتد مدارس أو معاهد تعلّمه حسن الخطابة، ولم يكن يجيد اللغة الديبلوماسيّة، وبمجرّد كوننا نتناقش مقتله وسيرته، فهو فعل شيئاً مغايراً لما نعرفه عن مسار الصراعات في عصر العولمة.

لنكن واقعيين ونفكّر بما خاضه شاب بمطلع العشرينات غير محصّن إلا بفطرته وعزيمته وصوته. لا يستطيع أحد أن يصنّف الساروت بالإرهابي أو الأصولي، حتى من زاوية أعدائه، ففكره واضح ولا يشكّل سوى نبض مدينة ريفيّة كانت تعيش نفس المعتقدات قبل الأحداث، وتفاعلت بشكل يشبه نفسها خلال الأحداث. أمّا للمدقّقين للخيارات والمبايعات الّتي فعلها الساروت بعد هزيمة حمص، فالإجابة على ذلك يكون عبر النقد الماركسي: القوّة لرأس المال والدين أفيون الشعوب.

لا شكّ بأنّ الساروت شخصية غير عادية في زمننا هذا.

لا أجد عبد الباسط الساروت شخصاً مميزّا كقائد عسكري، وبالتأكيد لم يدرس الصولفيج، ولم يرتد مدارس أو معاهد تعلّمه حسن الخطابة واللياقة، ولم يكن يجيد اللغة الديبلوماسيّة، وبمجرّد كوننا نتناقش مقتله وسيرته، فهو فعل شيئاً مغايراً لما نعرفه عن مسار الصراعات في عصر العولمة. قد كان يستطيع أن يكون في أوروبا متشائماً، أو محاولاً أن يندمج بمجتمع ما، لكنّه ببساطة أراد أن يحاول رغم ما مرّ عليه، فقد حاول أن يفعل بكل بساطة ودون أي نوع من التفكير العقيم. أنّه بطل ومقاوم بكلّ بساطة، لأنّه استطاع أن يكون إنساناً عادياً وبسيطاً، فخرج إلى العالم عارياً إلّا من بدويّته، ليعلّمنا بأن بساطة من نحن قد تكون الشيء المجدي الوحيد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard