واقع ومستقبل الأوطان العربية في أعين الكُتّاب..

الأربعاء 12 يونيو 201902:55 ص

في عام 1949 كتب جورج أوريل رائعته "1984" الرواية التي سبقت عصرها فتنبّأت بمستقبل الأنظمة القمعيّة، وكشفت عن قبح النظام الشمولي في الحكم ما دفع الحكام الديكتاتوريين لمنعها في بلادهم.

وفي عام النكسة كتب أحمد فؤاد نجم في قصيدته "ورقة من ملف قضية": يوم 25 الماضي.. إيه مشّاك عند التحرير؟ والتي اعتبرها شباب ثورة يناير بمثابة نبوءة للفاجومي، وفي عصرنا الحديث تحدّث أحمد خالد توفيق في روايته "يوتوبيا" عن انقسام يشقُّ الشعب المصري لنصفين... طبقة من الأثرياء تعيش بداخل حصونها بعيدةً عن مشاكل الطبقة الأخرى التي تفتقد الخدمات، في ظلِّ نظامٍ لا يعترف سوى بالمال، وهو ما نحن في طريقه الآن، لعلَّ تلك النماذج، على سبيل المثال وليس الحصر، تؤكّد لنا مقدرة الكتّاب على قراءة الواقع والتنبؤ بالمستقبل.

واليوم، ونحن نعيش في أوطانٍ تعاني من تقلباتٍ حادّةٍ على كافّة المستويات، ومستقبلٍ مبهمٍ بعد ثوراتٍ عصفت بالعديد منها، كان علينا أن نستعين ببعض الكتّاب العرب لنعرف منهم كيف يرون واقع أوطانهم ومستقبله، لعلّنا نجد حلولاً جذريّةً لمشاكل بلادنا العربيّة.

سوريا، مقبرة جماعية؛ السودان، صناعة الجيل الصاعد؛ فلسطين، التماسيح بين تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة؛ مصر، صراع الحكم مع العقول التنويرية- هكذا ينظر الكتاب إلى مستقبل العالم العربي

اليوم، ونحن نعيش في أوطانٍ تعاني من تقلباتٍ حادّةٍ على كافّة المستويات، كيف سيكون شكل مستقبل العالم العربي؟ هنا ما يقوله الكتاب والمبدعون عن ذلك

سوريا... مقبرة جماعيّة

يقول الروائي السوري خليل صويلح لرصيف22 "في بلادٍ تعيش الكارثة كلَّ يوم يصعب التفكير بمستقبلها بعد عشر سنوات، فالأمر يحتاج عرّافاً. ربما علينا أن نتوقّع عمق طبقات الكارثة، وهل ستتمزّق الخريطة أكثر مما هي عليه؟"

يري صاحب رواية اختبار الندم أنه على الأرجح ستنشأ كانتونات طوائف، نظراً لاستيقاظ الهويّات الصغرى، باندحار شعارات الأمس وتفتتها، تحت وطأة وقائع جديدةٍ لا تبشّر بطمأنينة.

يضيف صويلح "هذا الجسد المثخن بالطعنات يحتاج لعلاجٍ سحري للشفاء من موت محقّق".

يعترف خليل بأنه ليس طوباويّاً كي يحلم بسوريا أخرى، فالخراب ليس عمرانياًّ وحسب، إنما هو خراب روحي، وغيبوبة وعي، وتالياً، لا موعد مؤكّد للخروج من غرفة الإنعاش، طالما أن مفردة المواطنة غائبةٌ عن المعجم تماماً.

يؤكّد صاحب رواية عين الذئب أن بلاده ذبيحة في مسلخ، ورائحة عطنة تفوح في كلِّ مكان بها.

يصرّح قائلاً "لعل أقصى حالات الحلم أن نعيش هدنةً مؤقتة كي نتأمّل قوائم الموتى ونكتب المراثي".

السودان... صناعة الجيل الصاعد

الكاتب السوداني عماد البليك يوضّح لرصيف22 أنه خلال السنوات المقبلة يمكن للسودان أن يسلك طريقاً مختلفاً إلى المستقبل، باتجاه التنمية وتحقق الأمنيات، يعتمد ذلك على الوضع الراهن ومآلات الثورة السودانيّة التي استطاعت أن تُنهي حكم البشير الذي استمرّ حوالي ثلاثين سنة.

غير أن صاحب رواية دماء في الخرطوم، يؤمن بأن الحديث عن المستقبل سيكون أيضاً محفوفاً بالعديد من التحديات، لأن فكرة النظام أو الدولة العميقة وغيرها، في الحالة السودانيّة، لا تصلح لمعالجة الوضع أو فهمه.

يصيف البليك "نحن نتحدّث عن أنساقٍ مجتمعيّةٍ معقّدةٍ وطوائف وقبائل وإثنيات، كلّ ذلك سيشكّل تحدياً ما لم يتأسّس أفق الدولة الحديثة والعصريّة، بالمعنى الحرفي والصحيح، أن يكون لدينا مفاهيم حقيقيّة وتطبيقيّة للمواطنة والحريات والعدالة والمساواة. وهي الشعارات التي طرحتها الثورة السودانيّة، حرية سلام وعدالة".

يشير صاحب الأنهار العكرة، إلى أن الوضع الراهن يحدّد المسار، إذا استطاع السودانيّون مقاومة وتحييد المؤسّسة العسكريّة التي تسعى لأن تسرق الثورة لصالحها بخطابها الذي يقوم على أنها شريك في صناعة التغيير. فالمطلوب هو الانتقال لفجرٍ جديد، مؤسّساتٍ مدنيّة وروحٍ إنسانيّةٍ جديدة.

يستبشر عماد بالجانب المشرق من الثورة التي أوجدت مناخاً مختلفاً في الحياة، موضّحاً أن ثمّة أمل وروح متوثّبة تتجه إلى إبداع عالمٍ مختلفٍ عن الأمس. وهذا بظنِّه هو القيمة المركزيّة التي يمكن البناء عليها. جيل الشباب الذي صنع الثورة بالتحديد، وهم ما بين العقد الثاني والثالث وأقلّ من ذلك، هم جيلٌ معولم، استفاد من السوشيال ميديا وأطروحات العولمة والأنسنة، ويحاول أن يوجد لنفسه موقعاً في الخرائط الدوليّة، فهو يقارن ويرى ما يحصل في العالم، يرى شباباً في بلدان أخرى يصنعون ويغيرون، ويرغب في أن يشكّل صورة كفاحه وأمله.

يؤمن البليك بأن الطريق ليس بالسهل، فهناك تحديات كامنة غير المرئي منها، كما أن آلاف العقول الإيجابيّة المهاجرة، يمكن لها أيضاً أن تساعد في صياغة العقول المنتظرة، لكن قبل ذلك لابدّ من العزم المستمرّ والإرادة القويّة التي تشكّل أبرز مقوّمات الإنسان ومفردات اتجاهه نحو المستقبل.

يوجّه صاحب رواية دنيا عُدى نصيحة لشباب الثورة قائلاً: "أنت اليوم كما في أيّ لحظة، جزءٌ لا يتجزّأ من المنظومات العالميّة، سيكون عليك أن تبني التغيير على التصالح مع الذات ومع العالم أجمع، لا تتحيّز إلا لمستقبلك وعقلك وما ينفع بلدك، الأخلاقيّة المثاليّة نفسها قد تسقط ويُعاد تعريفها، كلّ القوانين السياسيّة والاقتصاديّة ستكون محطَّ اختبارٍ أمام صيرورة زمنٍ جديدٍ منتظر، صناعه الجيل الصاعد، فالخط الفاصل الآن الثوري والفاعل هو خط فاصل بين جيلين، ليس إلا".

فلسطين.. التماسيح بين تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة

تتساءل الكاتبة الفلسطينيّة أثير صفا "ما الذي أتوقّعه وقد أعلن البرتقاليّ بخفّة - بعد صلاته عند حائط المبكى - عن القدس عاصمةً لإسرائيل، والجولان جزءاً يهوديّاً خالصاً من الكيان، بإملاءٍ من اللوبي الصهيوني الذي يحكم قبضته على اقتصاد العالم، وما الذي أتوقّعه والتطبيع قائم قاعد مع الأنظمة العربيّة التي تتهم أشرافها بالخيانة! وما الذي أتوقّعه والعالم العربي يعاني إما من تخمةٍ وإما من جوع".

تعتقد صاحب رواية تغريدة أن هذا المشهد التاريخيّ العبثيّ يحتّم عليها أن تتوقّع نهايةً مأساويّةً للقضيّة الفلسطينيّة، بالذات أمام ما تشهده من عمليّة السلب والنَّسْب الثقافيّ المُمنهج الذي تقترفه إسرائيل. فكلّ ما هو فلسطينيّ نسبه اليهود لأنفسهم دون استحياء، من الآثار الكنعانيّة وحتى صحن الحمّص.

تبوح صفا بمخاوفها قائلةً: "في أحيان كثيرة أتخيّل أن مآل الفلسطينيين إلى الانقراض والاندثار كحتميّةٍ تاريخيّة، على غرار الشعوب التي ابتلعتها إمبراطوريات بائدة".

ولكنها تؤمن أن فرادة فلسطين تكمن في أيقنتها وتحوُّلها في الوجدان الإنسانيّ إلى فكرةٍ نبيلةٍ تقترن بالحقِّ والثورة والأصالة والكرامة والقيمة والمبدأ والخير الكامن في النفس الإنسانيّة، والأفكار لا تُقتلع. ولحسن حظّنا فإنّ المقابل الفكريّ للصهيونيّة هو الفلسطينيّة، إله الشرّ والظلام في مواجهة إله الخير والنور، والصراع الأزليّ بينهما.

تضيف أثير "فليبع السياسيون ما لا يُباع ويُشترى فليس على الأعمى حرج، وليُجوّع أهلُ الوفرة أهلَنا في غزة بشكلٍ سافر تمهيداً للتنازل عن أرضهم والعيش منتفخي البطون في منتجعات سيناء، ولكن حين تدقُّ ساعة الصفر فالنواقيس ستُدقّ وفي أعقابها الأعناق".

تستشهد صفا بمقولةٍ للفلسطينيين لوصف انعدام الحساسية والتأثّر: (أنا جلدي متَمْسِح من جلد التمساح السميك والخشن).

تؤكّد "وقد تَمْسَحْنا لما عشناه منذ عام 48 من ضروب الظلم والقهر والإذلال، ولمقترفيها الفضل فيما بلغناه من صلابةٍ، وصفقة القرن افترضت النعجيّة في الفلسطينيين لا التَمْسَحَه، وهنا مكمن الخلل. وليواجه كوشنر والباربي والبرتقالي مدّ التماسيح"

أما الروائي سليم البيك فيعلن أنه متشائم بشكلٍ يتجنّب الحديث عنه.

يوضح صاحب تذكرتان إلى صفورية قائلاً "يمكنك النظر إلى مآل الثورات العربيّة وإلى وحشيّة الثورات المضادّة لتكون متشائماً كفاية، ولدينا أسبابنا. على المدى البعيد أستطيع أن أقول أنّي أثق بحركة الشعوب للمطالبة بحقوقها، وهذا ما لم يتوقّعه أحد قبل انتفاضات 2010/2011".

يري سليم أن فلسطين متأثرة تماماً بالمتغيّرات السياسيّة للبلدان المحيطة، ثاني المتأثرين بكل ما يحصل في كلٍّ من سوريا ومصر تحديداً، الشقيقتان الكبيرتان والعزيزتان. ولفلسطين وضعها وتأزّماتها الخاصّة، و"صفقة القرن" التي تُحاك أميركيّاً وإسرائيليّاً وسعودياًّ، ولهذا كلّه تأثيراته الهدّامة على أيِّ تطوّرٍ لمطالب الشعوب العربيّة بما فيها الفلسطيني، مطالب مبدئيّة بالحرية والكرامة، فكرامة هذه الشعوب من كرامة الفلسطيني، وحريتها من حريته.

ومع ذلك فإن البيك يشعر بالأمل فيما يخصّ السنوات العشر القادمة، فمازال يحمل أملاً بتغيير ما، تغيير لا يأتي سوى من الشعوب، بل من فقراء هذه الشعوب ومهمّشيها، وبحراكاتها الجماعيّة.

ينهي صاحب رواية سيناريو حديثه بـ "أيّ نظرات تشاؤميّة جلبتْها لي التطوّرات السياسية الراهنة خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن، بين يومٍ وليلةٍ، أن تنقلب لتصير تفاؤلاً يملأ السماء، وذلك يتعلّق وحسب بالشّعوب ونهوضها، أيُّ نهوض عربي هو بالضرورة نهوضٌ فلسطيني. في كلِّ ذلك، أتمسّك بقوّة بفكرة الإيطالي أنطونيو غرامشي التي تقول: تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة".

مصر... صراع المؤسسة العسكريّة مع العقول التنويريّة

يحدّثنا الشاعر المصري رامي يحيى عن مستقبل بلاده قائلاً "ستسيطر المؤسّسة العسكريّة على كافّة مجالات العمل في البلاد بمختلف أنواعها، فقط سيكون هناك منافسٌ واحدٌ صغير الحجم قانعٌ بما يُترك له هو وزارة الداخليّة، وبما أن أشهر شركات المؤسّسة العسكريّة هي "وطنيّة" وبالنسبة للشرطة "أمان" فالأولى هي الشركة العملاقة المسيطرة والثانية هي الصغيرة التي تقبل بما تبقى من فتات السوق".

يتخيل صاحب ديوان بأكد جنوني، مستقبل مصر على النحو التالي: ستغطي شوارع البلاد سيارات أجرة كاكي للحركة العادية، ومموّه للمشاوير المستعجلة، وهذه السيارات فقط من سيكون لها امتياز التموين المجاني، في بنزينات وطنيّة ما سيضمن للشركة تأكل قاعدة التاكسي الأبيض، بينما ستهيمن شركة أمان على ساحة التكاتك عن طريق وضع اليد.. قانون سريع التحضير يمنح الشرطة حقَّ مصادرة أيّ مركبةٍ بدون ترخيص، عليه تصبح كافة تكاتك المحروسة تحت قبضة الشرطة، ثم يصدر البرلمان أخيراً قانوناً يحلّ أزمة التكاتك.

يضيف صاحب ديوان كلام كريم "ونقدر نقيس على كده باقي المجالات.. وصولاً إلى الباعة الجائلين التي ستكتمل عملية إزالتهم تماماً لصالح أكشاك وطنية وأمان اللي بيوفّروا المنتجات المختلفة للجمهور بأسعار زهيدة"

وعلى المستوى الخارجي-الداخلي يتوقّع يحيى أن الإدارة المصريّة ستضع تسعيرةً رسميّةً للحصول على الجنسيّة المصريّة الذهبيّة التي تضع صاحبها في مصاف رجال السلطة، وليس طبعاً المواطن العادي، كما ستفتح الباب أمام شركات الأدويّة العملاقة لإجراء التجارب على المواطنين العاديين في المستشفيات الحكوميّة، مع تحديد أسعار بيع أراضي حدوديّة أو في عمق البلاد، عن طريق التنازل السيادي أو الإيجار لمددٍ طويلة.

الروائي والباحث حامد عبد الصمد يصرّح بأنه سيجازف هذه المرة ويعتصم بحبل التفاؤل.

يوضّح صاحب رواية وداعاً أيتها السماء لرصيف22 "لن أذكّركم بمرتبة مصر المتأخّرة عالمياً من حيث جودة التعليم. لن أحدّثكم عن ملف الصحّة، ولا فساد منظومة القضاء. لن أقول إن الجهل والزيادة السكانيّة والتطرّف الديني والاستبداد السياسي، أربعة وحوش ينقضّون على مصر من أربع جهات مختلفة. فكلّ هذا معروف، وكلّ هذا يستخدمه الكثيرون كلّ يومٍ كذريعة لليأس".

ورغم ذلك يتمسّك صاحب رواية رحلة باتيست الأخيرة، بالتفاؤل، مشيراً أنه ليس من سبيل السذاجة، ولكن من باب اليقين. فاليقين أن التطوّر هو سنّة الحياة. والأمم تقف دائماً أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتطوّر أو تنقرض. ومصر من وجهة نظره غير قابلة للانقراض. مصر تحمل كل جينات وذكاءات التاريخ بداخلها. مصر مثل البحر، قادرة دائماً على تطهير ذاتها. بحسب قوله.

يعتقد حامد أن التاريخ وحده لا يكفي للتفاؤل. وأن هناك أشياءً أخرى تدعوه لذلك، ومنها: التطوّر الإيجابي في الوعي المصري، الإبداع الذي يتفجّر في كلِّ مكان بمصر وعلى كافة المستويات، أصوات البنات التي عرفت المطالبة بحقوقهن، تفشي ظاهرة الحل الفردي، فكرة تطبيق الشريعة التي باتت مرفوضة من الشارع المصري، حب المصري الفطري للفنون والفكاهية والمرح.

ولكن، هل هذا يعني أني أرى مصر خلال عشر سنوات في مصاف الأمم المتقدّمة؟ يطرح حامد على نفسه هذا السؤال، ثم يجيب "هناك صراع بين وعيين وبين جيلين بدأ إبان ثورة يناير وسيستمرّ للسنوات القادمة. صراع حضارات داخلي بين جيل المستقبل وحرّاس المعبد، بين الهوية المرنة والهوية الجامدة، بين الاستبداد والعدالة، بين حبّ الحياة وثقافة الموت. قدرتنا على خوض هذا الصراع والانتصار فيه ستحدّد مصير مصر. لذلك أعتبر اليأس جريمة والتفاؤل سلاح".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard