في سوريا، حيث قُتل ويُقتل آلاف البشر... لماذا يجب الاهتمام بحقوق الحيوانات؟

السبت 15 يونيو 201906:15 م

قد تُحدث مشاهدة بضعة مقاطع فيديو منشورة على صفحة الجمعية السورية لإنقاذ الحيوانات (سارا) لديك صدمة تستمر أياماً. تشكل تلك مقاطع التي اختار فايسبوك حجب بعضها عنك إلى حين استئذانك بفتحها، لما تحمله من محتوى قاسٍ، مساحة لتوثيق نوع من أنواع العنف الذي يمارس يومياً في سوريا.

إنقاذ كلبين يعضّان قماشاً من شدة الجوع. "عسكري" يحرق كلباً حياً. عملية جراحية لكلب مصاب بطلقة نارية. أطفال سمموا كلاباً وكسروا ظهر كلبة. هذه عيّنة من مقاطع فيديو توثّق مهمات الإنقاذ التي تقوم بها آني أورفلي، ضمن إطار الجمعية التي تؤوي أكثر من 1500 كلب و500 قطة تم إنقاذها من خطر أحاط بها، وبعضها مصاب بإعاقات دائمة بسبب عمليات تعذيب تعرضت لها على يد أطفال وراشدين، ما يؤشر على تنامي ما يمكن اعتباره ظاهرة غير مسبوقة من الإساءة إلى الحيوانات في سوريا.

لا يحظى هذا العنف باهتمام. ففي بلد يموت فيه آلاف البشر في حرب لم تتوقف منذ ثماني سنوات، يعتبر كثيرون أن لا مبرر للتعاطف مع كلاب أو قطط.

"أحياناً أُصاب بيأس شديد يجعلني أشعر بالخجل لكوني سورية. الناس هنا فقدت معنى الرحمة وأصبحوا لا يكتفون بعدم تقديم المساعدة، بل هنالك مَن يحاربني يومياً لأنني أساعد الحيوانات المشردة، وغالباً ما أصادف أشخاصاً يحاولون منعي من إطعام كلاب الشوارع، فأضطر إلى إخبارهم بأن الطعام مسموم كي يسمحوا لي بتقديمه"، تقول آني أورفلي، منقذة الحيوانات المشردة الأشهر في سوريا لرصيف22.

بين الحيوان والإنسان

يجمع تقرير أعدّته منظمة "بيتا" (People for the Ethics Treatment of Animals (PETA نتائج دراسات تربط بين العنف الممارس تجاه الحيوانات والميل نحو السلوك الإجرامي.

من هذه الدراسات واحدة أعدتها الشرطة الأسترالية وخلصت فيها إلى أن "100% من مرتكبي جرائم القتل الجنسي التي تمت دراستها، كان لهم تاريخ من القسوة ضد الحيوانات"، وأخرى استقصائية لمرضى نفسيين عذبوا كلاباً وقططاً مراراً في طفولتهم، أظهرت أن لجميعهم مستويات عالية من العدوانية تجاه البشر أيضاً.

يؤكد الطبيب النفسي ومدير عام مستشفى الأمراض النفسية والعقلية في دمشق مازن خليل خلاصات الدراسات السابقة، ويضيف عنصراً حاسماً يفسر في الكثير من الأحيان سلوك البشر تجاه الحيوانات وهو "المعايير الثقافية الخاصة بالمجتمع للتعامل مع الحيوانات".

يقول لرصيف22: "في حين أن الكلب يعامَل إلى حد بعيد اليوم كأحد أفراد العائلة ضمن الثقافة العامة للمجتمع الأوروبي، ينظر المورث الثقافي الشعبي في مجتمعاتنا إليه على أنه مخلوق نجس".

أطفال ساديون ضد المجتمع

يشكل الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم الـ14 التهديد الأكبر على حياة وعافية كلاب وقطط الشوارع في دمشق وريفها، بحسب آني التي يعرفها متابعوها باسم سارا، وهو التسمية المختزلة لاسم الجمعية السورية لإنقاذ الحيوانات.

تؤكد آني أن هذه الفئة هي الأكثر تفنناً في ابتكار أساليب لقتل وتعذيب الحيوانات. تملك الناشطة السورية مقاطع مصورة توثق ممارسات هؤلاء الأطفال، إلا أنها تتجنب نشرها توقياً لأية مشاكل ذات صلة بحماية حقوق الطفل حسبما شرحت لرصيف22.

تروي أنهم "يقومون بشنقهم وصدمهم بقوة بالجدران وضربهم حتى الموت وشق بطونهم بواسطة أدوات حادة".

في إحدى الحالات، روت أن أطفالاً كانوا يعذبون كلباً إلى درجة تسببوا له بكسر في ظهره وفخذه، وكانوا قد شرعوا بشنقه، إلا أن طفلاً كان يشاهدهم توسل إليهم ألا يشنقوه، وتعهد بالاهتمام به، فاستجابوا لطلبه شريطة أن يحلقوا له شعره بالكامل مقابل أن يكفوا أيديهم عن الكلب. تماثل الكلب للشفاء لاحقاً في ملجأ سارا.

يلفت مازن خليل إلى أن زيادة العنف في أي مكان وزمان يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة العنف ضد الحيوان. ويضع ثلاثة فرضيات لتفسير العنف الذي يمارسه الأطفال على الحيوانات.

يقول: "قد يكون مؤشراً على اضطراب شخصية مضادة للمجتمع حيث لا يشعر الطفل بتأنيب الضمير، أو قد يكون مؤشراً على اضطراب شخصية سادية تتلذذ بتعذيب الحيوانات، أو قد نكون أمام حالة طفل معرض للعنف كأطفال الشوارع، فيتحول من دور الضحية إلى ممارسة دور الجلاد مع الحيوانات ويفجر غضبه ضد الذين عذبوه بالاعتداء على الحيوانات".

وبحسب خليل، فإن معظم هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى معالجة سلوكية معرفية لتعديل سلوكهم، وقد يستدعي الأمر مساعدة دوائية من قبل طبيب نفسي.

الحيوانات وظروف الحرب

في ظل ضعف الدراسات المختصة حول البيئة والثروة الحيوانية في فترة الحرب في سوريا، تحلّ التقديرات والمشاهدات التي تقوم بها الجمعيات مكان التفسير البحثي.

تقدّر سارا أن ثلاثة أسباب تقف خلف تعاظم ظاهرة الإساءة الى الحيوانات في دمشق وريفها: الأول ازدياد أعداد الأشخاص الذين يؤذون الحيوانات ومنهم الأطفال المشردين بفعل ازدياد أعداد الناس مع حركات النزوح وتركزهم في تجمعات سكنية محددة، إلى جانب ما ولّدته الحرب من قسوة في نفوس السوريين؛ والسبب الثاني هو هجرة الكثير من الحيوانات من مواطنها الأصلية بعد تعرضها للقصف وخلوها من المواد الغذائية؛ والثالث شح المواد الغذائية التي تشكّل غذاء للحيوانات، وأهم أسبابها الفقر الشديد الذي حل بالسوريين وبالتالي خلو النفايات المرمية من الفضلات الغذائية الكافية لتغذية حيوانات الشوارع، ما أدى إلى انتشارها بشكل أكبر بين البيوت والأحياء السكنية.

4000 ليرة مقابل ذيل كلب

بدأت آني تجربتها في إنقاذ الحيوانات منذ أن كانت طفلة. لا ترى أن الحرب السورية هي السبب في دفع أشخاص إلى تعنيف الحيوانات والشروع بقتلها، بل تعتبر أن هؤلاء يحملون "موروثات عنيفة"، شجعتهم السلطات المحلية على التعبير عنها لأنها لم تضع عليهم قيوداً.

تقول إن "هناك اعتقاداً متأصلاً في ثقافتنا يرى أن الكلاب مخلوقات نجسة، وفي الوقت ذاته كانت هنالك منهجية واضحة من قبل البلديات لمكافحة كلاب الشوارع بشتى الوسائل، فقبل الحرب كانت تعلن عن مكافآت مالية تتراوح بين 3000 إلى 5000 ليرة لمَن يقدم لها ذيل كلب مقتول".

برأيها، "هذا يكفي لنفهم لماذا الأطفال والمواطنون لا يجدون أية مشكلة في قتل الحيوانات".

وتضيف: "اليوم، رفعت البلديات سقوف الاعتداء على الحيوانات وباتت ترصد ميزانية لتسميم الكلاب وإطلاق النار عليها، إلى درجة أن هنالك أشخاصاً يخجلون من القول إنهم يطعمون القطط والكلاب لأن محيطهم سيعتبرهم حمقى أو سخيفين".

"أحياناً أصاب بيأس شديد يجعلني أشعر بالخجل لكوني سورية. الناس هنا فقدت معنى الرحمة وأصبحوا لا يكتفون بعدم تقديم المساعدة، بل هنالك مَن يحاربني يومياً لأنني أساعد الحيوانات المشردة"
"قبل الحرب كانت البلديات السورية تعلن عن مكافآت مالية لمَن يقدم لها ذيل كلب مقتول... اليوم، رفعت سقوف الاعتداء على الحيوانات وباتت ترصد ميزانية لتسميم الكلاب وإطلاق النار عليها"

القانون لا يحمي الحيوان

كثيرة هي المناشدات التي أطلقتها آني على صفحة الجمعية على فيسبوك. طالبت بضرورة إصدار قانون يحمي الحيوانات في سوريا، كما طالبت "الدولة السورية بوقف العمليات الإجرامية بحق الحيوانات".

ويجرّم قانون العقوبات السوري في المادة 728 منه مَن يقتل حيوان الجر أو الحمل أو الركوب أو المواشي، بغرامات مالية وأحكام سجن تتراوح مدتها من 15 يوماً إلى سنتين، شريطة ألا يكون مالكها. وبذلك، لا يشمل الأمر الحيوانات التي يمتلكها ويستفيد منها الإنسان، ولا يشمل تلك الأليفة التي لا يستفيد منها الإنسان.

يقول جايسون ماير Jason Mier المدير التنفيذي لجمعية "Animal Lebanon" التي عملت على تقديم وإقرار قانون حماية الحيوانات والرفق بها (رقم 47، 2017) في لبنان لرصيف22 إن "أهمية إصدار قوانين حماية الحيوان تأتي من طبيعتها كأي قانون آخر، فهي طريقة للتوضيح للمجتمعات ما هو صواب أو خطأ، مقبول أو غير مقبول، كما تسمح باتخاذ إجراءات عند حدوث الانتهاكات".

ويؤكد أن "تحسين رفاهية الحيوانات يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية وصحية يمكن قياسها على الأفراد والأسر والبلد".

لا يجد ماير أن حماية ورفاهية الحيوان أمران يتعارضان مع حقوق ورفاهية الإنسان، ولا يوافق على نظرية اعتبار حقوق الإنسان أولوية بينما حقوق الحيوان مسألة ثانوية. يقول: "سيكون الأمر مثل القول إننا يجب ألا نهتم بالبيئة لأننا يجب أن نهتم بالإنسان أولاً، في حين أننا نعيش في البيئة ونعتمد عليها، تماماً كما نعيش مع الحيوانات ونعتمد عليها".

بدوره، يفيد أمير خليل، خبير إنقاذ الحيوانات لدى منظمة FOUR PAWS العالمية، والذي أشرف على إنقاذ خمسة أسود ونمرين واثنين من الدببة الآسيوية السوداء واثنين من الضباع وكلبين في حلب خلال عام 2013، بأن "عدداً لا يحصى من الحيوانات التي عاشت في سوريا منذ آلاف السنين هلكت خلال الأحداث السورية، كما أن العديد من الحيوانات الأليفة تم التخلي عنها وصارعت الموت وحدها".

ويعتبر في حديثه لرصيف22 أن الحيوانات تكون الحلقة الأضعف خلال الصراعات، إذ "يمكن للبشر التخطيط للنزوح في المواقف الخطرة، في حين أن الحيوانات من حولهم تعتمد عليهم، لذلك نجدها تتأثر بشكل أوسع من البشر، علماً أنها لا تلعب أي دور نشط في الحروب التي تكون من ضحاياها".

تعاطف ومتابعة

وسط مأزق شح التبرعات وضعف التمويل الشديدين اللذين يهددان استمرار مزاولة سارا لمهامها الإنقاذية و"إيواء وإطعام ألفي روح"، بحسب تعبير آني، ووسط تجاهل شركات الاتصالات الغريب لطلبات الجمعية تخصيص رقم رباعي من أجل التبرع، وضرب السلطة مطالب الجمعيات المعنية بعرض الحائط، تُظهر نسب المشاهدة الكبيرة (3 ملايين أحياناً) لمقاطع الفيديو التي تنشرها الجمعية، وحجم تأييد مقترحاتها على صفحتها على فيسبوك، ما يشجع فريق سارا على متابعة عملهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard