الحصون السبعة والملك الهضام: السيرة الأسطوريّة لعليّ بن أبي طالب

الأحد 23 يونيو 201903:22 ص

مما لا شكّ فيه أن شخصيّة علي بن أبي طالب قد استحوذت على مساحاتٍ واسعةٍ من التناول، في الكتابات والمدوّنات التاريخيّة والتراثيّة الإسلاميّة.

التركيز على شخصية ابن عمِّ الرسول لم يقتصر على التناول التاريخي فحسب، بل امتدَّ كذلك ليدخل في نسيج وحكاية القصص الشعبي الأسطوري، الذي يمتزج فيه الواقع بالخيال، ليصبح عليّ أحد الأبطال المؤثّرين والفاعلين في المُخيّلة الشعبيّة الإسلاميّة الجمعيّة، مثله في ذلك مثل الزير سالم وسيف بن ذي يزن وأبو زيد الهلالي.

أبو الحسن البكري: الراوي المجهول للسيرة الأسطوريّة

نُشرت السيرة الملحميّة الأسطوريّة لعليّ بن أبي طالب في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، تحت مسمّى "غزوة الإمام عليّ بن أبي طالب مع اللعين الهضام بن الحجاف في السبع حصون على التمام والكمال"، وهو الكتاب الذي نسبته الكثير من المصادر التاريخيّة لراويةٍ شبه مجهول يسمّى بأبي الحسن أحمد بن عبد الله البكري.

لم يُذكر أبو الحسن البكري كثيراً في المدوّنات التاريخيّة الإسلاميّة، حيث أحاطت به الكثير من الشكوك والتساؤلات حول حقيقة مذهبه وعصره وتوقيت وفاته.

اعتاد المؤرّخون السنّة على إطلاق الأحكام السلبيّة على البكري، حيث وصفه شمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء، بأنه "أكذب من مُسيلمة"، أما ابن حجر العسقلاني، فقد وسمه في كتابه "لسان الميزان" بـ "الكذاب الدجّال، واضع القصص التي لم تكن قط، فما أجهله وأقلّ حياءه، وما روى حرفاً من العلم بسند...".

على الجهة المقابلة، فأن الكثير من أعلام الشيعة الإماميّة قد وثقوا بالبكري، وعدّوه واحداً من بين كبار علمائهم، وإن لم يذكروا أن كتاب السبعة حصون من بين كتبه. فعلى على سبيل المثال، نقل محمد باقر المجلسي الكثير من الأخبار الواردة في كتب البكري الأخرى المشهورة، أثناء تدوينه لموسوعته المسمّاة بحار الأنوار.

كما دافع عنه السيّد محسن الأمين في كتابه "أعيان الشيعة"، ورفض وصفه بالكذب والجدل، وفسّر ذلك بأن الشيعة لم يذكروا شيئاً عن كتاب الحصون السبعة، ولا غيره من الكتب الأسطوريّة المنسوبة للبكري، بل إنهم لم يعرفوا عنه سوى كتبه التاريخيّة المشهورة، ومنها الأنوار في مولد النبي المختار، مقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وفاة فاطمة الزهراء، ولهذا يرجّح الأمين أن كتاب الحصون السبعة قد نُسب خطأ إلى أبي الحسن البكري، أو أن مؤلِّفه هو مؤلّف مجهول لا يعرفه الشيعة أصلاً.

سرديّة الرواية: بطولة عليّ وانتصاره على الحصون السبعة

 تبدأ القصّة من مسجد الرسول بالمدينة المنوّرة، عندما قَدِمَ أحد الجنّ المسلمين، ليشتكي للنبي الحروب التي يخوضوها شعبه ضدّ الجنّ الكافر بقيادة الملك الجبّار الهضام بن الحجاف. وتذكر القصّة أن جبريل أبلغ الرسول بالأمر الإلهي بأن يقوم عليّ بن أبي طالب بالسير للهضام، ليقضي على الكفر ويدعو كفار الجنِّ للإسلام.

تبدأ القصّة من مسجد الرسول بالمدينة المنوّرة، في توقيتٍ غير محدّد، عندما قَدِمَ أحد الجنّ المسلمين، ويُسمى عرفطة بن شماخ، ليشتكي للنبي من الصعوبات الجمّة التي يلاقيها قومه من الجنّ المسلمين، في الحروب التي يخوضونها ضدّ الجنّ الكافر، والذين يقودهم الملك الجبّار الهضام بن الحجاف.

بحسب ما تنقله القصّة على لسان عرفطة، فأن الملك الهضام قد اضطهد مسلمي الجن، وصنع صنماً كبيراً سماه المنيع، وصار يعبده مع قومه من دون الله، وإمعاناً في حبك تفاصيل ملَّته المُبتدعة، فأن الهضام قد صنع ناراً عظيمة وبساتين كبيرة، ليوهم الناس أن المنيع هو الإله الحق المستحقّ للعبادة، والذي يُعذّب من كفر به بجهنم، ويُجزي من آمن به بجنّته.

وبعد أن انتهى عرفطة من عرض مسألته وشكواه، تذكر القصّة أن جبريل قد نزل على الرسول، فأبلغه بالأمر الإلهي بأن يقوم عليّ بن أبي طالب تحديداً بالسير للهضام، ليقضي على الكفر ويدعو كفار الجنِّ للإسلام.

بعدها، تبدأ رحلة عليّ بن أبي طالب الملحميّة في بلاد الجان، حيث يسير ابن عم الرسول إلى منطقةٍ مجهولةٍ في أرض اليمن، ويمرّ في طريقه إلى الهضام، على سبعة حصونٍ منيعةٍ، وكان على كلّ واحدٍ منها أحد الجبابرة الكافرين التابعين لملك الجنّ، ومن هؤلاء الجبابرة: المغضب، المنتقم، الخطاب بن هند الحميري، كنعان، والهجام.

تتحدّث القصّة بشكلٍ تفصيلي عن ملابسات انتصار عليّ على أهل كلِّ حصنٍ من الحصون السبعة، وكيف استطاع أن يدعو إلى الإسلام وأن ينشره بين الجان، حتى أسلم على يديه الآلاف منهم، بل ووصل الأمر إلى دخول بعض قادة ومعاوني الهضام في الإسلام، ومنهم ناقد بن الهضام والرغداء بنت الخطاب.

من المحطات المهمّة التي تقف الرواية كثيراً أمامها لعرض تفاصيلها، اقتحام ابن عمِّ الرسول لحصن الهجام، حيث تذكر أن المسلمين قد حاصروا الحصن المنيع حصاراً شديداً، فلما استعصى عليهم، أمرهم عليّ بصناعة المنجنيق، وعلّمهم كيفيّة صناعته، فلما أقاموه ونصبوه على أسوار الحصن، جاء إبليس إلى الهجام، وعلّمه صنع منجنيقٍ مماثل، وتبادل الطرفان القذائف، حتى انتبه عليّ بن أبي طالب إلى فتحة في السور، فدخل منها مع بعض أعوانه واستولى على الحصن.

أيضاً تحكي السيرة عن فتح عليّ بن أبي طالب للحصن الأسود، وكان حصناً عظيماً لا تؤثّر في أسواره المعاول ولا المحافر، وكان صاحبه يعرف بمساور السفاك.

تحكي الرواية أن عليّاً لما قبض على أحد الحراس الذين خرجوا من هذا الحصن، عرف أن هناك علاماتٍ معيّنةً قد اتفق عليها هذا الشخص مع حرّاس الأسوار حتى إذا ما رجع من مهمته التي كُلِّف بها، أظهرها لهم فرفعوه إلى داخل الحصن، فعندها قام عليّ باستبدال ثيابه مع هذا الشخص، وأظهر العلامات التي عرفها منه، فرفعه الحرس، وبعدها سارع ابن عمّ الرسول إلى القضاء على حرس الأسوار وفتح بوّابته، فدخل جيشه الحصن.

وأخيراً، تهتمّ القصّة بعرض أحداث المواجهة الفاصلة بين عليّ بن أبي طالب ومن معه من المسلمين، والملك الهضام الذي خرج للقتال، حاشداً ما يقرب من مائة ألف من مقاتليه الأبطال والشجعان، وقد وصف المؤلّف الصدام الأخير بين عليّ والملك الهضام، بقوله "وكانت ليلة يالها من ليلة ما رأى الناس أعظم من قتالها ولا أشدّ من نزلها ولم ير مثلها على عهد رسول الله".

ويذكر المؤلّف أن المعركة قد انتهت بانتصار عليّ، وقتله للملك الهضام، وتحطيمه للصنم الذي كان يعبده، ثم رجوعه بعدها إلى المدينة المنوّرة سالماً بعد مرور أربعين يوماً على خروجه منها، حيث استقبله الرسول ومن معه من المهاجرين والأنصار، واحتفلوا بانتصاره على كفار الجنّ.

نُشرت السيرة الملحميّة الأسطوريّة لعليّ بن أبي طالب في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، تحت مسمّى "غزوة الإمام عليّ بن أبي طالب مع اللعين الهضام بن الحجاف في السبع حصون على التمام والكمال"، وهو الكتاب الذي نسبته الكثير من المصادر التاريخيّة لراويةٍ شبه مجهول يسمّى بأبي الحسن أحمد بن عبد الله البكري.

تذكر رواية رحلة علي بن أبي طالب الملحمية على لسان الرسول قوله عندما اختار عليّاً لمهمة إخضاع جيش الجنّ الكفّار "أنا أبعث إليهم رسولاً، وهو خليفتي ونقمتي على أعدائي"، وهو القول الذي يعكس المبدأ الشيعي الإمامي الذي يقوم على أن عليّاً هو الخليفة الحقّ المُختار لقيادة الأمّة بعد الرسول.

نجد في السيرة الأسطورية لـ عليّ بن أبي طالب والحصون السبعة، تقاطعاتٍ عدّةً مع بعض قصص الخوارق والمعجزات المشهورة، التي وردت في الكتب المقدّسة، سواء في العهدين القديم والجديد، أو في القرآن الكريم.

علمٌ ربّاني وشجاعةٌ لا توصف: الجانب الأسطوري في الرواية

شهدت قصّة عليّ والحصون السبعة، تقاطعاتٍ عدّةً مع بعض قصص الخوارق والمعجزات المشهورة، والتي وردت في الكتب المقدّسة، سواء في العهدين القديم والجديد، أو في القرآن الكريم.

من أهمّ تلك التقاطعات، ما ذكرته الرواية من أن عليّ بن أبي طالب لما خرج من المدينة في بدايات رحلته، قد لحق به أحد المنافقين ويسمّى ورقة بن خصيب، وطلب منه أن يصاحبه في رحلته، ولكن عليّ اشترط عليه ألا يسأله عن أي شيء، فوافق ورقة، ولكنه سرعان ما يستنكر على ابن عم الرسول في ثلاث مواقف، فيشرحها عليّ له.

تتشابه تلك السرديّة بشكلٍ واضحٍ مع قصّة موسى والخضر الواردة في سورة الكهف، وهي تحمل دلالاتٍ قويةً لمسألة معرفة عليّ بن أبي طالب بالعلوم الباطنيّة والخفيّة، غير الظاهرة، وهو الأمر الذي يساهم في صياغة الصورة الملحميّة الأسطوريّة لعليّ.

ثاني تلك التقاطعات، هو ما ذكرته الرواية من موقف عليّ مع الأسود التي لاقاها في طريقه، وكيفية تخلّصه منها، وهو الأمر الذي يتشابه مع قصّة إلقاء النبي دانيال في جُبِّ الأسود الواردة في سفر دانيال في العهد القديم.

أيضاً من المهمّ الإشارة إلى أن عدد الحصون التي مرّ عليها عليّ في رحلته، كان ذا دلالةٍ رمزيّةٍ مهمّة، فالعدد سبعة -كان منذ القديم- حاضراً في معظم القصص الإعجازيّة والأسطوريّة، وارتبط في الكثير من الأحيان بالأسرار الدينيّة المقدّسة.

أخيراً، فأن أخبار الشجاعة الإعجازيّة لعليّ بن أبي طالب، والتي تجلّت في أوضح صورها، في قتاله لأربعة آلاف جنّي كافرٍ في معركةٍ واحدة بحسب ما تذكر الرواية، تتشابه إلى حدٍّ بعيد مع السيرة البطوليّة الأسطوريّة لبعض من شخصيات التاريخ القديم، من أمثال شمشون الجبّار، الذي تحدّث سفر القضاة عن فتكه بألف فلسطيني دفعةً واحدة في أحد المعارك، والبطل الإغريقي الأسطوري أخيل، الذي أسهب الشاعر اليوناني هوميروس في وصف أخبار بطولاته في ملحمته الذائعة الصيت والمسمّاة بالإلياذة.

الصبغة الشيعيّة الإماميّة: البُعد المذهبي في الرواية

على الرغم من الطابع الأسطوري الذي صيغت به قصّة حروب عليّ بن أبي طالب والحصون السبعة، فإننا نستطيع أن نلاحظ الصياغة المذهبيّة الواضحة فيها، والتي تجلّت في الكثير من المواضع، بحيث تؤكّد على أن هذه الرواية قد ظهرت في بداياتها، كاستجابةٍ إبداعيةٍ داخل الوسط الشيعي الإمامي، ثم انتقلت مع مرور الوقت من داخل أُطر الحيّز المذهبي الضيّق، إلى فلك المخيّلة الشعبيّة الرحبة.

من الأدلّة على الطابع الشيعي الإمامي الذي انطبعت به القصة، أنها قد ذكرت أن جبريل لما نزل من السماء على الرسول، أبلغه بإرسال عليّ بن أبي طالب تحديداً لقتال كفار الجنّ، ووصفه بـ "أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب...".

هذا الوصف لا يستقيم مع الاعتقاد السنّي التقليدي، والذي يذهب إلى أن عمر بن الخطاب كان أوّل من لُقِّب بهذا اللقب، وأن ذلك قد تمّ في فترة خلافته الممتدّة من 13-23ه، بواسطة مجموعةٍ من المسلمين الذين لقّبوه بهذا اللقب.

ولكن، وعلى العكس من ذلك، فأن تسمية جبريل لعليّ بأمير المؤمنين، تتفق تماماً مع الاعتقاد الشيعي الإمامي، والذي يذهب إلى أن عليّاً قد مُنح هذا اللقب من السماء، وأن الرسول قد ناداه به في حياته.

في السياق نفسه، فأن الرواية قد ذكرت على لسان الرسول قوله عندما اختار عليّاً لتلك المهمة الصعبة "أنا أبعث إليهم رسولاً، وهو خليفتي ونقمتي على أعدائي"، وهو القول الذي يعكس المبدأ الشيعي الإمامي الذي يقوم على أن عليّاً هو الخليفة الحقّ المُختار لقيادة الأمّة بعد الرسول.

ومما يتماشى مع ذلك، ما ذكرته الرواية من أن الرسول لما أرسل عليّاً في بداية الرحلة، قال "من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، والى الله من والاه، ونصر الله من نصره، وخذل الله من خذله"، وهي المقولة التي تذكر المدوّنات الحديثيّة صدورها يوم غدير خُمّ بعد حجّة الوداع، والتي يذهب أغلبية الشيعيّة الإماميّة إلى أن فيها دليلاً صحيحاً لا يقبل الإنكار أو الاشتباه على خلافة عليّ للرسول.

ومن الإشارات المذهبيّة الشيعيّة الواضحة في الرواية، الحرص على تسمية عليّ بن أبي طالب بالإمام في الكثير من المواضع، والاهتمام بذكر تفاصيل شجاعته وبطولاته التي لا يصدّقها عقل، ولا تخضع لمنطق.

أيضاً توجد بعض الإشارات الثانويّة، والتي تبين البُعد المذهبي للرواية -وإن وردت بطريقةٍ غير مباشرة- ومنها أن الرسول قد كلّف كلّاً من سلمان الفارسي وعمار بن ياسر تحديداً، بالقيام لدعوة المسلمين للصلاة الجامعة، لإخبارهم بقصّة عرفطة، ومن المعروف أن سلمان وعمار يشغلان مكانةً مهمّةً ومتميّزة في المقاربة الشيعية الإمامية على وجه الخصوص، حيث يُنظر لهما على كونهما من أعظم شيعة الإمام عليّ بن أبي طالب، وعلى أنهما -مع أبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود- ركنين من الأركان الأربعة، الذين وقفوا مع ابن عمّ الرسول وقت محنته وساندوه في المطالبة بحقّه في تقلّد منصب الخلافة بعد وفاة الرسول.

من الإشارات غير المباشرة أيضاً، ما اخُتتمت به الرواية من التأكيد على أن رحلة عليّ لبلاد الجنِّ قد استمرّت أربعين ليلة، حيث أتى ذلك في سياق عقد المشابهة والمماثلة بين ابن عمِّ الرسول والنبي موسى عندما قام بالغياب عن قومه لأربعين ليلة ليتسلّم الشرائع والألواح العشر من ربّه، وذلك بحسب ما ورد في سورة الأعراف "وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً".

ويتسق ذلك الربط مع التماهي بين منصبي النبوّة والإمامة في العقل الشيعي الإمامي، كما يتسق أيضاً مع الاتجاه الشيعي الذاهب إلى تأويل النصوص، فإذا كان النبي موسى قد تغيّب عن قومه لأربعين ليلة في سبيل استلام الشريعة الإلهيّة، فإن الإمام علي قد تغيّب عن قومه للمدّة نفسها لإقامة حدود تلك الشريعة ولدعوة الجنّ الكافر إلى الإسلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard