عن نقد برنامج باسم يوسف: كيف يمكن فصل السياسة عن الطعام؟

الأربعاء 12 يونيو 201901:42 م

يعيب ناشطون ومتابعون على باسم يوسف تحوّله من تقديم البرامج السياسيّة إلى تقديم البرامج الغذائيّة! برنامج باسم يوسف الجديد، Plant B، هو برنامج يقوم بالتعريف بما يسمّى النظام الغذائي النباتي، الذي يتجنّب الغذاء المصنّع ولحوم الحيوانات، وهو نظامٌ غني بالخضروات والفواكه والغذاء الكامل. يُعَدّ هذا النظام الغذائي ثورةً في مواجهة مشاكل العصر الحديث الناتجة عن تناول الوجبات السريعة والأغذية المعالَجة واللحوم المنتجة بآلياتٍ وتكنولوجيا غير أخلاقيّة.

تأتي الأنظمة الغذائيّة النباتيّة والخضريّة كآليّاتٍ لتحدّي أنماطٍ من القهر والاستغلال.

أعجز عن أن أرى ابتعاد برنامج باسم يوسف Plant B عن السياسة، كما أعجز عن فهم وجهة نظر منتقديه. ففي عصرنا هذا، يصعب فصل السياسة عن موائد طعامنا. آليات إنتاج الأغذية وتوزيعها واستهلاكها وسياسات الغذاء العالميّة والمحليّة هي عوامل تحدّد مصائر الشعوب وتدخل ضمن أسباب الصراع الدولي.

الأنظمة الغذائية الخضريّة كتحدٍّ

قضايا الصحّة والأمراض المرتبطة بأنظمة الغذاء التي تسوّق لها شركاتٌ كبرى ومطاعم عالميّة تجني المليارات، يصعب فصلها عمّا تحتويه عربات تسوّقنا واختياراتنا بارتياد هذه المطاعم أو غيرها. تأتي الأنظمة الغذائيّة النباتيّة والخضريّة كآليّاتٍ لتحدّي أنماطٍ من القهر والاستغلال، ويقف المدافعون عن حقوق الحيوان ضدَّ سياسات تلغي إنسانيّتنا أمام وحشيّة هذه الصناعة التي تفوق أرباحُها الخيال.

لم يعد ممكناً تناول قضايا الغذاء بشكلٍ مبسّطٍ ضمن تعقيدات عصرنا وضمن تأثيرات العولمة. وليس من الممكن الفصل بين اختياراتنا الغذائيّة وعاداتنا الصحيّة وبين السياسة. فبينما تنعم النخبة بالخيارات الصحيّة والغذاء العضوي مرتفع الثمن، تغرق الطبقات الأقلُّ حظاً بما تقدمه مطاعم الوجبات السريعة رخيصة الأسعار، وتجبر على شراء مواد غذائيّة معالَجة وملوّثة بالمبيدات الحشريّة لرخص أسعارها.

يأتي هذا في وقتٍ يتعرّض فيه النباتيّون لعدوانيّةٍ غير مبرّرةٍ وتنمّرٍ من قبل مجتمعهم المستنكر لاتباعهم هذا النمط الغذائي

يبين إريك هولت-جيمينيز يبيّن في كتابه، A Foodie’s Guide to Capitalism، من خلال بحثٍ سياسي اقتصادي، وضمن انتشار ثقافة الأكل الصحّي وفورة إنتاج الغذاء المتسارعة، أسباب انتشار المجاعات حول العالم والاحتباس الحراري وارتفاع معدّلات السمنة عالميّاً، ويبيّن كيف تتجلّى عناصر الطبقيّة والعنصريّة والأبويّة في أنظمتنا الغذائيّة. يتساءل هولت-جيمينيز إذا ما كان من الممكن أن يساهم تغيير نظامنا الغذائي في تغيير النظام الرأسمالي؟ يحثّنا الكتاب على الاقتراع بشوكة الطعام، "voting with your fork"، وهو تعبير للفت أنظارنا لحتمية ارتباط غذائنا بمصائرنا السياسيّة، وبحجم تأثير السياسات الغذائيّة على إرادتنا الإنسانيّة واختياراتنا. بينما يقدّم بيتر روسيت تصوّراً ثوريّاً للسياسات الزراعيّة لإخراجها من سيطرة منظمة التجارة العالميّة في كتابه Food is Different. فالسياسات التي تتبعها دول العالم الأوّل تساهم في قتل الفلاحين، وتقدّم لنا طعاماً غير صحّي وخالياً من النكهة. وتتساءل فاندانا شيفا في كتابها "Who Really Feeds the World?" عن دور الزراعة الصناعيّة والتعديل الوراثي في خلق المجاعات حول العالم، وعن أهمية الوعي بالعلاقات التي تنتج غذاءنا. وتوضح شيفا أهمية المزارع الصغيرة وتوفير البذور والتركيز على السياسات المحليّة للخروج من دوائر الاستغلال وسياسات الغذاء العالميّة الاحتكاريّة.

لا يمكن النظر لأطباقنا ببراءة

أصبح من الصعب أن ننظر إلى أطباقنا ببراءةٍ استهلاكيّةٍ تتغافل عن دوائر العنف التي تنتج هذا الغذاء. العنف الذي يطال الحيوانات والفلاحين، وتمضغه أفواهنا المتكاسلة على شكل وجبةٍ سريعةٍ. العنف الذي ينتج المجاعات والاستغلال، الذي يتسبّب بالفقر. خياراتنا الغذائيّة هي نتائج لآليّاتٍ تساهم في إغراق طبقاتٍ بالجهل والعوز والفاقة، وتزيد من غنى وتمكين شركاتٍ منتفعة وصفوةٍ متحكّمة. الغذاء المغلّف بالبلاستيك والخالي من النكهة، الذي ندفع لأجل تعليبه وتغليفه الكثير، وفي المقابل نساهم في زيادة نسبة البلاستيك التي تساهم في التلوّث البيئي.

أصبح من الصعب أن ننظر إلى أطباقنا ببراءةٍ استهلاكيّةٍ تتغافل عن دوائر العنف التي تنتج هذا الغذاء.

الكثير من الأسئلة الأخلاقيّة الواجب مراجعتها تقع على عاتقنا، ولم يعد من الممكن تسطيحها وتبسيطها. يقدّم، ضمن هذا السياق، كتاب Food, Ethics, and Society: An Introductory Text with Readings تساؤلاتٍ فلسفيّةً حول الأنظمة الغذائيّة وتبعاتها الأخلاقيّة. يطرح الكتاب قضايا مرتبطةً بأخلاقيّات الاستهلاك وتربية الحيوانات والزراعة والهويّة الثقافيّة الغذائيّة والمجاعة وغيرها من الأسئلة.

ثقافة الأكل الصحّي كحلٍّ، ولكن...

قد يبدو الغذاء العضوي وثقافة الأكل الصحّي في لحظات حلّاً. ولكن من المهم عدم تناسي حقيقة وجود شركات تنتفع من ثقافة النخبة الباحثة عن Trend تتميّز فيها عن غيرها من الطبقات الغارقة في كدّها والغافلة عن متابعة نسبة السكّر والدهون في الدم. فالنظام نفسه يمنع محاولاتنا المتكرّرة للتخلّص من سطوته وتحديه، ويقوم بخلق آلياتٍ تحوّل سعينا إلى سلعٍ جديدةٍ وتروّج لها. ولا يعني هذا بالضرورة تجنّب الأكل الصحّي أو العضوي، بل الواجب التسلّح بالمعرفة للمساءلة عن مصادر هذا الأكل، وعن دوائر الاستغلال الناتجة والمرتبطة بإنتاجه واستهلاكه.

أعجز عن فهم وجهة نظر منتقدي برنامج برنامج باسم يوسف، ففي عصرنا هذا، يصعب فصل السياسة عن موائد طعامنا. آليات إنتاج الأغذية وتوزيعها واستهلاكها وسياسات الغذاء العالميّة والمحليّة هي عوامل تحدّد مصائر الشعوب.

ليس من الممكن الفصل بين اختياراتنا الغذائيّة وعاداتنا الصحيّة وبين السياسة. فبينما تنعم النخبة بالخيارات الصحيّة والغذاء العضوي مرتفع الثمن، تغرق الطبقات الأقلُّ حظاً بما تقدمه مطاعم الوجبات السريعة رخيصة الأسعار.
قد يبدو برنامج باسم يوسف ضمن هذا السياق كبرنامج موجّهٍ للنخبة، بخياراته المكلفة وصعبة التوافر في منطقتنا العربيّة. ولكن ما يهمّ في برنامجه هو ضرورة وأهمية طرح أفكارٍ غذائيّةٍ ثوريّةٍ تساهم في خلق التغيير، ورفع الوعي عند المستهلك في المنطقة العربيّة.

أهمية طرح أفكار غذائيّة ثوريّة

وقد يبدو برنامج باسم يوسف ضمن هذا السياق كبرنامج موجّهٍ للنخبة، بخياراته المكلفة وصعبة التوافر في منطقتنا العربيّة. ولكن ما يهمّ في برنامجه هو ضرورة وأهمية طرح أفكارٍ غذائيّةٍ ثوريّةٍ تساهم في خلق التغيير، ورفع الوعي عند المستهلك في المنطقة العربيّة. لقد تعلّقت عيون الخضريين والنباتيين بهذا البرنامج الذي ساهم بتمثيل فئةٍ يتمُّ تهميشها في منطقتنا العربيّة. يأتي هذا في وقتٍ يتعرّض فيه النباتيّون لعدوانيّةٍ غير مبرّرةٍ وتنمّرٍ من قبل مجتمعهم المستنكر لاتباعهم هذا النمط الغذائي. هؤلاء يعجزون عن إيجاد ممثل لهم ضمن الإعلام وسياسته التي تتعمّد تجاهلهم. ويجد النباتيّون أنفسهم في عزلةٍ عن مجتمعهم الذي يتهمهم بـ "التفذلك" حيناً وبـ "التكبّر" حيناً آخر، كما يعجزون عن إيجاد مطاعم يمكنهم فيها تناول وجبةٍ مع أصدقائهم، دون الحاجة لانتزاع اللحوم المقطّعة من أطباقهم. وبهذا، لا يقلّ هذا البرامج سياسيّة عن برامج باسم يوسف الأخرى، سواء وافقناه الرأي حول اتباع هذا النظام الغذائي أو لم نوافقه.

ضمن هذا الانفجار الغذائي بسبب آليات الإنتاج الصناعيّة والتكنولوجيّة الحديثة، تأتي أهمية الرقابة وضرورة شدّ أحزمة بطوننا.

ضرورة شدّ أحزمة البطون

تساهم برامج التوعية في جذب أنظار مجتمعاتنا التي تعيش أنماطاً بطيئة في مقابل استهلاكٍ غذائي مرتفع. وضمن هذا الانفجار الغذائي بسبب آليات الإنتاج الصناعيّة والتكنولوجيّة الحديثة، تأتي أهمية الرقابة وضرورة شدّ أحزمة بطوننا. فالنظام الغذاء النباتي هو ردّة فعلٍ على شكلٍ استهلاكي غير مسؤول تواجهه المجتمعات الحديثة. لا تجبر جدليّة مسؤوليتنا تجاه أنظمتنا الغذائيّة الجميع على الالتزام بنظامٍ غذائي نباتي كحلِّ مطلقٍ لمشاكل هذا العصر، بل تحتّم علينا مساءلة الأنظمة التي تساهم في استغلال الطبقات الأقلِّ حظاً. تشجيع برامج تلفزيونيّة غذائيّة صحيّة يساهم بنشر الوعي لتحدّي منظومةٍ غير عادلةٍ، ضحاياها هي الفئة الأضعف غير القادرة على إيصال صوتها. إدراكنا بحتمية ارتباط غذائنا بالسياسات التي تؤثر بالتوازن البيئي والاجتماعي يقودنا لعدم الخضوع لمنظومة القوّة، ويدفعنا لتحمّل مسؤوليتنا تجاه أنماطنا الاستهلاكيّة والوعي بتأثيراتها على هذا العالم مترابط الآفاق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard