بين الكوفة والقاهرة وأصفهان... دور مراكز الثقل الشيعي في الحفاظ على التشيع

الثلاثاء 11 يونيو 201905:33 م

مرّ المذهب الشيعي، كغيره من المذاهب السياسية الإسلامية، ببعض المحطات التاريخية المفصلية الحرجة التي غيرت في البنية العقائدية والسياسية للتشيع.

في هذا السياق التطوري المتزامن مع بعض المنعطفات السياسية والاجتماعية المهمة والمؤثرة، ظهرت مراكز ثقل شيعية متمايزة، لعب كل منها دوراً في نشر التشيع وحمايته من جهة، والدخول في صراع سياسي مع القوى الخارجية من جهة أخرى.

الكوفة... المعقل الأول للتشيع

يمكن القول إن المذهب الشيعي، ومنذ بواكيره الأولى، لاقى دعماً وتأييداً واضحين في العراق بوجه عام، والكوفة على وجه الخصوص.

المدينة التي بناها سعد بن أبي وقاص، عام 17هـ، كانت دائماً هي الحصن الحصين للتشيع، وذلك بدءاً من عهد علي بن أبي طالب، حينما اتخذ منها عاصمة للخلافة.

أسباب كثيرة تفسر إقدام علي على نقل الخلافة إلى الكوفة، من بينها حاجته للاقتراب من معارضيه الأمويين في بلاد الشام، كما أن الكثير من القبائل العربية التي كانت تسكن الكوفة كانت تتشيع له وتواليه وتتعصب له، بالإضافة إلى الأهمية الإستراتيجية الهائلة التي تمتعت بها تلك المدينة، والتي أشار إليها الخليفة الرابع نفسه عندما وصفها بأن "بها الرجال والأموال" بحسب ما يذكر ابن حبان في كتابه "الثقات".

انتقال علي إلى الكوفة، ودفنه فيها، وطّد الهوية العلوية-الشيعية لتلك الحاضرة، في مقابل اصطباغ الشام عموماً، ودمشق تحديداً، بالصبغة الأموية، بمعنى أن ارتباط الكوفة بالتشيع تأكد في سياق الحرب الأهلية التي اندلعت داخل الدولة الإسلامية في العقد الرابع من القرن الأول الهجري.

بعد انتصار الأمويين واستقرار الأمر لمعاوية بن أبي سفيان، بقيت الكوفة "جيباً" علوياً داخل الدولة، وتجمع فيها أنصار علي وأتباعه، ما جعل منها خطراً داهماً على السلطة الأموية.

هناك العديد من الشواهد التي تؤكد بقاء الولاء الكوفي للعلويين بعد خلافة معاوية، من ذلك ما يذكره ابن الأثير في كتابه "أُسد الغابة في معرفة الصحابة"، من أن الأمويين قتلوا بعض كبار أصحاب علي من الكوفيين، ومنهم حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي.

ويذكر الشيخ المفيد، في كتابه "الإرشاد إلى معرفة حجج الله على العباد"، أن الكثيرين من الشيعة الكوفيين أرسلوا إلى الحسين بن علي بعد وفاة أخيه الحسن، وعرضوا عليه الثورة على معاوية، ولكنه رفض، وتكررت تلك الدعوة بعد وفاة معاوية واستخلاف ابنه يزيد عام 60هـ، إذ أرسل زعماء الكوفة إلى الحسين: "أما بعد، فقد اخضرّت الجنان وأينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجندة"، بحسب ما يذكر سبط ابن الجوزي في كتابه "تذكرة الخواص".

وبعد فاجعة كربلاء، طالب أهل الكوفة بالثأر للحسين وأهل بيته، وظهر ذلك في حركتي التوابين والمختار الثقفي، واللتين كانتا تعتمدان بشكل كامل على شيعة الكوفة.

وبعد أن نجح عبد الملك بن مروان في إحكام قبضته على الدولة عام 73هـ، خضعت الكوفة للولاة الأمويين مرة أخرى، وكان من أهمهم الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي بطش بالزعامات الشيعية في الكوفة، ما اضطر الكثيرين منهم إلى الهروب شرقاً نحو بلاد فارس، حيث تكونت تجمعات شيعية صغيرة الحجم، بحسب ما يذكر رسول جعفريان في كتابه "الحياة الفكرية والسياسية لأئمة أهل البيت".

إذن يمكن القول إن الكوفة كانت مركز الثقل الرئيسي المبكر للتشيع، وإن أطرافه كانت مبعثرة، بفعل الضغوطات المتزايدة من السلطة الحاكمة، في كل من إيران والمدينة.

الزيدية... الديلم والمغرب الأقصى واليمن

عام 122هـ، وقع حدث مهم ومحوري في تاريخ التشيع، وذلك عندما قام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالثورة على هشام بن عبد الملك بن مروان، فقد لجأ إلى الكوفة واستعان بالشيعة فيها، قبل أن تنتكس ثورته وتنتهي بمقتله وصلبه، بحسب ما يذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه "مقاتل الطالبيين".

التجاء زيد إلى الكوفة كان متوقعاً، لما يجيش في صدور أهلها من محبة وموالاة لآل أبي طالب. ولكن مع ذلك، كان إعلان تلك الثورة بعد سنين من الاستكانة والهدوء نذيراً بتأسيس خط شيعي جديد يؤمن بحتمية النضال ضد حكم بني أمية وبني العباس.

هذا الخط الذي انتهجه زيد سارت عليه مجموعة من زعماء العلويين، وخصوصاً من أبناء الفرع الحسني، وكان من أبرزهم كل من محمد النفس الزكية والحسين بن علي بن الحسن المثلث، اللذين أعلنا ثورتيهما بشكل متعاقب داخل شبه الجزيرة العربية، وقُتلا عامي 145هـ و169هـ، على التوالي.

ويلاحَظ أن اندلاع ثورتي النفس الزكية في المدينة، والحسين بن علي في مكة، كان مؤشراً على ابتعاد مركز الثقل الزيدي عن الكوفة. ويمكن تفسير ذلك بقرب عاصمة العباسيين في بغداد منها، الأمر الذي قيّد حرية العمل الثوري فيها، وأسفر عن وضع مزيد من العراقيل إزاء تحشيد شيعتها.

ترتّبت على هزيمة الحسين بن علي بن الحسن المثلث في فخ، نتائج مهمة في ما يخص وضع مراكز الثقل الشيعي الزيدي، فقد استطاع الأخوان يحيى وإدريس، ابنا عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الفرار من أرض المعركة، ويمم الأول وجهه إلى الديلم في شمال إيران، بينما وصل الثاني إلى المغرب الأقصى.

هذه الأحداث المتسارعة تسببت في تأسيس مركزين جديدين للثقل الشيعي الزيدي في العالم الإسلامي. في الديلم، ورغم أن تجربة يحيى بن عبد الله هنالك أجهضها الخليفة العباسي هارون الرشيد وقُبض على يحيى وزج به في السجن حتى توفى عام 175هـ، فإن تلك المنطقة أضحت مهيئة ومستعدة لرواج الأفكار الزيدية، وهو ما سيتحقق فعلاً في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري مع تأسيس الدولة الزيدية في طبرستان والديلم.

أما في المغرب، فقد تمكن إدريس بن عبد الله من تأسيس أسرة زيدية حاكمة، ومن نشر عقائد وأفكار المذهب الزيدي بين قبائل أوربة الأمازيغية، فاكتسب التشيع الزيدي مركز ثقل مهم في أقصى المغرب الإسلامي.

وفي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، ظهر مركز الثقل الزيدي الثالث في اليمن، عندما استغل الإمام الزيدي الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين القاسم الرسي، حالة الاضطراب السياسي في شمال اليمن، وأسس الدولة الهادوية الزيدية التي حكمت لما يزيد عن الألف عام، بحسب ما يذكر محمد أبو زهرة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية".

من اللافت أن المراكز الزيدية الثلاثة، في الديلم والمغرب الأقصى واليمن، احتضنت المذهب الزيدي واصطبغت بصبغته لنفورها من السلطتين الأموية والعباسية، فقد مثل لها، بتأكيده على شرعية قتال الحاكم الظالم وجواز الثورة عليه، حلاً نموذجياً لتجاوز ظروفها السياسية والاجتماعية الخانقة.

أيضاً، تنبغي الإشارة إلى أن مراكز الثقل الثلاثة احتفظت بهويتها الزيدية الخالصة لوقت طويل، ولم تتأثر بمحاولات التمدد الاثناعشرية أو الإسماعيلية، بل اصطدمت معها في حالات مشهورة، مثل الصراع بين هادوية اليمن والقرامطة في شبه الجزيرة العربية، والاقتتال بين الفاطميين والأدارسة في المغرب، والتنافس على مناطق النفوذ بين إسماعيلية إيران والزيديين في الديلم.

الإسماعيلية... السلمية والمهدية والقاهرة

وقع الانفصال بين الشيعة الإمامية بعد وفاة الإمام السادس جعفر الصادق عام 148هـ. أعلن شطر منهم اتباع موسى بن جعفر، وهم الذين سيُعرفون في ما بعد باسم الاثناعشرية، بينما تبع الشطر الآخر إسماعيل بن جعفر، وسيُعرفون بالإسماعيلية، بحسب ما يذكر الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل".

وينقل فرهاد دفتري في كتابه "الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم"، أن أئمة الإسماعيلية تركوا المدينة المنورة، هرباً من التضييق العباسي، وسافروا إلى بلاد الشام، واستقروا في نهاية المطاف في مدينة السلمية، قرب حمص.

كانت السلمية مركز الثقل الأول للإسماعيليين، ومنها نشر الأئمة المستترون أفكارهم الدينية والسياسية على يد مجموعة منتقاة من الدعاة والوكلاء في شتى الأنحاء، مثل العراق واليمن والمغرب، فقد كانت جميع تلك الجهات بمثابة أطراف تابعة للإمام المقيم في السلمية.

في بدايات النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وقع تحول مهم في موازين القوى، بعد دخول حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط في الدعوة الإسماعيلية. يذكر ابن النديم في كتابه "الفهرست" أن حمدان وأتباعه ممن عُرفوا باسم القرامطة استطاعوا تأسيس نفوذ إسماعيلي قوي في الكوفة والبصرة والبحرين والإحساء.

نفوذ السلمية بدأ في التراجع أمام تصاعد قوة القرامطة في مراكزهم الجديدة، وفي نهايات القرن الثالث الهجري، انهارت مكانة السلمية بشكل كامل بعدما تركها الإمام عُبيد الله المهدي، مسافراً إلى شمال إفريقيا، حيث أسس الدولة الفاطمية.

أسس المهدي عام 308هـ مدينة المهدية التي نُسبت إليه، على ساحل البحر المتوسط، واتخذ منها معقلاً لنشر التشيع الإسماعيلي في بلاد المغرب الكبير، ولكن بعد نحو خمسين عاماً، انتقل الخلفاء الفاطميون إلى مصر، وبنوا مدينة القاهرة، واتخذوا منها عاصمة لدولتهم الواسعة.

انتقال علي بن أبي طالب إلى الكوفة وطّد هويتها العلوية-الشيعية، في مقابل اصطباغ الشام عموماً، ودمشق تحديداً، بالصبغة الأموية، بمعنى أن ارتباط الكوفة بالتشيع تأكد في سياق الحرب الأهلية
الدعم الصفوي لأصفهان وتبريز حولهما إلى معاقل سياسية وعلمية للشيعة الاثناعشرية، حاولت الوقوف على قدم المساواة مع المراكز السنية في القاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول

يمكن القول إن القاهرة في ذلك الوقت مثلت حلقة وصل رئيسة لربط مراكز الإسماعيلية المنتشرة في بلاد فارس واليمن والشام والمغرب، واكتسبت أهميتها ومكانتها من كونها مقراً للإمام الفاطمي، بالإضافة إلى أنها كانت المكان الذي قدم إليه الإسماعيليون من كل مكان لتلقي دراساتهم المُعمقة في أصول وفروع المذهب الإسماعيلي، بحسب ما يذكر فرهاد دفتري.

وعام 411هـ، حدث تطور مهم وجوهري: اختفى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، واضطر أتباع المذهب التوحيدي الدرزي الذي ظهر في نهايات عصر الحاكم كفرع متطور من المذهب الإسماعيلي إلى ترك مصر والرحيل إلى بلاد الشام حيث تمركزوا في جبل لبنان، ليصبح مركز ثقل مهم لهم، بحسب ما تذكر الدكتورة نجلاء مصطفى في كتابها "الدروز في التاريخ".

وعام 487هـ، وقع تطور آخر مهم أثّر على مراكز الثقل الإسماعيلي، وهو الانشقاق بين أبناء البيت الفاطمي على مسألة ولاية عهد الخليفة المستنصر بالله، ليتم تعيين الابن الأصغر المستعلي بالله أحمد في القاهرة على يد الوزير الأفضل شاهنشاه، بينما أيد إسماعيلية بلاد فارس والشام نزار بن المستنصر، ليظهر مركز ثقل إسماعيلي جديد في قلعة ألموت في شمال إيران، على يد الداعية الإسماعيلي الحسن بن الصباح الحميري (ت. 485هـ).

ظل الصراع بين القاهرة وألموت قائماً حتى نهاية العصر الفاطمي، عندما تحولت القاهرة لتصبح عاصمة للدولة الأيوبية السنية، بينما بقي النزاريون في ألموت يصارعون لمد هيمنتهم على المزيد من القلاع والأراضي، حتى تم غزوهم على يد هولاكو عام 654هـ.

الاثناعشرية... المدينة والكرخ وإيران

كانت المدينة المنورة المركز الأول الذي احتضن أئمة الشيعة الاثناعشرية بعد فاجعة كربلاء. استقر الإمام علي بن الحسين فيها، وكذلك كل من محمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم، ولم يتركها علي الرضا إلا بأمر مباشر من الخليفة عبد الله المأمون، ليرحل إلى إيران ويدفن في مدينة طوس عام 203هـ.

بقية الأئمة تحوّلوا ليقيموا في مدينة سامراء في العراق، حيث وضعهم خلفاء بني العباس تحت أنظارهم المباشرة، ليطمئنوا إلى ابتعادهم عن شؤون السياسة والحكم.

بعد "غيبة" الإمام الثاني عشر عام 329هـ، أصبح حي الكرخ، الواقع على الجانب الغربي من نهر دجلة في بغداد، معقلاً مهماً للاثناعشرية، بسبب ارتحال عثمان بن سعيد العمري، السفير الأول للمهدي، إليه، وقيام الكثيرين من الاثناعشرية بمتابعته وتقليده، بحسب ما يذكر رسول جعفريان.

ومع وصول البويهيين الفرس إلى السلطة في الربع الأول من القرن الرابع الهجري، تزايد نفوذ شيعة الكرخ في بغداد خاصة، والعراق بشكل عام، واستمر هذا النفوذ حتى قضى السلاجقة الأتراك السنة على الدولة البويهية في أواسط القرن الخامس الهجري.

ظل الشيعة الاثناعشرية على حالة التشرذم والضعف حتى وجدوا نصيراً سياسياً قوياً لهم في النصف الأول من القرن الثامن الهجري، عندما تحول إيليخانات المغول إلى المذهب الاثناعشري على يد العلامة الحسن بن يوسف الحلي، لتستعيد الحواضر العراقية والإيرانية مكانتها كمراكز ثقل مهمة للمذهب الشيعي الاثناعشري.

ومع تأسيس الدولة الصفوية وتحولها بشكل كامل إلى المذهب الاثناعشري في مطلع القرن العاشر الهجري، أضحت مدن تبريز وأصفهان وأردبيل مراكز ثقل شيعية مهمة، واستقطبت الكفاءات الشيعية العلمية من الكثير من الأماكن، وبالأخص من منطقتي الإحساء والقطيف في شبه الجزيرة العربية، ومنطقة جبل عامل في لبنان.

الدعم الصفوي لأصفهان وتبريز حولهما إلى معاقل سياسية وعلمية للشيعة الاثناعشرية، حاولت الوقوف على قدم المساواة مع المراكز السنية في القاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard