كحلٌ من الرصاص وأحمر شفاه من الخنافس: كيف برع المصريّون القدماء في فن الإغراء والإثارة؟

الثلاثاء 11 يونيو 201907:50 م

صحيح أن الألغاز التي تُحيط بعالم المصريّين القدماء كثيرةٌ، إلا أن المستحضرات والوصفات التجميليّة التي كانوا يستخدمونها ليست سريّةً على الإطلاق.

وفي حين أن المكياج يعتبر ظاهرة حديثة، فإن مستحضرات التجميل التي نستخدمها اليوم حظيت بنفس الأهمية في العالم القديم، بحيث كان الرجال والنساء يلجؤون إليها في حياتهم اليوميّة، لمنحهم الجمال وإبعاد العيون الشريرة عنهم.

من الكحل الأسود الكثيف وظلال العيون المشبعة، وصولاً إلى أحمر الشفاه اللامع، برع المصريّون القدماء في مجال التجميل، وتفنّنوا في ابتكار المستحضرات التجميليّة التي تحوّلت اليوم لصناعةٍ مربحةٍ تحقّق مليارات الدولارات.

فكيف ساهمت إبداعات مصر القديمة في تشكيل مفهومنا للجمال والإغراء؟

رمز الإغراء

في العصور القديمة، لم يكن المكياح حَكْراً على النساء فقط، فمنذ الحقبة الأولى للإمبراطوريّة المصريّة، كان الرجال والنساء من جميع الطبقات الاجتماعيّة يستخدمون الكحل وظلال العيون وأحمر الشفاه بشكلٍ متساوٍ.

وقد ارتبط الإغراء والجمال في الحضارة المصريّة القديمة، بالطريقة التي كانت تظهر بها الملكتان الأشهر في تاريخ الفراعنة: كليوباترا التي أسرت قلوب الرجال بجمالها الساحر، و"جميلة الجميلات" نفرتيتي، التي كانت حريصةً على جمالها وشكلها الخارجي أكثر من حرصها على الحياة، بحيث اعتمدت إطلالتها بشكلٍ أساسي على ظلال عيونٍ مشبعةٍ وكحلٍ أسود كثيفٍ مصنوعٍ من الرصاص السام.

في العصور القديمة، لم يكن المكياح حكراً على النساء فقط، فمنذ الحقبة الأولى للإمبراطورية المصرية، كان الرجال والنساء من جميع الطبقات الإجتماعية يستخدمون كحل العيون وظلال العيون وأحمر الشفاه بشكلٍ متساوٍ

وفي تقريره، أكّد موقع "سي أن أن" أنه على مدى السنوات الطويلة استمرَّ سحر كليوبترا ونفرتيتي يشعُّ، ومع الوقت تحوّلتا إلى أيقونةٍ في عالم الجمال، ومثالٍ يحتذى به على الدوام، ففي العام 1963، أعادت الممثلة البريطانيّة إليزابيث تايلور تعريف الناس بالإطلالة المصريّة الأنيقة، حين جسّدت شخصية كليوباترا في فيلمٍ ملحمي يحمل اسمها، وفي العام 2017، ظهرت النجمة "ريهانا" على غلاف مجلة "فوغ أرابيا" وهي تضع المكياج نفسه الذي كانت تستخدمه نفرتيتي.

طقوس الجمال

لم يستخدم المصريون القدماء المكياج لتحسين مظهرهم فحسب، بل كانت لمستحضرات التجميل أيضاً استخدامات عمليّة أو شعائريّة واكتسبت حتى معانٍ رمزيّة.

فقد أخذ المصريّون عاداتهم الجماليّة على محمل الجدِّ، والمصطلح الهيروغليفي لخبير التجميل مشتقٌ من كلمة "sesh"، التي تعني الكتابة أو النقش، يشير إلى أن هناك حاجة إلى الكثير من المهارة لتطبيق الكحل أو أحمر الشفاه.

أما أهمّ وأجمل جلسات التجميل فكانت تحصل في مراحيض النساء المصريّات اللواتي يتمتعن بالثروة والمال، مع العلم أن الروتين التقليدي لمثل أولئك النسوة في المملكة المصريّة الوسطى (تقريباً من العام 2030 حتى العام 1650 قبل الميلاد) كان متساهلاً للغاية، بحيث كان يتعيّن على المرأة التي تريد وضع المكياج أن تجهّز بشرتها أوّلاً، سواء من خلال تقشيرها بأملاح البحر الميت، أو عبر الاستمتاع بحمّام حليب، على غرار ما كانت تفعل كليوبترا، وعليه، كانت أقنعة الوجه المصنوعة من الحليب والعسل تعتبر علاجات ذائعة الصيت، لضمان بشرةٍ ناعمةٍ وخاليةٍ من الشوائب.

أمشاط على شكل حيوانات منحوتة 3900 ق.م-3500 ق.م

لم يستخدم المصريون القدماء المكياج لتحسين مظهرهم فحسب، بل كان لمستحضرات التجميل أيضاً استخدامات عملية أو شعائرية واكتسبت حتى معانٍ رمزية

ولم يقف تفنّن النساء المصريّات عند هذا الحدّ، إذ كانت المرأة حينها تضع حبيبات البخور تحت الإبطين كمزيل عرقٍ، إلى جانب استخدام الزيوت التي تحتوي على أزهار، بغية تنعيم بشرتها.

وقد اخترع المصريّون أيضاً طريقةً طبيعيّةً لإزالة الشعر، من خلال مزج العسل مع السكّر، وهي "الخلطة" التي أحيتها فيما بعد شركات التجميل وطرحتها كبديلٍ أخفّ ألماً من الشمع الساخن.

صحن تجميلي على شكل بطة 1353 ق.م-1327 ق.م

بعد الإنتهاء من عملية إزالة الشعر وتنعيم البشرة، تقوم الخادمات بتجهيز العديد من المكوّنات والأدوات اللازمة للبدء بوضع المكياج، مع التنويه إلى أن الأدوات المستخدمة في التجميل كانت عبارةً عن تحفٍ فنيّةٍ تعبّر عن المكانة الاجتماعيّة: ففي حين أن الطبقة المتوسطة والفقيرة كانت تستخدم أدواتٍ بسيطةً، فإن جرار المكياج والعطور وإناء طلاء العيون وقوارير الزيوت الخاصّة بالأغنياء، كانت كلّها مصنوعة من مواد باهظة الثمن، مثل الزجاج أو الذهب أو الأحجار شبه الكريمة.

ملعقة تجميل على شكل امرأة في وضعية السباحة 1390 ق.م-1352 ق.م

وتزيّن ألواحَ الحجر المستخدمة لطحن المواد الخاصّة بالكحل وظلال العيون منحوتاتٌ على شكل حيواناتٍ أو آلهةٍ أو نساءٍ يافعات، كرمزٍ على الولادة الجديدة والتجدّد، كما أن عملية طحن الأصباغ والمواد الملوّنة على لوحٍ حيواني، كان يهدف لمنح مستخدمتها قدراتٍ خاصّةً للتغلّب على الأرواح الشريرة.

وعن كيفية صنع ظلال العيون، أوضح موقع "سي أن أن" أن الخادمات يخلطن مسحوق المالاكيت، وهو نوع من الأحجار الكريمة، مع الدهون الحيوانيّة أو الزيوت النباتيّة، وفي حين أن السيّدات يجلسن أمام مرآةٍ برونزيّةٍ لامعة، فإن الخادمات يستخدمن عصا العاج الطويلة، والتي يتمّ نحتها أحياناً مع صورة الآلهة حتحور، لتزيين أعين سيداتهنّ بظلال العيون، الذي يتبعه وضع خطٍّ كثيفٍ من الكحل الأسود حول العينين.

الملقط-الشفرة 1560ق.م-1479 ق.م

لهذا الجزء من الروتين أغراض عمليّة تتجاوز مسألة التجميل، إذ كان الكحل يُستخدم من كلا الجنسين، ومن مختلف الطبقات الاجتماعيّة، لحماية العينين من أشعّة الشمس الملتهبة، هذا وتستمدّ الكلمة المصريّة "لوحة المكياج" من كلمة تعني "الحماية"، في إشارةٍ إلى قدراتها الدفاعيّة ضدّ أشعّة الشمس الملتهبة أو "العين الشريرة"، كما أن المعدن السام الذي يُصنع منه الكحل والمشتقّ من الرصاص يتمتّع بخصائص تجعله مضاداً للبكتيريا، عندما يختلط بدموع العينين.

لا يكتمل المكياج الكلاسيكي من دون اللمسة الأخيرة التي تكمن في وضع أحمر الشفاه، والذي كان يُصنع عن طريق مزج مسحوق المغرة مع الدهون الحيوانيّة أو الزيوت النباتيّة، في حين أن كليوباترا إشتهرت بطحن الخنافس للحصول على درجة اللون الأحمر المثاليّة.

غير أن هذه التركيبات تُعتبر سامة، بخاصّة وأنها غالباً ما تُمزج بالأصباغ المُستخرجة من اليود و"البرومين مانيت"، ما قد يؤدي إلى أمراضٍ خطيرة، أو حتى إلى الموت في بعض الأحيان، ومن المرجّح أن عبارة "قبلة الموت" جاءت نتيجة استخدام مواد سامّة في مساحيق التجميل.

الجمال بعد الموت

كان المصريّون القدماء يحرصون على جمالهم حتى بعد الموت، إذ تُظهر المقابر التي تمَّ اكتشافها منذ بداية تاريخ المجتمع، أنه كان من الشائع بالنسبة إلى المصريين أن يضعوا في قبور الرجال والنساء والأطفال المقتنيات التقليديّة، مثل الأمشاط والمراهم المعطّرة والمجوهرات ومستحضرات التجميل.

ويتمّ ربط الجمال بالمصريين القدماء نتيجة استخدامهم المفرط لأدوات التجميل في التحنيط وأقنعة الموتى، فبدلاً من تصوير الملامح الحقيقيّة للأشخاص، صوّرت الأقنعة التي كانت تصنع للموتى المتوفين وهم شباب، يتمتعون ببشرةٍ ناعمةٍ وعيون مكحلة.

ويمكن القول إن طقوس التحنيط كانت تسير على نفس المنهج الذي يتبعه المصريّون الأحياء في العناية ببشرتهم في حياتهم اليوميّة، حتى أن الكريمات التي تُستخدم لتنعيم البشرة اكتسبت أهميةً دينيّةً عند دهن الجسم بها.

باختصار يبدو أن المصريّين من كلا الجنسين، قد بذلوا جهداً كبيراً من أجل إبراز جمالهم الخارجي وتحسين بشرتهم، سواء كان في الحياة التي عاشوها على الأرض أو حتى في الممات، فكانوا المحرّكين الأساسيين لصناعة مستحضرات التجميل ومصدر إلهامٍ كبيرٍ لفنِّ الإثارة ومعايير الجمال التي وصلنا إليها اليوم، ومع ذلك لا بدّ من القول بأن الجمال نسبي و"يكمن في عين الناظر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard