ما هو "الزمن الجميل" الذي أعادنا إليه مسلسل "نوبة" التونسيّ؟

الأربعاء 12 يونيو 201902:40 م

"عشاق الدنيا عقولهم مسلوبة

والدنيا خضراء مزينة ومطلوبة

والطبل يدوي والشطيح يدوخ

والحفلة حمراء والسراق منصوبة

بعت المخير في حوانت راسي ودخت معاهم نوبة نوبة

والدنيا عجوزة شايبة وتشيب

والناس سكارى عيونهم معصوبة

البعض منهم عاملين أرانب والبعض في وسط الذيوبة ذيوبة"


بصورٍ شعريّةٍ مثقلةٍ بالمجاز والاستعارة، ترسمها قصيدة للشاعر التونسي صلاح الدين بوزيان، وعلى صوتي الفنانين الكبيرين، لطفي بوشناق والهادي حبوبة، يبدأ جينيريك مسلسل "نوبة"، في مشهدٍ احتفالي ليلي تزيّنه الزرابي المعلّقة والفوانيس الكهربائيّة الملوّنة، يذكّرنا برائعة المخرج سامح عبد العزيز، فيلم "الفرح".

وفي تضافرٍ رائعٍ بين كلمات الجينيريك وإيقاع الطبل ونغمات الزكرة والمشهد الاحتفالي التسعيني، يضعنا المخرج وكاتب السيناريو الشاب، عبد الحميد بوشناق، مباشرةً في سياق المسلسل، ويُذكر أن هذا عمله الدرامي الأوّل بعد فيلمه الطويل الأوّل الناجح "دشرة".

استطاع هذا المسلسل أن يشدَّ إليه المتفرّج التونسي منذ الحلقات الأولى، فلا عجب بعد ذلك أن يتمَّ اختياره كأفضل مسلسلٍ في رمضان، حسب استفتاء قامت به إذاعة موزاييك، وأن يحصد ذلك الكمّ الكبير من الجوائز في أغلب الاستفتاءات الإعلاميّة المحليّة، وأن ينال إعجاب النقّاد على اختلاف توجّهاتهم ومدارسهم الفنيّة.

استطاع هذا المسلسل أن يشدَّ إليه المتفرّج التونسي منذ الحلقات الأولى، فلا عجب بعد ذلك أن يتمَّ اختياره كأفضل مسلسلٍ في رمضان

استعادة فنّ المزود

مسلسل "نوبة" دراما تلفزيونيّة اجتماعيّة، تقع أحداثه في بداية تسعينيات القرن الماضي بأزقّة مدينة عربيّة، حيث تقيم عائلةٌ فنيّةٌ متفرّغة تعيش من فنّ المزود (الموسيقى الشعبيّة الأكثر انتشاراً في البلد في الثمانينيات والتسعينيات) غناءً وعزفاً ورقصاً، وتستعدّ لعرضٍ تاريخي لفنِّ المزود على ركح قرطاج، وهو عرض النوبة الذي قُدّم في صيف 1991 وقام بإخراجه وقتها المخرج المسرحي فاضل الجزيري، وتولّى الموسيقار سمير العقربي، إعداده وتوضيبه موسيقياً.

بعد إقصاءٍ رسمي من التلفزيونات والإذاعات والمهرجانات لهذا الفنِّ دام عقوداً نتيجة لقرار سياسي، وذلك بسبب جذوره الضاربة في سجون البلاد ومضامينه المتعلّقة بأوجاع الطبقات المسحوقة، فقد استوحى عبد الحميد بوشناق أحداث المسلسل من هذا الحدث الفني الاستثنائي، عندما رافق والده، الفنّان لطفي بوشناق، الذي ساهم في هذا العمل بأداء أغنية "نمدح الأقطاب".

ولم يكن سنّ عبد الحميد وقتها يتجاوز الست سنوات، ولكنه كان عمراً كافياً لتسجّل ذاكرة الطفل مواقف وعلاقاتٍ ستصبح لاحقاً مادةً دراميّةً دسمة، حلم طويلاً بتحويلها إلى عملٍ سينمائي أو تلفزيوني.

قضايا هزّت المجتمع التونسي

ينطلق المسلسل بجملة من الأحداث المتشظية في الحلقات الأولى التي تقع في أماكن متفرّقة: ملهى ليلي، سجن، سوق شعبيّة، منزل بالمدينة العربي، ومستشفى عمومي، تتجمّع هذه الوقائع بعدئذ لتشكّل الصورة الكاملة لعالم المزود في الربط العربي: الفنانين والدرابكيّة والعشّاقة والصانعات، مع ما يمكن أن يتفرّع عنه من حكايا فرعيّة.

تمتدّ إلى إحدى القضايا التي هزّت المجتمع التونسي في تلك الفترة، إلّا وهي قضية تفشّي المخدرات وتداعياتها على خيرة شباب البلد، بما في ذلك رياضيين معروفين في تونس لم يشأ كاتب السيناريو أن يغوص في تفاصيلها، فقد كان مأخوذاً بالعالم البديع للمزود وشخصياته العميقة والبسيطة والمركبة...ننتقي منها بعض الوجوه المؤثّرة رغم أهمية بقية الأدوار التي لن يتسع المقام لذكرها خوفاً من الإطالة.

الشخصيات النسائيّة

دمج المسلسل شخصياتٍ نسائيّةً ورجالية، وفي الواقع، إنّ كلّ الشخصيات النسائيّة في مسلسل "النوبة" بدءاً بوسيلة وحبيبة وفرح وأم ماهر وصولاً إلى أم الضحية، التي حرقها غنوش، والتي واجهت رئيس المباحث بكلِّ جرأةٍ وشجاعة وطالبته بحقِّ ولدها، شكّلت ردّ اعتبارٍ لصورة المرأة التي تمّ امتهانها في ما راج مؤخّراً من أعمال تونسيّة، وتحديداً في مسلسل "أولاد مفيدة"، الذي قدّم عبر ثلاثة أجزاء في ثلاثة مواسم رمضانيّة متتالية، كانت كافية للعبث بالذائقة التونسيّة وزعزعة ثوابتها الأخلاقيّة، عبر التطبيع مع العنف والقتل والعلاقات المفتوحة.

شخصيات تنسينا تلك الدمى البلاستيكيّة التي غزت شاشاتنا في السنوات الأخيرة: نجوم الإنستغرام وعروض الأزياء، جمال فاقع بلا روح كورد اصطناعي.

تجمع بين هذه الشخصيات النسائيّة والشخصيات الرجاليّة في المسلسل علاقاتٌ متباينة، وفق ثنائياتٍ تشقُّ العمل من أوّله إلى آخره: حبٌّ وكرهٌ وغطرسةٌ وتبعيّةٌ ونفاقٌ ومصلحة.. وما يحفُّ بها من غموضٍ أحياناً وضبابية، تبدأ بالانقشاع تدريجياً كلّما تقدّمنا في الحلقات، فتزداد الأحداث تشويقاً، وتتوالى المفاجآت حتى تبلغ ذروتها في الحلقة الأخيرة.

لماذا حقق "نوبة" نجاحاً؟

مسلسل نوبة في تقديري لم يحقّق نجاحه من خصوصية الموضوع المطروح، رغم أن طرحه لا يخلو من جدّة وطرافة وذكاء، ولا من قدرة المخرج والفريق العامل معه على إعادة فترة التسعينيات إلى أذهاننا بتفاصيلها التي لم يغفل عن دقائقها: ملابس وأحداث وإعلانات قديمة وموسيقى رائجة وقتها وديكور وسيارات...

كما لم يحقّق نجاحه من عدم حاجته لواحدٍ من نجوم الصف الأوّل لتزيين واجهة العمل، ورهانه على ممثلين شبان وممثلي المسرح الذين لا تكاد تميز في إتقانهم وحرفيّتهم ودرجة صدقهم، بين بطلٍ رئيسي وشخصيّةٍ ثانويّة، وهو أمر نادر لم نكد نلاحظه في أي دراما تليفزيونيّة من قبل.

لم يحقّق المسلسل نجاحه أيضاً من الأفكار المطروحة، فهي في أغلبها ذات مضامين بسيطة ولا تحتمل ثقل الأيديولوجيا… بل هي تتخفّف من كل هذا لتغوص في تفاصيل يوميّة لحياة الشخصيّات، دون تصنّعٍ أو تكلّف... من برايف للعرض الكبير وانفعالات عاطفية حسب العلاقات، مع تمرير مواقف متفرّقة من بعض المسائل الأخلاقيّة أو الفنيّة أو الاجتماعيّة.

لم ينجح المسلسل كذلك، لأنه أُخرج بطريقةٍ سينمائيّةٍ بديعة، ولا لجمال الصورة ولقدرة المخرج على حياكة الأحداث وطرزها على نحوٍ لم يترك فيه مجالاً لرتق، ولا من التقطيع الجيّد والمتوازن للمشاهد.

ولم ينجح أيضاً بسبب الجوّ التونسي الصميم الذي جعلنا نعيشه أثناء المسلسل، بدءاً باللباس، الدنقري والجبة والشاشية والخلة والحزام والخلخال وصولاً إلى روائح البخور "العجعاجي" والشيشة والكانون "الملعلع" ومشموم الفنّ والياسمين "الراكز" على الأذن وصوت الزكرة وأنين المزود وايقاع الدربوكة والطبلة.

دمج المسلسل شخصياتٍ نسائيّةً ورجالية، وفي الواقع، إنّ كلّ الشخصيات النسائيّة في مسلسل "النوبة"، شكّلت ردّ اعتبارٍ لصورة المرأة التي تمّ امتهانها في ما راج مؤخّراً من أعمال تونسيّة.

تكمن قيمة المسلسل في قدرته على سحبنا إلى عالمه بانسيابيّةٍ، وما كان هذا ليحدث لولا المصداقية العالية لتجسيد الأدوار. لا إيغال في شيطنة الأشرار إلى حدّ المبالغة ولا مثالية في إطراء الأخيار إلى حدّ الزيف.

قيمة مسلسل نوبة تكمن في أنه وفي عشرين حلقة فقط استطاع أن يمحو سنوات من الرداءة الدراميّة وأن يعيدنا إلى الزمن الجميل، حين كانت التلفزة في رمضان تجمعنا حولها كباراً وصغاراً، ولا تفرّقنا خجلاً أو حرجاً.

ما هي قيمة المسلسل؟

قيمة المسلسل في تقديري ونجاحه كانا بالأساس في قدرته على سحبنا إلى عالمه بانسيابيّةٍ رهيبة جرّتنا إليها حرفيّة الممثلين وقدرتهم الفائقة على تجسيد الأدوار حدّ التماهي، فإذا نحن داخله نعيش بين شخصياته.. نتعاطف، نحبّ، نكره، نتألم، نعشق ونساند… وما كان هذا ليحدث لولا المصداقية العالية للطرح والتقديم. لا إيغال في شيطنة الأشرار إلى حدّ المبالغة ولا مثالية في إطراء الأخيار إلى حدّ الزيف.

المزاودي والطبيب والشرطي والراقصة والعطار، وحتى المجرم جميعهم بشر يخطئون ويصيبون، تتعاطف معهم في مواقف وتلومهم في مواقف أخرى، تراهن عليهم أحياناً ويخذلونك أحياناً أخرى... خلطة رائعة من المتناقضات بين الرجوليّة (الشهامة) والنذالة، المحبة والانتقام، الكره والتعاطف.. شخصيات تشبهنا ونشبهها.

شخصيات تنسينا تلك الدمى البلاستيكيّة التي غزت شاشاتنا في السنوات الأخيرة: نجوم الإنستغرام وعروض الأزياء، جمال فاقع بلا روح كورد اصطناعي.

رغم أن شخصيات "نوبة" لا ينقصها الجمال، ولكنه جمال ينبع من داخل الشخصيّة إلى خارجها، فينسيك شكلها ولباسها، ويشدّك إلى ما تفعل وتقول وما تنوي القيام به، فإذا أنت مشغول بها، مندفع نحوها، تودّ أن تحميها أحياناً حتى من نفسها.

قيمة مسلسل نوبة تكمن في أنه وفي عشرين حلقة فقط استطاع أن يمحو سنوات من الرداءة الدراميّة وأن يعيدنا إلى الزمن الجميل، حين كانت التلفزة في رمضان تجمعنا حولها كباراً وصغاراً، ولا تفرّقنا خجلاً أو حرجاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard