حكايات فنية من تاريخ الانتقام

الأحد 18 أغسطس 201908:04 م

تحاول هذه المادة أن تستعيد حضور مفهوم "الانتقام" في بعض تجلياته في تاريخ الفن، من مسرح، أدب، فن تشكيلي، أوبرا، وسينما. لكن الأمر بدايةً يتطلّب تحديد مفهوم "الانتقام"، وتمييزه عن مفاهيم قريبة منه مثل: العدالة، والثأر.

إذا كانت العدالة مرتبطة بالتوازن أو بإحقاق الحق، فإن الانتقام فعل جرمي، الانتقام إعادة الاختلال في التوازن مضاداً. الاختلال بالتوازن يقودنا للتمييز بين الانتقام والثأر. في الثأر، يكون فعل الاعتداء الثاني موازياً أو مساوياً لفعل الاعتداء الأول، العين بالعين، السن بالسن، الدم بالدم، والقتل بالقتل. في الانتقام قد لا يكون هناك تناسب بين فعل الاعتداء الأولي وبين الفعل الانتقامي، فقد يكون أحدهما أكثر قوة أو شدة من الآخر، وهذا ما يميز بين الانتقام والثأر.

الانتقام العائلي والنظام الأخلاقي

في الإلياذة، يضحّي أغاممنون بابنته، ويقدمها قرباناً بشرياً، لكي تجلب له الآلهة الريح وينطلق بسفنه لغزو اسبارطة. بعد حرب من عشر سنوات، يعود أغاممنون منتصراً إلى مدينته، فتقتله زوجته كليمنسترا، انتقاماً منه لتضحيته بابنتهما لغاياته الحربية. وفيما بعد، ينتقم الابن أوريست لوالده، ويقتل أمه كليمنسترا.

سلسلة الانتقامات هذه هي موضوعة "الثلاثية الأورستية، 468 ق.م، اسخيليوس" من المسرح الإغريقي، في الجزء الثالث منها "ربّات الرحمة"، تُعقد محاكمة الابن أوريست في أثينا، لمفاضلة أيّ الجرائم أفدح: قتل الزوجة لزوجها، أو قتل الابن لأمه؟ في النهاية، يعتبر قتل الأم مبرَّراً ومشروعاً في هذه الحالة، فيبرّأ أوريست، ومنذ هذه المحاكمة الأخلاقية يتكرّس النظام البطريركي الذكوري الذي ساهمت الحضارة الإغريقية بشدّة في تأسيسه، والثلاثية الأورستية هي المثال الأوضح على ذلك، وأفعال الانتقام هذه تساهم في طرح أسئلةٍ أخلاقية ستوثر على مسيرة الحضارة الإنسانية وفكرها.

الانتقام بإيذاء غير المذنبين 

كتب يوربيديس في 431ق.م، مسرحية "ميديا"، وميديا هي أميرة "كولشيس" التي تركت إمارتها، معارضةً إرادة والدها، لكي تتزوج من "جيسون" وتنجب منه ولدين. تبدأ المسرحية حيث "جيسون" يريد أن يتركها لأجل الزواج بـ"غلوث"، أميرة "كورنيث". تترجى "ميديا" زوجها "جيسون" ألا يتزوج من "غلوث"، وتذكّره بالتضحيات التي قدمتها لارتباطهما معاً، لكنه يصرّ على الزواج من أخرى. في نهاية المسرحية، ترسل "ميديا" للزوجة الجديدة فستاناً مسموماً، وتقتل ولديها انتقاماً من زوجها.

يقع انتقام "ميديا" ليس على من آذاها، أي جيسون، بل على من حوله: زوجته الجديدة "غولث" وولديها من "جيسون". الانتقام هنا يحلّ على ضحايا آخرين، وذلك لإيذاء الشخص المراد الانتقام منه. خرج الانتقام هنا عن ثنائية المعتدي الأول والمعتدي الثاني، ليشمل ضحيةً ثالثة تدخل في معادلة الانتقام.

الانتقام كدافع سلوكي

في مسرحية ( تيتوس أندرونيكوس، 1594، شكسبير) يبلغ الانتقام أعلى درجات العنف والوحشية، فيعتبرها النقاد من أعنف النصوص التراجيدية. (تيتوس) قائد عسكري ينتصر بعد حرب عشر سنوات، ويأسر ملكة (غلوث)، أي (تامورا)، ويقتل ابنها أمام عينيها. لكن ابني (تامورا) الآخريين ينتقمان من (تيتوس)، بإغتصاب ابنته، ومن ثم يقطعان ذراعيها ولسانها. نتابع المسرحية مع شخصية الإبنة (لافينا) مقطوعة الأذرع واللسان، كذلك تقطع يد (تيتوس)، فتحملها له ابنته بفمها لأنها بلا أذرع، وفي مشهد النهاية ينتقم (تيتوس) من (تامورا)، بأن يقتل ابنيها، يطبخهما، ثم يدعو أمهما (تامورا) إلى العشاء لتتناول أجساد ابنيها. هنا نجد مقدار العنف والوحشية ينتج عن كون الانتقام هو المحرك الأساسي والوحيد للشخصيات.

"لم أعد أعرف لماذا نقاتل، صار الثأر بعيداً، لكنني آمركم ألا تتوقفوا عن القتال،" مقولة تنسب لشخصية الزير سالم، بالاشارة إلى حرب البسوس التي شنها انتقاماً لمقتل أخيه كليب، والتي دامت 40 عاماً، ولدت في أثنائها أجيال، باتت لا تذكر السبب الرئيسي الذي قامت لأجله الحرب

الحكمة في "عدم" الانتقام

التحليل السائد لشخصية (هاملت) في مسرحية شكسبير (هاملت، 1602)، أنه المتردد، الحائر، الضعيف، الفكري العاجز عن الإقدام على الأفعال. لكن ما هو الفعل الذي لم يقدم عليه (هاملت) ويحاكم على أساسه بأنه متردد وضعيف ؟ إنه الانتقام. في بداية المسرحية يظهر ل (هاملت) شبح والده ويطلب منه الانتقام من أمه (جرترود) وعمه (كلاوديوس).

على طول المسرحية نتابع تردد (هاملت)، أفكاره الداخلية، قلقه وإحجامه، دون أن يقدم على الانتقام في نهاية المطاف، ولذلك اعتبر شخصية مهزوزة، غير قادرة على الحسم واتخاذ القرارت. لكن كيف نرى (هاملت) الأكثر حكمة، ذلك الذي يقتل أمه وينتقم، أم الذي لا يقدم في نهاية المطاف على القتل ؟ إن تحليل هذه المسرحية من زاوية الجريمة والانتقام يعيد الإعتبار إلى حكمة شخصية (هاملت) وأخلاقيتها.

الانتقام بالفن

في القرن العشرين، يعترض الرسام ( سلفادور دالي ) الذي كان أحد أبرز فناني الحركة السريالية على التقارب بين الحركة السريالية والحزب الشيوعي وأفكاره. وعلى إثر ذلك، يطرد (دالي ) من قبل الحركة السريالية، فيقدم في العام 1930 على رسم لوحته الشهيرة ( رؤوس لينين الستة على أزرار البيانو). في اللوحة رسم (دالي )، (لينين )، قائد الحركة الشيوعية في حينها بطريقة هزلية، نجد رأسه تتكرر على أزرار البيانو كنوع من الهزل. قرأ البعض في هذه اللوحة انتقاماً من قبل (دالي ) على طرده من قبل الحركة السريالية والحركة الشيوعية.

"صار الثأر بعيداً"

نعود إلى عام 494 م، حين قاد الزير سالم حرب البسوس انتقاماً لمقتل أخيه كليب بن ربيعة. كان سالم زيراً وسكيراً لاهياً فحوّله مقتل أخيه كليب، أول ملوك تغلب وبكر، إلى راغبٍ في الانتقام. استمرّت الحرب أربعين عاماً، وولدت وماتت في أثنائها أجيال، باتت لا تذكر السبب الرئيسي الذي قامت لأجله الحرب. لكن الزير سالم يرغب بالاستمرار في القتال: "لم أعد أعرف لماذا نقاتل، صار الثأر بعيداً، لكنني آمركم ألا تتوقفوا عن القتال". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard