لماذا "لا يُمكن" للأمّ في عالمنا العربي أن تكتئب ما بعد الولادة؟

الاثنين 10 يونيو 201903:40 م

الاكتئاب الذي يصيب الأم بعد وضع مولودها ليس بالاكتشاف العلمي الحديث. لكن في عالمنا العربي يُعتبر هذا من الموضوع من التابوهات، أي لا يجب أن نتكلّم عنه، فهو يتعلّق بالمرأة وحالتها النفسيّة والجسديّة، لذلك، لازالت بعض المجتمعات تسعى إلى إخفائه أو تجاهله.

منذ بداية البشريّة والمرأة تعاني.الأمّ التي عاشت في الكهوف والخيم هي نفسها الّتي عاشت في البيوت والقصور الفخمة. كانت تعاني بصمتٍ، كانت تخجل أن تعترف بأنها حزينة، فقد أخبروها أنها ستكون في قمّة سعادتها عندما ترى مولودها للمرّة الأولى.لا نستطيع بطبيعة الحال أن نشمل كلّ الأمهات، فالبعض منهن لا يُصَبن باكتئاب ما بعد الولادة، ولكن في نفس الوقت لا يمكننا بعد اليوم أن نتجاهل النساء الّلواتي عانين ويعانين من هذه الحالة.

يمكن أن تتسبّب ولادة الطفل في إثارة خليطٍ من المشاعر، بدايةً من الإثارة والفرح مروراً بالخوف والقلق. ولكنها أيضًا يمكن أن تؤدّي إلى الاكتئاب.

يمكن أن تتسبّب ولادة الطفل في إثارة خليطٍ من المشاعر، بدايةً من الإثارة والفرح مروراً بالخوف والقلق. ولكنها أيضًا يمكن أن تؤدّي إلى الاكتئاب.

تتعرّض العديد من الأمّهات الجدد للإصابة بالكآبة النفسيّة بمرحلة ما بعد الولادة، ما يؤدّي عادةً إلى تقلّب المزاج ويسبّب نوباتٍ من البكاء غير المفهوم ،بالإضافة إلى القلق والصعوبة في النوم.

تبدأ الكآبة النفسيّة عادةً في أوّل يومين عقب الولادة، ويمكن أن تستمرّ لمدّة تصل إلى أسبوعين. ولكن قد تستمرّ هذه الحالة مدّة غير محدّدة إن لم تتمّ معالجتها.

وفي حالاتٍ نادرة، قد يظهر اضطرابٌ مزاجي شديد يسمّى ذهان ما بعد الولادة.

أسباب هذا النوع من الاكتئاب متعدّدة، منها التغيّرات البدنيّة الّتي تصيب الأم خلال الحمل وبعده. فهي تقضي حياتها تتبع حمياتٍ غذائيّةً لتحافظ على رشاقتها، بغية إرضاء المجتمع والعريس المنتظر، فيتغيّر كلّ شيء عندما تحمل.

المرأة أسيرة لهذا الحمل الذي يؤثّر على شكلها الخارجي، كما هي أسيرة هذا الطفل الذي تراه للمرّة الأولى. سيغيّر هذا المولود الجديد حياتها، وتفاصيل يومها.سيسجنها لفترةٍ من الزمن، سيغيّر طريقة تفكيرها وتصرّفاتها.

يُعتبر اكتئاب الأم بعد الولادة في عالمنا العربي من التابوهات، أي لا يجب أن نتكلّم عنه، فهو يتعلّق بالمرأة وحالتها النفسيّة والجسديّة، لذلك، لازالت بعض المجتمعات تسعى إلى إخفائه أو تجاهله.

لا يمرّ الأب بكلّ هذه المراحل، فهو لن يتغيّر جسمه، لن يشعر بالخوف والذنب. كما أنّه لن يتفهّم شعور المرأة بالاكتئاب، وكنتيجةٍ لذلك لا يتفهّم ما تمرّ به الأم وقد يعتبرها مقصّرةً في واجباتها تجاه طفلها.

عندما تنظر الأم في المرآة بعد وضعها لمولودها، فهي لا ترى نفسها كما كانت، خاصّةً المرأة العربيّة، فهي تتحمّل أعباءً إضافيّة. هي الأم والزوجة، المبتسمة دائماً وهي التي تساعد زوجها على مواجهة أعباء الحياة، من دون أن يساعدها أحد.

لا يمرّ الأب بكلّ هذه المراحل، فهو لن يعاني جسدياً، لن يتغيّر جسمه، لن يشعر بالخوف والذنب طوال اليوم. كما أنّه لن يتفهّم شعور المرأة بالاكتئاب، وكنتيجةٍ لذلك لا يتفهّم ما تمرّ به الأم وقد يعتبرها مقصّرةً في واجباتها تجاه طفلها. فقد تربّى وتأدلج على فكرة أن الأمومة غريزة، ولا يمكن للمرأة أن تحزن أو تصاب بالاكتئاب عندما ترى مولودها للمرّة الأولى.

من هنا تبدأ رحلة العذاب بالنسبة للمرأة، فهي تريد أن تكون أمّاً مثاليّة، تودّ أن تغمر طفلها وتشعر بالسعادة، لكنّها لا تستطيع، فتلجأ إلى إخفاء مشاعرها وكَبْتِ أحاسيسها، فتبكي لوحدها ولا تعلم لماذا تبكي.. لماذا تشعر بالحزن.. أصبحت أمّاً وبالتالي عليها أن تفرح، هكذا أخبروها، هكذا علّموها.

أزال الغرب وصمة العار عن اكتئاب ما بعد الولادة، فمتى يقوم العالم العربي بالاعتراف بوجود هذه الحالات، ليؤمّن أخصائيّين يساعدون المرأة على الخروج من هذه الحالة؟

لحسن الحظّ، أصبح هناك في الدول الغربيّة رقماً طارئاً تستطيع الأم أن تتّصل به لتتحدّث مع أخصائيّين في هذا المجال. أناس يتفهّمون حالتها ولا يحكمون عليها ولا يتّهمونها بأنها أم فاشلة.

أزال الغرب وصمة العار عن اكتئاب ما بعد الولادة، فمتى يقوم العالم العربي بالاعتراف بوجود هذه الحالات، ليؤمّن أخصائيّين يساعدون المرأة على الخروج من هذه الحالة؟

أعتقد أن المرحلة الأولى تكمن في التربية والتوعية، المرحلة الثانية تكون في تقبّل ما تمرّ به الأم، وعدم الحكم عليها واتّهامها بأنها تضخّم الموضوع وبأنها فاشلة. كيف ننهض كمجتمعاتٍ ولا زلنا نحصر دور المرأة في الإنجاب وتكوين أسرة؟ من دون أن نراعي ما تمرّ به من تغيّراتٍ جسديّةٍ ونفسيّةٍ جرّاءالحمل والإنجاب..

عندما تنظر الأم في المرآة بعد وضعها لمولودها، فهي لا ترى نفسها كما كانت، هي لم تعد نفس المرأة، خاصّةً المرأة العربيّة، فهي تتحمّل أعباءً إضافيّة. هي الأم والزوجة والعشيقة، هي المبتسمة دائماً، هي التي تساعد زوجها على مواجهة أعباء الحياة، من دون أن يساعدها أحد.

تحمل الأم العربيّة فوق أكتافها عبء مجتمعٍ كاملٍ يعتبرها أيقونةً للشرف والتضحية، أمّا اكتئاب ما بعد الولادة فهو مجرّد سخافة اخترعها الغرب ونساؤه اللواتي لا يمثّلن الوجه الحقيقي للأمومة، لا يضحين من أجل أزواجهن وأولادهنّ، لا يكبتن مشاعرهنّ لإرضاء مجتمعٍ ذكوري يواصل ابتكار القنوات لقمع المرأة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard