خط برلين-بيروت إكسبرس.. أو كيف تحقّق برلينُ أحلامنا؟

الخميس 13 يونيو 201902:39 م

9 حزيران/ يونيو 2019

شارع السابع عشر من حزيران/يونيو، شارع عريض يصل وسط برلين الشرقية بغربها، مارّاً بأكبر حديقة في المدينة وهي Tiergarten، أي حديقة الحيوان حرفياً. عام 1954 سمّى الألمان هذا الشارع البرلينيّ باسم "17 يونيو" تخليداً لذكرى الضحايا الذين سقطوا في ألمانيا الشرقية حينها على أيدي الشرطة، على إثر الإضراب والشغب الذي حصل أملاً بإنهاء النظام الشيوعي في جمهورية ألمانيا الشرقية بعد وفاة ستالين مباشرة.

شرقيّة وغربيّة، وضحايا، وخطوط تماس فاصلة، تماماً كما كان في بيروت. التقاطعات بين المدينتين وأوجه الشبه لا تجعل الأمر أكثرَ سهولة على "صوفي"، كما ويتصادف هذا التاريخ ، ١٧ يونيو، مع تركها لبيروت.

ليست برلين مدينة جذور، فمعظم سكّانها جاؤوا من أماكن أخرى؛ كلٌّ بحسب تاريخِه الشخصيّ. برلين، مدينة الأجواء المفتوحة التي تهبنا الأجنحة حين نأتي إليها، غير آبهة بما نفعله بجذورنا.

على مشارف كلّ صيف، يعود ذلك السؤال، فيتفجر ويزعزع أيَّ سكينة رعتْها شهوراً كبرعمٍ هشّ في داخلها. هذا هو الموعد السنوي الذي تزداد فيه سنوات غربتها التي يمكنها أن تقسّمها إلى ثلاث مراحل:

- الانبهار الأول بألمانيا؛ كلُّ ما فيها رائع وجميل وأفضل من بلدها الأمّ، من النظام السياسي حتى أرصفة الطرقات. تريد أن تعيش فيها، وتتمنّى أن تطول إقامتها فيها الى أطول أجلٍ ممكن. لكن أين البيت؟ ما زال في بيروت.

"إنتِ بعدك كلّك فبيروت، جسمك بس هنا"؛ تقول لها صديقتُها المصرية، عازفة الكمان في أوركسترا برلين الفيلهارمونية. تفهمها، ربما لأن بُعدها عن القاهرة ولّد في ذاتها صراعاً مشابهاً.

- بعدها بسنوات وبضع خيبات، تأتي هجمة الحنين. تريد الرجوع إلى بيروت، لكنها لم تعد. اصطدمت بمسؤوليات وارتباطات الحياة. على أعتاب الثلاثين، قالت لنفسها: أهلاً بي في عالم البالغين حيث وطأة المسؤوليات والشعور بالواجب دائماً يتغلب على المشاعر مهما كانت قوية. هي ليست هنا وليست هناك. بيتها في المسافة الفاصلة بين بيروت وبرلين معلّق في نقطة ما في الهواء لا تحسّ بوجودها إلّا في الطائرة.

لسان حالها أغنية فيروز دائما وأبداً: إذا رجعت بجنّ، وإن تركتك بشقى، لا قدرانة فلّ، ولا قدرانة أبقى" ،مع الفرق أنّها لا تخاطب حبيباً بل وطناً.

ترى صوفي برلينَ بنظارات سوداء، فالمدينة انتهت من فترة التعارف والكياسة، وأظهرت وجهها الحقيقي، العنصري أحياناً والمحدود والمتقوقع الذي لم يواكب العصر ولا الزمن أحياناً أخرى.

ترى صوفي برلينَ بنظارات سوداء، فالمدينة انتهت من فترة التعارف والكياسة، وأظهرت وجهها الحقيقي، العنصري أحياناً والمحدود والمتقوقع الذي لم يواكب العصر ولا الزمن أحياناً أخرى. العنصرية الممنهجة، في كلّ إدارات الدولة والمؤسسات الرسمية من حضانات الأطفال والمدارس الابتدائية إلى الوزارات وأرفع المناصب في الإدارات العامة. العنصرية الصارخة على مستوى الشارع والأعمال الصغيرة، والمعلبة والمكيسة بذكاء بأغلفة وردية لامعة كلّما صعدنا السلّم الى أعلى الهرم المهني والاجتماعي والسياسي.

- المرحلة الثالثة: الاستسلام أو التقبّل؛ لا يمكنها بعدُ أن تسمّيه قبولاً. تحاول أن ترى بعين العقل أنّ لكلّ مكانٍ حسناته ومساوئه. تحاول أن تقنع نفسها بأنها محظوظة حيث لديها "هنا" و"هناك". لكنّها بالواقع، هي ليست هناك؛ إنها هنا، في برلين، تمتلك قطعة من الأرض في هذا العالم، بإمكانها أن تدعوها بيتاً. قطعة صغيرة من الأرض تضع قدميها عليها بثبات وتقول: هذا لي، هذا وطني الصغير، بإمكاني أن أقف بثبات وأن أغرس جذوري عميقاً. ذلك الطفح من السلام الذي يملؤنا حين نسكن بيتاً لنا.

خمس سنوات مضت على تلك الجلسة في عيادة المحلّلة النفسية في بيروت في مكانٍ قرب البحر.

تزداد صعوبة الأسئلة والألم الذي تولده....

"قديش صعبة غربتك بألمانيا؟"؛ سؤال سألته لها المحلّلة النفسية، وهي تسحب نفساً عميقاً من سيجارتها، بطريقة تبدو باردة وحتّى ساديّة، وكأنّها تجهز نفسها بهدوء، لانفجار عواطف المتكّلمة معها، لأنه ردّ فعل قد اختبرته مراراً مع كلّ من وجّهت لهم هذا السؤال في عيادتها.

كلما واجهتْ صوفي صعوبة، صغيرة كانت أم كبيرة، تتساءل هل عليها أن تترك برلين وتعود إلى بيروت؟ في كلّ مرّة، تعود وتهدّد أسس حياتها وكلّما بنته في برلين، بالهدم.

نظرت صوفي الى المرأة أمامها غير مصدّقة أن أحداً يسألها هذا السؤالَ! سؤال يندرج تحت قائمة الأسئلة التي تُعرف ولا تُقال، بعرف اجتماعي غير مكتوب. ولكن ليس في عيادة المحللة النفسية! هنا تُسأل كل الأسئلة، وخاصة أكثرها إيلاماً.

غطّت عينيها بيديها وأجهشت بالبكاء. بكت وبكت دقائق أحسّتها دهراً، وذلك لأنها كانت محرجة من البكاء أمام امرأة غريبة. أول مرّة تبكي على كرسي المحلّلة النفسية وأمامها.

قالت لها المحللة: "إبكي، خلّي كل شي يطلع".

وأضافت: "اعملي اللي بدك إياه، بدك تسبّي، بدك تصرخي، بدك تبكي؛ اعملي اللي بدك إياه!

ـ لا أستطيع.

ـ أنت بنت مهذبة. مهذبة جداً. مطيعة لوالدتك. الفتاة المثالية في نظر المجتمع. أريد أن أسمع منك شتائمَ للوضع. لماذا لا تسبّين. أسقطي كلّ المحرمات التي فرضتها التربية عليك.أخرجي كلَّ شيء!.. قالت المحللة آمرةً ومؤنبة في آنٍ معاً.

-هذا ليس قاموسي.

ـ ضعي اسماً للألم، فالألم عندما نسمّيه، قد نشفى منه.

ـ ...... أريدُ أمي.

ـ كم كان صعباً أن يتقبّلوك هناك؟ لم يكن سهلاً أبداً أن يتقبّلك الألمان هناك. أنت الغريبة!

تعقّب المحللة.

بكاء يعقبه بكاء، كان ردّ صوفي على هذه الملاحظات .

ـ أنتِ في غربة وفي غربة باردة. ليس سهلاً أبداً ما تمرّين به. مكان صعب أن يتقبّلك لأنك هناك غريبة جدّاً عليهم. قديش إنت غريبة بالنسبة للألمان؟ ولا تجدين الدعم في غربتك. لا يدعمون وجودك هناك. فكّري من هم هؤلاء الأشخاص ولماذا؟

تضيف المحللة: أكبر الشخصيات وأكثرها نجاحاً، هم الرجال. انتبهي! معظم زبائني رجال. يأتون إليّ من الخليج ويبكون؛ من إفريقيا ويبكون؛ يأتون من أميركا ويبكون، ومن أوروبا ويبكون. نحن شعب محكوم بالغربة والألم، وكلّما ازداد النجاح وتراكمت الإنجازات، كلّما زاد الألم. كلّهم يعودون أطفالاً صغاراً على هذا الكرسي؛ يريدون الاختباء خلف أثواب أمّهاتهم؛ تلك الغلالة التي نختبئ خلفها، لو أزحناها ونظرنا إلى ذواتنا، ترى ماذا سنجد؟ ترى هل سنجرؤ على ذلك؟

تتذكّر صوفي قول طبيبة لبنانية لها في برلين ،بعد حفل تخرجّها والسهر في مكان مفتوح قرب النهر، إذ أصابتها نزلة برد قوية مع التهاب الجيوب الأنفية. قالت لها الطبيبة: ماذا لو لم يناسبك الطقس والحياة هنا؟ كيف ستعيشين هنا؟

زرعت الطبيبة هذه السوسة في رأسها، فلم تفكّر صوفي قبل اليوم أبداً إن كان جسدها قد يتأقلم مع الحياة في برلين الباردة أم لا. هي في هاتين السنتين كانت مشغولة بتحقيق أحلامها، ولم تنتبه ولم تعبأ ببرد برلين، ولم تخطر لها قطّ أفكار من قبيل أن الطقس هل سيناسبها أم لا، وأن جسدها قد لا يتأقلم مع الطقس البارد، وأنها لذلك ستمرض، ومن الأفضل أن تعيد النظر بمكان سكنها. ثم باختصار،هي اختارت هذه المدينة وهي مزهوّة باختيارها.

لقد وضعت الطبيبة، بنجاح، هذا اللّقاح السامّ في جسدها. لقاح مفاده أن جسدك المتوسطيّ غير مخلوق لهذا المكان البارد، ولذلك لا يمكنك أن تعيشي دائماً هنا.

منذ ذلك اليوم، وكلما واجهت صوفي صعوبةً، صغيرة كانت أم كبيرة، تتساءل هل عليها أن تترك برلين وتعود إلى بيروت؟ في كلّ مرّة، تعود وتهدّد أسس حياتها وكلّما بنته في برلين، بالهدم.

برلين، ماذا أعطتك برلين؟

تقول المحللة النفسية وتتابع: ما عنّفتك برلين! برلين عطتك شهاداتك، و حبّك، وأمومتك، وما عطتك الجنسيّة الألمانية كمان؟ شو هوي اللي عم بيخلليك تعيشي وجودك هونيك كتروما؟

تروي صوفي بالتفصيل، بشهيق بكاء متقطع، حكاية اختيار الحضانة لابنها، لانه ابن امرأة مهاجرة، ليصموه للأبد بإعطائه شهادة طبية كاذبة بأنه معوّق، ذو قصور عقلي، لا لشيء إلا لأن الحضانة تحصل على أموال أكثر من الدولة لدى حضانتهم لكلّ طفل معوق إضافي.

هيَ، في البدء، كانت مشغولة بتحقيق ذاتها وأحلامها وكانت ناجحة وسعيدة وفخورة بذلك.

أول مرّة رأت صوفي برلينَ من الجوّ، كان يوماً من شهر أيار، سماؤه زرقاء كابتسامة طفل أشقر لم تنبت أسنانه بعد.

برلين من السماء، خضراء كالجنّة، كاللوز الأخضر في نيسان، وسطوح أبنيتها قرميد أحمر، كشجرة العنّاب وسط حاكورتهم الجنوبية. تتذكّر صوفي مرّة وثائقياً شاهدته في طفولتها في التلفزيون عن قرى ألمانية؛ كم هي مرتّبة وجميلة وعلى صفّ واحد. السطوح كلها قرميدية مزروعة بين الأخضر والأزهار؛ جمال لا يوصف. لم تصدق عيناها أن كل ذلك الجمال الذي يشبه حكايات الجنيات يمكن أن يوجد في قرية في هذا العالم لم تحلم حتى بالذهاب إليها يوماً ما.

كانت هي تعيش في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأكثر ما كان يزعجها هو رؤية السماء محجوبة بكلّ تلك الأسلاك والشرائط الكهربائية الممتدّة بكثافة بين البنايات، والتي كانت تحرمها من الاستمتاع بمشاهدة هطول المطر. كان حلم طفولتها أن ترى المطر يهطل من السماء مباشرة الى الأرض دون أن تتعكّر الرؤيا بمشهد آلاف الأسلاك الكهربائية السوداء التي تتشابك بين سطوح الأبنية وفوق الشارع بمشهد يخدش العين المتعطشة إلى الجمال.

في القرية كانت هناك أعمدة خشبية فقط على جانب الطريق الترابي، وبين تلك الأعمدة سلك كهربائيّ وحيد، تغطّ عليه العصافير. كان ذلك رومانسياً جدّاً، ولكنّه لا عصافير تحطّ على أسلاك الضاحية.

كانت ولا تزال تحكم على جمال المواقع والأمكنة، بقدر ما تسمح هذه الأماكن بمشاهدة هطول المطر بشكل غير متقطع بين السماء وزخات المياه والأرض. والحقّ يقال، لا أسلاك كهربائية معلّقة في أجواء برلين.

شاهدت صوفي برلين لأول مرة من فوق. أخذت نفساً عميقاً، وبينما كانت الطائرة تباشر بالنّزول التدريجي، كانت ترفع نظراتها إلى الأعلى، ونحو الله، لتقول: يا ربّ، بارك هذه الأرض الجميلة والكريمة واحفظْها. يا ربّ، دعْها جميلة كما هي، لتكن موطني ومدينتي يوماً ما! أكتب لي يا إلهي أن أسكن فيها!

لم تكن صوفي متديّنة بشكل خاص، ولا حتى كانت تصلّي. ولكنها إحدى لحظات التّجلي حيث يتمنى القلب أمنية وتسمع الأقدار.

وذلك اليوم سمع الله دعاءها المعلّق بين أرض برلين الخضراء وسمائها الزرقاء.

بعد عام على هبوط طائرتها في برلين لأوّل مرة، كانت برلين قد أهدتها أوّل عمل تقوم به مع أحد مؤسساتها الثقافية؛ أول وظيفة مع الاتحاد الأوروبي؛ منحة كاملة لدراساتها العليا. في السنة الثانية منحتْها حبَّها وزواجها، وفي السنة الثالثة طفلها الأوّل. جعلتْها امرأة بشهادات عالية، كما جعلتها برلينية أصليّة وجعلتها أمّاً. يا لجمالك يا برلين، على جدارك نعلّق الأحلامَ فتتحقَّق.

ليست برلين مدينة جذور، فمعظم سكّانها جاؤوا من أماكن أخرى؛ كلٌّ بحسب تاريخِه الشخصيّ. برلين، مدينة الأجواء المفتوحة التي تهبنا الأجنحة حين نأتي إليها، غير آبهة بما نفعله بجذورنا.

برلين تنظر إلى جذورنا نظرة متعالية، وتستفزنا بقولها: أرِني قدرتكِ/ قدرتكِ على الطّيران!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard