رغم أصولهم التركيّة والشركسيّة، سلاطين وأمراء مماليك برعوا في الآداب العربية والعلوم الإسلاميّة

السبت 15 يونيو 201903:32 ص

كانت التركيّة القِبجاقيّة هي لغة الجيش والبلاط المملوكي، لأن أغلب المماليك في الدولة المملوكيّة الأولى (البحريّة) ينحدرون من قبائل القبجاق، إحدى أشهر القبائل التركيّة التي سكنت صحاري وسهول وسط آسيا، بحسب ما ذكر إحسان أوغلي في كتابه "الثقافة التركيّة في مصر".

وفي الدولة المملوكيّة الثانية (الشركسيّة) استمرّ تسيّد التركيّة بين المماليك، رغم أن الشراكسة كانوا من أصولٍ قوقازيّة، بجانب العاميّة المصريّة التي تعلّموها، فنجد قانصوه الغوري والأشرف قايتباي يقرضان الشعر بالتركيّة، واعتقد البعض أن السلطان المؤيّد، تركمانيٌّ، رغم أصله الشركسي، لفصاحته بالتركيّة.

وشاعت في المجتمع المملوكي لفظة "أغْتَمَ" تعبيراً عمّن لا يتحدّث العربيّة بفصاحة، ووصف بها سلاطين، منهم الأشرف إينال العلائي (تـ 865هـ - 1461م) الذي لم يستطع التعبير بالعربيّة عمّا بداخله من ولاية العهد لابنه، وهو يحتضر، فقال كلمة بالتركيّة وهي: "أُغلم، أُغلم"، وتعني "ابني، ابني"، ففهم الحضور أنه يوصي بولاية العهد لابنه، بحسب ما ذكر ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة".

ما سبق يُعطي انطباعاً بأن المماليك كانوا بعيدين عن الثقافة العربيّة.

ومن ناحيةٍ أخرى، شاع عن المماليك أنهم رجال حربٍ وفقط، باعتبار أنهم تربوا على ذلك بالأساس، وهم أصحاب نظرية "الحكم لِمَن غَلَب"، ما أعطى انطباعاً شعبيّاً بأنهم كانوا غير معنين بالثقافة والأدب.

شاع عن المماليك أنهم رجال حربٍ وفقط، باعتبار أنهم تربوا على ذلك بالأساس، وهم أصحاب نظرية "الحكم لِمَن غَلَب"، ما أعطى انطباعاً شعبيّاً بأنهم كانوا غير معنين بالثقافة والأدب. البحث في المصادر التاريخي يبيّن أن هذا الانطباع السائد عن المماليك ليس صحيحاً مطلقاً

حظيت العلوم الإسلاميّة باهتمامٍ في عهد المماليك، خاصّة علم الحديث النبوي، الذي برز فيه الكثيرون، والأهمّ من ذلك أن هناك سلاطين وأمراء عملوا بهذا العلم

المصادر توضّح أن الانطباع السائد عن المماليك ليس صحيحاً على إطلاقه، فرغم تركيّتهم، كانت العربيّة هي لغة العلم في مدارسهم ومؤسّساتهم التعليميّة، وكذلك كانت لغة مخاطباتهم الرسميّة.

ورغم طبيعتهم الحربيّة وجدنا منهم سلاطين وأمراء يُقبلون على العلوم والآداب، ويتعلّمون لغةً ليست لغتهم، حتى صار منهم شعراء وأدباء وعلماء في الحديث والفقه ومجالاتٍ أخرى، وتطوّر الأمر مع الأجيال التي ولدت منهم في الأراضي العربيّة، وأصبحوا عرباً في لغتهم وثقافتهم ومؤلّفاتهم، بحسب ما رصد خالد عبد الله يوسف في دراسة بعنوان: " The literati and scholars of the Mamluk Sultans and Amirs".

سلاطين وأمراء ينظمون الشعر العربي

ممن رصدهم يوسف في دراسته من السلاطين والأمراء الذين قرضوا الشعر بالعربية نذكر:

السلطان قانصوه الغوري

يقول عنه المؤرّخ ابن إياس في "بدائع الزهور": "كان يفهم الشعر، وله نَظمٌ بالتركيّة، وكان مغرماً بقراءة التاريخ والسير ودواوين الأشعار".

وكان للغوري رباعيات بالتركيّة في المجلّد الثاني من كتاب "العقود الغوريّة". وكذلك له قصيدتان وموشّحان بالعربيّة، وموشّح يمزج فيه بين التركيّة والعربيّة، أوردهم راغب الطباخ في كتابه "تاريخ حلب".

ومن أشعاره:

بالمُلْك أنعمَ ربُّنا الرحمن وهو الكريمُ المنعمُ المنّانُ

فله علينا الشكرُ حقٌّ واجبٌ يقضيه قلبٌ مخلصٌ ولسانُ

الأشرف قايتباي

من أبرز سلاطين المماليك الذين قرضوا الشعر كان الأشرف قايتبَاي (تـ901هـ - 1495م)، وعُرف عنه كتابة العديد من مصنّفات الأدب والتاريخ والعلوم الدينيّة.

يقول عنه ابن إياس: وكان لا يملّ من المطالعة في الكتب، وله أذكار وأوراد تُتلى في المساجد، وميلٌ وحبٌّ في المتصوّفة".

ووصل إلينا من نتاجه الشعري المكتوب بالعربيّة مجموعة من الموشّحات والأذكار الصوفيّة.

علاء الدين الطنبُغا

الأمير علاء الدين الطنبُغا بن عبد الله الجاولي (تـ744هـ 1343م)، يُعدّ من أبرز المماليك الذين أتقنوا العربيّة وقالوا الشعر بها.

يقول عنه ابن تغر بردي: "هو أحد فحول الشعراء من الأتراك، ولا أعلم أحداً من أبناء جنسه في رتبته في نظم القريض، اللهم إلا إن كان أيدمر المحيوي فيمكن".

وذكر له الصفدي جملة من أشعاره، ومنها:

وبارد الثغر حلو بمرشف فيه حُوّه

وخصره في انتحال يبدي من الضعف قوّة

مماليك محدّثون وفقهاء

حظيت العلوم الإسلاميّة باهتمامٍ في عهد المماليك، خاصّة علم الحديث النبوي، الذي برز فيه الكثيرون ومنهم: الحافظ زين الدين العراقي، المزّي، الذهبي، ابن حجر العسقلاني، وغيرهم.

الأهمّ من ذلك أن هناك سلاطين وأمراء عملوا بهذا العلم، كالسلطان المؤيّد شيخ الذي درس "صحيح البخاري" عن سراج الدين البلقيني (تـ805هـ - 1402م)، وأخذ منه إجازة بروايته وشرحه. كما قال عنه ابن حجر العسقلاني: "حضرنا عنده عدّة مجالس".

وكان المؤيّد يعقد مجلسي علمٍ يومي الأحد والأربعاء، يجتمع عنده جماعة من العلماء والفضلاء يتباحثون في العلوم الدينيّة، حسبما جاء في كتاب "السيف المهنّد في سيرة الملك المؤيّد" لبدر الدين العيني (تـ855هـ).

وممن اشتهر بعقد مجالس السماع أيضاً في منزله، الأمير سيف الدين تنكز الحسامي (تـ741هـ - 1340م) نائب السلطنة على دمشق، والذي كان يُحدّث بـ"ثلاثيّات البخاري"، بحسب ابن تغري بردي.

أما الأمير سنجر المنصوري (تـ745هـ - 1344م)، نائب السلطنة على حماة في عهد السلطان الصالح إسماعيل، فأجمع كلّ من ترجم له أنه سمع وروى الأحاديث، وروى مسند الشافعي، وكان يفتي وتُمهر الفتاوى بتوقيعه، وخرّج له الحافظ علم الدين البرزالي (تـ739هـ - 1338م) 40 حديثاً.

نرصد أيضا الأمير سنجر الدوداري (تـ699هـ - 1299م)، الذي تولّى منصب "مشد الدواوين" بدمشق، ثم في القاهرة، والذي سمع الكثير من المتون ورواها وحدّث بها، مثل "دلائل النبوّة" للبيهقي، و"الإشارة" في الفقه لسليم الرازي. كما روى الحديث وخرَّج له البرزالي "معجماً" في 14 جزءاً.

الأمير تَغْري بَرْمَش الجَلالي (تـ852هـ 1448م) كان نائباً للسلطان الظاهر جَقمَق، لقب بـ المُحدّث، وعرف أيضاً بالفقيه.

يقول عنه ابن تغري بردي: ولا أعلم في عصرنا من يشابهه في المماليك خاصّة؛ لما اشتمل عليه من الفضيلة التامّة من الطرفين: من فنون الأتراك وعلوم الفقهاء. ووصفه ابن حجر العسقلاني بـ "صاحبنا المحدّث الفاضل الحافظ".

المماليك وأدب الفروسيّة

بلغ المماليك ذروة البراعة في فنون القتال والفروسيّة، وفي عهدهم ازدهر التدوين في أدب الفروسيّة، فظهرت مؤلّفات باللغة العربيّة في تعبئة الجيوش، والتنظيم الحربي والتكتيك، وأنواع الأسلحة والرمي، والحثِّ على الجهاد.

ومن هذه المؤلفات "تحفة المجاهدين في العمل بالميادين"، للأمير لاجين بن عبد الله الذهبي الطرابلسي الرماح (تـ738هـ - 1338م). و"الأنيق في المجانيق" لأرنبغا الزردكاش، الذي كتبه للأمير منكلي بغا الشمسي أتابك العسكر (تـ836هـ - 1432م)، ويصف فيه أنواع المجانيق وكيفيّة استخدامها، مزوِّداً كتابه برسومات شارحة، وبالمواد التي تُصنع منها القنابل.

من تلك الكتب أيضاً "غنية المرامي وغاية المرام للمعاني"، وهو عبارة عن قصيدة كتبها وشرحها أستاذ فنّ الرماية طبيغا البكلميشي اليوناني الأشرفي.

أولاد الناس وإسهاماتهم الفكريّة العربيّة

الجيل الثاني وما بعده من المماليك، أو من كان يطلق عليهم "أولاد الناس"، وهم أولاد المماليك وأحفادهم الذين ولدوا في أراضي السلطنة، ونشأوا على اللسان العربي، وسُمّوا بأسماء عربيّة، عُرف منهم مؤرّخون وأدباء وعلماء حديث وفقه.

ومن أشهر مؤرّخيهم: يوسف بن تغري بردي، ابن أيبك الدواداري، ابن إياس الحنفي، وابن دقماق، ابن أيبك الصفدي.

وممن برز منهم في علوم الحديث والفقه: علاء الدين مُغلَطاي بن قَلِيج، خليل بن كَيْكَلدي بن عبد الله العلائي، ضيغم بن قراقسنقر بن عبد الله الداودي. وهؤلاء احترفوا العلم ولم يكن له شغل سواه.

ولكن هناك من اهتمّوا بالعلم وبرعوا فيه، جنباً إلى جنب مع مهامهم ووظائفهم السياسيّة والعسكريّة، خاصّة من كانوا من "جنود الحلقة"، وهي الفرق العسكريّة التي كان ينضوي تحتها "أولاد الناس" تمييزاً لهم عن غيرهم.

من جنود الحلقة كان أحمد بن طُوغان الأَوْحَدي (تـ811هـ - 1408م)، الذي قرأ القرآن بالروايات السبع، والقراءات العشر، وسمع الحديث من الشيوخ، وظهرت براعته في التاريخ، وكان يجمعه بصحبة تقي الدين المقريزي، وساعده في إعداد مؤلفه الضخم "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار".

منهم أيضا أحمد بن بيليك المحسني ومن آثاره نظم كتاب "التنبيه في الفقه" في الفقه الشافعي، وكان يعرض ما ينظمه على تقي الدين السبكي الفقيه الشافعي المعروف، كما وضع نظماً لكتاب "التنبيه" موسوماً بـ"الروض النزيه في نظم التنبيه". والنظم هو تحويل القواعد العلميّة إلى شعرٍ ليسهل حفظه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard