"شعب ورئيسه غايب".. أغاني "شنقل بنقل" تُحرّك غزة

الأحد 23 يونيو 201904:58 م

أغاني تسخر من واقع صعب، يراها نقاد ومتذوقو الموسيقى بأنها تخلو من الفن بالأساس، ولكنها مسموعة، ويرتاح البعض لسماعها، عدد مشاهداتها تفوقت على العديد من مشاهدات كليبات وأغاني بعض الفنانين العرب ذي الشهرة الواسعة في بلدانهم، بل وتخطت ذلك للاصطدام بالواقع السياسي، أثارت غضب "حماس"، واحتجزت أحد أشهر روادها.

منذ أن تولت حركة حماس شؤون غزة، وطردت السلطة الفلسطينية 2007، ولم يتم التوصل لتفاوض بين الطرفين، والواقع يمتاز بالركود.

ليس فقط على المستوى السياسي، حيث قمعت حماس أي تحركات عفوية حتى لو كانت ذات مطالب اجتماعية فقط، لينال الركود بالتبعية حياة الفلسطينيين في غزة أنفسهم.

في هذه البيئة، التي لا يتوفر فيها المناخ الحاضن للفنون، سواء إنتاجها أو تسويقها، ظهرت موجة الأغاني "الجدلية" تلك، وحرَّك ركود الواقع أحد أبرز مغنيها عادل المشوخي. 

عادل المشوخي، 32 عاماً، من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بدأ بأغنية "السكر"، تحدث فيها عن فوائد السكر عندما نضعه على الشاي والمشروبات الأخرى، وقد حققت انتشارا واسعا تحت اسم "الزناخة".

ثم فاجأ المشوخي جمهوره بأغنية أخرى اسمها "الكرتونة"، التي مدح فيها كرتونة غير معروف ماهيتها في مقدمة أغنيته، بينما تضمنت بقية الأغنية كلمات غير مفهومة مثل "سيبساسا سيباسي، تبالالا تيبالي".

وخارج الغناء، أحدثت منشورات المشوخي على السوشيال ميديا جدلا، مثل تساؤلاته الشهيرة بلفظ "إيش في؟!" عبر صفحته على الفيس بوك، هاجم الذين يسخرون منه، داعيا إياهم إلى تشجيع الفن الفلسطيني بدلا من طمسه، وجلبت له تلك الكلمات مهاجمين كثر، فقد تداولها نشطاء وجمهور فلسطين عامة بسخرية.

ولم يقف عند هذا الحد، طلب يد الفنانة اللبنانية نانسي عجرم، ثم إيفانكا ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثم الثائرة الفلسطينية عهد التميمي.

يغني "المخ" في أغانيه "الجدلية"كلمات سياسية مباشرة مثل: "أزمة يا غزة أزمة، أزمة حرب ومصايب، أزمة ولا لينا لازمة، شعب ورئيسه غايب، القرار في غزة مش قراري، لعبوا في راسك تعرف لحالك إن اللي داسك بدون انتخابات".

وقد تضامن نشطاء السوشيال ميديا مع عادل المشوخي عندما أصيب بغرغرينا في ساقه جراء إصابته بطلق ناري، حينما حاول أن يؤدي دوراً كوميدياً جديداً بأعماله التي يراها البعض سخيفة، المثير هنا بأنَّ السلاح الذي استخدمه كان حقيقياً ومليئاً بالذخيرة، ليحول نفسه لقصة من المعاناة، بسبب أن غزة لا يتوفر في مستشفياتها علاج ملائم، فتم جمع المال له من أحبائه وجمهوره، ليتوفر له المبلغ المادي الذي مكنه من العلاج بالمستشفيات المصرية.

استغلّ عادل المشوخي خروجه إلى مصر، وسافر إلى ماليزيا، وهناك عاد لأعماله "الجدلية" من جديد، وعلى إيقاع أغنيته "شنقل بنقل" تفاعل ماليزيون، وروج الإعلام لأن السلطات الماليزية حجزته في مستشفى للأمراض النفسية أكثر من مرة، وأنه صور الفيديو في المستشفى وليس في أماكن أخرى.

"حالة سياسية وليست فنية"

الصحفية الفلسطينية المتخصصة في المجال الفني رفيف عزيز قالت لـ"رصيف22": "إن عادل المشوخي حالة أنتجها الواقع السياسي والاجتماعي في غزة"، ونفت عزيز "الفن" عن غنائه، تقول: "مجرد حالة خارجة عن المألوف، فلا يمكن بأي شكل من اﻷشكال إطلاق مصطلح فن على ما يقدمه، لكنه قد يملك القدرة التي لو تم توجيهها بشكل صحيح لتصبح نموذجا ناجحا في العالم الفني".

وأشارت رفيف إلى أنه يعتبر ضحية مجتمع جعله يعتقد أنه نجم يسير في الاتجاه الصحيح، لكن هو ليس إلا مجرد حالة يستمتعون بانتقاده والسخرية مما يقدمه مما جعلهم يصنعون شهرة شخص دون قصد.

وعلى صعيد آخر، ساهم ضعف الإنتاج الفني بفلسطين في انتشار المشوخي وحالات مشابهة له، مثل مازن داوود، فلو كانت هناك أعمال فنية بإنتاجية فلسطينية ذي جودة عالية، لشغلت الشارع الفلسطيني بها عما يقدمه المشوخي، في النهاية الشعب يحب مشاهدة ابن بلده ونتاج مجتمعه، فهو الأقرب لثقافته، وغياب الأعمال الفلسطينية بسبب ظروف الحصار، والأزمة المالية، وقصور دعم الجهات الرسمية، ساهمت بطريقة غير مباشرة بخلق حالة المشوخي وغيره، كما أوضحت رفيف.

أما وزير الثقافة الفلسطيني إيهاب بسيسو فيرجع، في تصريحات سابقة، انتشار تلك الأعمال "الجدلية" رغم أنها "فن هابط"، كما يصفها، إلى تغير آلية نشر الأغاني بسبب الانترنت.

في الماضي كان النص لا يُنشَر مثلا إلا بعد تدقيق من هيئة التحرير، أمَّا الآن فالجميع يمكن أن يكتب، وكذلك الغناء كان جزءاً لا يتجزأ من "صناعة فنية"، أما الآن يعتمد على المبادرة،  بسبب الانترنت، والجمهور هو الذي يقرر يتفاعل أم لا، وفقا لوزير الثقافة الفلسطيني.


بينما يرى دكتور علم النفس فضل أبو هان، في تصريح لـ"رصيف22"، أنّ "الظروف الحياتيّة الصعبة التي يمرّ بها الغزيّون تعدّ العامل الرئيسي لنشأة هذه الأعمال، كما أنها تعدّ أولى عمليات الردّ وعدم الرضا من قبل المواطن الفقير على الظروف التي يمرّ بها، فيبدأ من خلال أعمالٍ تدلُّ على فقره وبأسه وجوعه".

"انتشار الأغاني الجدلية تعبر عن عدم رضا المواطن الفلسطيني الفقير بسبب ظروفه"

ويقول الطبيب النفسي درداح الشاعر، بأن هذه الأعمال قد تكون وليدة الظروف الحياتيّة التي تمرُّ بها فئة الشباب، بمعنى أنها مرتبطة بزمنٍ معيّن، وقد تندثر هذه المصطلحات بتغير الظروف التي أدّت إلى نشأتها، أو بتغيّر الجيل الذي أنشأها، مشيراً إلى أن من يطلقون هذه المصلحات يندرجون تحت الطبقات الفقيرة.

ارتفعت معدّلات البطالة في غزة وتجاوزت 60%%، بحسب تقديرات، وكذلك زيادة معدّل الفقر إلى 52%، وتعاني أكثر من 50 ألف أسرة من انعدام الأمن الغذائي.

"أشبه إسماعيل ياسين"

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي أكثر حين عودة عادل لغزة من ماليزيا، وانطلقت أغنيته " بحبك يا بقرة"، التي نالت انتقادا أكبر من النساء، ظنا منهن بأنه يقصدهن، لكنه ظهر عبر قناة "بلدنا" المحلية حينها، وأوضح بأن البقرة كان المقصود بها المملكة العربية السعودية، حينما تحلبها الولايات المتحدة الأمريكية من نقودها.


وعانى عادل المشوخي في سجون حماس بسبب "ايش في؟!"، ويشبه نفسه  بالكوميدي المصري الشهير إسماعيل ياسين، في حديث لـ"رصيف22"، حيث كان الراحل يأتي ببعض الأعمال الكوميدية غير مفهوم مغزاها، مبينا أنه لا يُبالي بالفروق بين نظرات الجماهير له ولياسين.

قد تكون ظروف نشأة هذه الأعمال في فلسطين شبيهة بظروف "أغاني المهرجانات" في مصر،  ولكن "المهرجانات" تمتاز بكشف أكبر للظروف الاقتصادية والاجتماعية في مصر، واستلهامها لغة الناس خاصة ساكنو المناطق الشعبية، مثل أغاني "مافيش صاحب بيتصاحب"، و"العب يا وله"، و"المصلحجية"، وقد حققت هذه الأغاني هي الأخرى جدلاً كبيراً على مستوى الوطن العربي.

وأحدث صيحات تلك الأغاني "الجدلية"، حسام خلف الشهير بـ"المخ"، درس الإعلام وأتقن الفرنسية، وتتميز أغانيه باستلهام أغنية مصرية، ومزجها بالسياسة بطريقة ساخرة، ويتميز بجرأته مثل أغاني: "3 دقات"، و"نمبر وان"، و"أزمة يا غزة أزمة".

يغني "المخ"  في أغانيه "الجدلية"كلمات سياسية مباشرة مثل: "أزمة يا غزة أزمة،  أزمة حرب ومصايب، أزمة ولا لينا لزمة، شعب ورئيسه غايب.. القرار في غزة مش قراري.. لعبوا في راسك، تعرف لحالك، إن اللي داسك بدون انتخابات".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard