أجمل قصص الأوبرا (II)... حكايات عشق فانتازي ونبوءات مستقبليّة

الجمعة 12 يوليو 201903:51 م

ما هي أجمل قصص الأوبرا؟

تعتمد المقالة على مراجعة كتابٍ صدر حديثاً عن دار المدى، من إعداد الناقد الموسيقي محمد حنانا، وهو بعنوان (معجم الأوبرا)، يضمُّ هذا المعجم أهمَّ المصطلحات والمعلومات والمفردات الموسيقيّة المستعملة والمتعلّقة بفنِّ الأوبرا، كما يضمّ أهمّ الأوبرات، وأهمّ الشخصيات التي عرفت بتاريخ هذا الفنِّ الغني.

الهيام بمخلوقة غيبيّة

الفانتازيا جزءٌ من الأدب وقصص الأوبرا، في أوبرا الجرس الغارق، 1927، نصّ غيرهارد هاوبتمان، الموسيقى أوتورينو ريسبيغي، يكون الهيام بمخلوقةٍ غرائبيّة ذروة الحكاية. تبدأ الأوبرا حين تسحر الجنية رواتيندلاين سبّاك الأجراس هنريش، فيلحق بها إلى الجبال، يعود إلى منزله عند موت زوجته ماغدا، لكنه لا يقدر على محو ذكرى الجنيّة، فيما بعد يناديها وهو مسجى ميتاً فتعود إليه.

الأوبرا موضوعة نفسها: أسبقيّة الكلمة أم اللحن؟

في أوبرا كابريتشو، 1942، نصّ وموسيقى ريتشارد شترواس، الفن الأوبرالي نفسه هو الموضوعة. نقاش طويل دار في تاريخ الأوبرا بين المؤلّفين عن أهمية وأسبقيّة الكلمة على اللحن؟ أم اللحن على الكلمة؟ في هذه الأوبرا يتنافس المؤلّف الموسيقي فلاماند، مع الشاعر أوليفييه، على حبِّ الكونتيسة مادلين، أحدهما يهديها سداسي وتري والآخر يهديها مسرحيات كتبها خصيصاً لعيد ميلاد الكونتيسة.

بينما ينتظر المؤلّف الموسيقي والشاعر قرار الكونتيسة، تنشأ بين الاثنين مناظرةٌ حول الموسيقى والكلمات، وأيهما أكثر أهمية في الأوبرا. يرحل جميع الضيوف، ويبقى أن تقرّر الكونتيسة في صباح اليوم التالي أيهما تختار، لكن الكونتيسة تجد نفسها عاجزةً عن اتخاذ القرار، إنها بحاجة كما هو حال الشخصيّة الأوبراليّة، إلى الكلمات والموسيقى معاً.

حبكةٌ قصصيّةٌ رائعة، تجعل من الموسيقى والكلمات موضوعاتٍ يتمّ الحوار حولها داخل مجريات الأوبرا نفسها، إن الجدل حول أسبقيّة الكلمة أم اللحن في الأوبرا استمرّ منذ نشأ فنّ الأوبرا وحتى الآن، وعرف تاريخ الأوبرا العديد من المنظّرين، المؤلّفين الموسيقيّين، والتيّارات الفنيّة التي حاولت تقديم وجهة نظرها في هذه الموضوع. بهذا الصدد يمكن مراجعة كتاب الدكتور ثروت عكاشة، بعنوان الأوبرا، إصدار الهيئة العامة المصريّة للكتاب.


فانتازيا الحب المستحيل

تسمّى أوبرات حكايات هوفمان، 1881، على اسم مؤلّف قصصها وهو الكاتب هوفمان، أما المؤلّف الموسيقي لهذه الأوبرا فهو أوفنباخ. تتعلّق حكايات هذه الأوبرا بعلاقات حبٍّ فانتازيّة يعيشها هوفمان. كلُّ فصلٍ من فصول الأوبرا يروي حكايةً من حكاياته. حبّه الأول كان في باريس، لكن أولمبيا محبوبته ليست إلا دمية تبدو لهوفمان إنسانيّة، بسبب نظّارات باعها له كوبيليوس، أحد صانعي أولمبيا، التي تتحطّم في نهاية القصة.

في الفصل الثاني حكاية حبٍّ أخرى تجري في ميونيخ، حيث يقع هوفمان في حبِّ المغنية أنتونيا التي منعها والدها كريسييل من الغناء، دون أن يطلعها على السبب، هي مصابة بالسلِّ مثل والدتها الميتة التي كانت أيضاً مغنيةً عظيمة. يُعيد المشعوذ الفاسد الدكتور ميراكل إلى الحياة صورة أمها، ويلحّ عليها أن تغنّي بِوَلَهٍ أكبر وأكبر، ما يتسبّب في موتها بين ذراعي هوفمان. الفصل الثالث أي قصّة الحبِّ الثالثة في فينيسيا، حيث يقيم هوفمان علاقةً غراميّة مع المحظية جولييتا التي بدافع من المشعوذ دابيرتو تسرق من هوفمان ظلّه، أي روحه.

النبوءة بالموت

دائماً ما تكون النبوءات عنصراً قصصيّاً مبهراً وجذاباً في الحكايات الشعبيّة، والنبوءة هي موضوعة أوبرا حوار الراهبات الكرمليّات، 1957، من نص جورج بيرنانو، وموسيقى فرانسيس بولانك. تجري أحداثها في باريس العام 1789، وذلك إبّان الثورة الفرنسيّة. تدخل بلانش دو لافورس، وهي المرأة العاطفيّة الرقيقة، إلى الدير بحثاً عن الهدوء، لكنها تصاب بالهلع عندما تخبرها الأخت كونستانس البسيطة، بأن لديها هاجساً ينبئها بأنهما ستموتان معاً. يهاجم الغوغاءُ الديرَ، وبينما تترأس مدام ليدوان الأخوات اللواتي قرّرن الاستشهاد، تفرّ بلانش من الدير، ولكن أثناء قيادة الثوار للراهبات إلى المقصلة بوقار، تبرز من الحشد وتنضمّ إليهن، لتحقق نبوءة موتها مع الأخت كونستانس.

الانقياد الإرادي إلى الموت

أيضاً تتجه الشخصية الرئيسية في أوبرا قصر الدوق ذي اللحية الزرقاء، نص بيلا بالاز، موسيقى بيلا بارتوك، إلى الموت بقرارها وإرادتها. تبدأ الحكاية حين يحمل الدوق ذو اللحية الزرقاء، بلوبيرد، زوجته الجديدة جوديث، إلى قلعته المظلمة التي تحتوي على سبعة أبواب. تطلب جوديث بحجّة تبديد الظلمة مفاتيح الأبواب، ثم تفتح الأبواب واحداً تلو الآخر، وخلف الباب السابع تجد نساء بلوبيرد السابقات، تنضمّ إليهن تاركةً بلوبيرد في ظلمةٍ وعزلة، أي أنها تختار مصير الانتقال إلى العالم الآخر بإرادتها.

الفنان الانتهازي

أوبرا مرثاة من أجل عاشقين شابين، 1961، نصّ دويل أودين وشيستر كالمان، موسيقى هانس هنزه، تتمتع بحكايةٍ رائعةٍ عن نرجسيّة الفنان وانتهازيّته لتحقيق عمله الفنّي.

في الحكاية يستمدّ الشاعر النرجسي المغرور مايتنهوفر، إلهامَ قصائده من هلوسات هيلدا ماك، وهي امرأة تنتظر عودة زوجها الذي اختفى منذ شهر العسل. وعندما يُكتشف جسد الزوج في النهر الجليدي، تتوقف هيلدا ماك عن قول الهلوسات، فيبحث الشاعر عن مصدرٍ آخر ليستمدّ منه الإلهام. فيلتفت الشاعر مايتنهوفر إلى عاشقين شابين هما ربيبه طوني وإليزابيث، فيرسلهما في رحلة العثور على زهرةٍ نادرةٍ، فيفارقان الحياة أثناء الرحلة، يستلهم الشاعر مايتنهوفر من موتهما كتابة أعظم قصائده، وهي بعنوان مرثاة من أجل عاشقين شابين. قصّة الأوبرا إذاً عن شاعرٍ يجد إلهامه الفنّي في آلام الآخرين، حتى لو أدّى بهم إلى مصير الموت.

ما الذي يميّز الأوبرا عن غيرها من الأنواع الموسيقية؟ ما سرّ الفانتازيا في صياغة الأوبرا؟ وكيف نفهم الميتات "الأوبراليّة"؟ من هذه الأسئلة نطلّ على أجمل قصص الأوبرا وأشهرها
"الميتات الأوبراليّة" أي طرق موتٍ غريبةٍ أو مثيرةٍ للخيال، دارت في قصص الأوبرا، مثل شخصية تُلقي بنفسها في فوهة بركان، وأخرى تلقي بنفسها في قدرٍ من الزيت المغلي، وشخصيات أنثويّة تفارقن الحياة بسبب استنشاق عطر أزهارٍ أو نباتاتٍ سامة، وشخصيتان (في أوبرا حبّ الملوك الثلاثة لمونتيميز)، ماتا جراء تقبيلهما شفتين ملطختين بالسمّ.

الذنب عقوبة المستبد

في أوبرا الإمبراطور جونز، 1933، نصّ يوجين أونيل، موسيقى لويس غرونبرغ، نجد شخصية الإمبراطور جونز من صنف الشخصيات التي تتعذّب في خطيئة أفعالها. فبروتس جونز هو عتّال سابق، مقامر ومجرم، فرّ من العدالة ولجأ إلى جزيرة كاريبييه ونصّب نفسه عليها حاكماً طاغية. حين يعلم أن رجال القبائل في طريقهم للإطاحة به، يفرّ إلى الأدغال، وهناك في الغابات تشتدّ عليه الهلوسات فيقابل فيها ضحاياه السابقين. يتوسّل جونز إلى الله من أجل الصفح والغفران، وأخيراً يقتل نفسه بآخر رصاصة بحوزته، رصاصةٍ فضيّةٍ ادّخرها لهذا الهدف.

الفضول يدمر حياة العاشقين

في أوبرا الصوت البعيد، 1912، نصّ وموسيقى فرانز شريكر، يرفض الموسيقي فريتز الزواج من محبوبته غريت، قبل اكتشافه سرّ الصوت البعيد، تمرّ عشر سنوات وغريت تتوق إلى فريتز الذي لا يهتدي إلى سرّ الصوت البعيد الذي يسمعه، هذا اللغز العصيّ على الحلّ يحوّل حياته إلى جحيم، وتنساق حبيبته غريت إلى الدعارة. هذا الصوت البعيد العصي على الكشف يدمّر حياة العاشقين.

تقدير العلماء والفنانين

حكاية أوبرا تناغم العالم، 1957، نص وموسيقى بول هايندمث، تتعلّق بأهمية تكريم العلماء. في الحكاية يبحث العالم الفلكي جوهانيس كيبلر، والجنرال فالنشتاين عن التناغم الكوني، كلُّ واحدٍ يبحث بطريقته الخاصّة. في نهاية الأوبرا يتحوّل كيبلر إلى كوكب الأرض، ويتحول فالنشتاين إلى جوبيتر، ويتحوّلان كلاهما، ومعهما كائنات إنسانيّة، إلى رموز الأبراج التي تشعّ في السنوات. هذه الحكاية هي رمزيّة عن أهمية العلماء وارتباطهم وتمثيلهم لفكر عصورهم عبر التاريخ.

كذلك أوبرا جوني يبدأ العزف، 1927، نص وموسيقى آرنست كرينيك، هي تقدير لدور الفنّانين في التاريخ، فهي حكاية قائد فرقة الجاز جوني، الذي ينقل رقص الشارلستون إلى العالم أجمع. قصّة هذه الأوبرا تعبّر عن التأثير الفردي للفنّان على الثقافة الموسيقيّة الإنسانيّة بأكملها.

الكتب وذاكرة التاريخ

إذا كانت القصّتان السابقتان تنتصران لدور العلماء والفنّانين، فإن أوبرا جولييتا أو كتاب الرؤيا، 1938، نصّ جورج نوفو، موسيقى مارتينو، تنتصر لدور الكتب في التاريخ.

تروي الأوبرا قصّة ميشيل بائع الكتب المتجوّل الذي يحاول جاهداً إيجاد جولييتا التي سبق وأن قابلها منذ سنوات. يكتشف أن سكاّن بلدة جولييتا، ومن ضمنهم جولييتا نفسها، قد فقدوا ذاكرتهم. وقد بدأ ميشيل يتأثّر بالداء، وعندما يحاول العودة إلى باريس تختفي محطة القطار. وأخيراً يجد ميشيل نفسه في عالم الأحلام حيث يتهّيأ له صوت جولييتا تناديه. قصّة تبين أثر الكتب في حفظ الذاكرة الجماعيّة وتكوين الوعي، وأثر فقدانها على الواقع الإنساني.

ميتات أوبراليّة

أخيراً، خصّص المؤلف محمد حنانا في معجمه، فقرةً خاصّةً بعنوان ميتات أوبراليّة، وهي عن أساليب وطرق موتٍ غريبةٍ أو مثيرةٍ للخيال، دارت في قصص الأوبرا.

هناك فينيلا التي تُلقي بنفسها في فوهة بركان، وراشيل تلقي بنفسها في قدرٍ من الزيت المغلي. أدريانا، سيليكا، لاكميه، شخصيات أنثويّة تفارقن الحياة بسبب استنشاق عطر أزهارٍ أو نباتاتٍ سامة. مانفريدو وفيتو في أوبرا حبّ الملوك الثلاثة لمونتيميزي، ماتا جراء تقبيلهما شفتين ملطختين بالسمّ لامرأةٍ ميتة. وكما قرأنا، فإن أنتونيا في أوبرا حكايات هوفمان تموت من الغناء. أما العاشقان عايدة وراداميس، في أوبرا عايدة فيدفنان حيّين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard