عبد الباسط الساروت... حزن وغضب يختصران حكاية ثورة بعظمتها وعاديتها وأخطائها

الأحد 9 يونيو 201912:59 م

في السادس من يونيو الحالي، انتشرت الأخبار حول إصابة عبد الباسط الساروت خلال معارك ريف حماه الشمالي التي كان يُشارك فيها كقائد عسكري في "جيش العزة"، أحد فصائل "الجيش الحرّ". لم يصمد الساروت كثيراً بفعل إصابته البالغة، حتى نعاه رفاقه ومحبوه "شهيداً جميلاً على جبهات حماه".

"بلبل الثورة"، "حارس الثورة"، الأيقونة والرمز، ألقاب حملها الساروت، حارس المرمى في "نادي الكرامة الحمصي" سابقاً، واستعادتها منصات التواصل الاجتماعي بعد موته. شارك روادها فيديوهات وصوراً للساروت، تُذكّر بأغانيه الشهيرة، بأناشيده الثورية، بشعاراته وكلماته التي حرّكت الساحات، وبقَسَمه الشهير في مدينته حمص والذي وعد فيه بعدم التخلي عن الثورة حتى الموت.

وبينما جرت العادة أن تنعى الثورة من يرحلون عنها، بدا غياب الساروت كنعوة للثورة، أو أقله كتذكير قاطع بحجم خساراتها، وبفقدان أحد رموزها الحقيقيين، القلائل، الذين لم يركبوا موجتها بحثاً عن جاه أو وجاهة.

صورتان للساروت اختصرتا حياة الشاب الذي أثار موته حالة عارمة من الحزن بين رواد مواقع التواصل، بقدر ما أثار الانقسام، إذ ثمة من شكّك بـ"أحقيّة هؤلاء بذاك الحزن" مستعيداً مواقف للساروت تُدينه.

في الأولى، يظهر الساروت بالألوان وهو يفتح يداه في الهواء حيناً، يرفع قبضة واحدة حيناً آخر، كمن يريد احتضان الفراغ أو إمساكه لملئه بحبّه لسوريا كما يراها، وبأناشيده الثورية الحماسية التي كان يشعل بها التظاهرات الأولى للثورة، والتي تحولّت إلى علامة فارقة للثورة السورية في كل مدنها وقراها من الشمال إلى الجنوب.

من أغانيه "جنة جنة يا وطنا"، "حرام عليك"، "يا يمّا ثوب جديد"، وآخرها في مايو الماضي كانت "سوريا ضلي واقفة".

بهذه الصورة، أصبح الشاب الواعد رياضياً رمزاً للثورة السلميّة، مع أيقونة أخرى جسدتها الممثلة الراحلة فدوى سليمان، وقبلهما حمزة الخطيب ورائد الفارس وباسل شحادة وآخرين ضدّ النظام السوري ورئيسه بشار الأسد.

في الثانية، يُدير الساروت ظهره. في منطقة وعرة، يظهر بالأسود والأبيض يحمل رشاشاً. حمل الساروت السلاح عندما أُجبرت الثورة على التعسكر، لم يعد إطلاق الشعارات كافياً، فبدأ إطلاق النار بالتزامن مع أغانيه وكلماته التي بقي متمسكاً بها حتى النهاية.

قُتل شقيقه وليد عام 2011، ومحمد عام 2013، ثم أحمد وعبدالله عام 2014 بحسب الأخبار التي تداولتها المعارضة السورية.

قاد التظاهرات الشهيرة في حيّ البيّاضة في حمص، وشارك في عدد من التظاهرات الكبرى في بابا عمرو والخالديّة. قاد تشكيل ما سُمّي بـ"شهداء البياضة في حمص"، وقال في فيديو نشره على مواقع التواصل "نحن كتيبة شهداء البياضة لا ننتمي لأي فصيل ولا ننتمي لأي مجلس ولا ننتمي للإئتلاف ولا ننتمي لأي تنظيم ولا ننتمي لأحد. هدف هذا التشكيل مقاتلة النظام حتى آخر قطرة دم".

صعد نجمه مع فيلم طلال ديركي الشهير "العودة إلى حمص والذي وثّق تراجيديا التحول من رياضي لا يعرف السياسة ولا القتال إلى ثوري سلمي ثم إلى مقاتل.

بعد خروجه من حمص مُجبراً، سرى كلام عن مبايعته لتنظيم "داعش"، أنكر ذلك ثم اعترف أنه فكّر بالأمر باعتباره "القوة الوحيدة القادرة على قتال الأسد"، وتحدث آخرون عن حاجته للحصول على الدعم المالي والعسكري والغذاء بعد الطرد.

استخدم نظام الأسد ومؤيدوه مسار الساروت العسكري لمهاجمته باعتباره مجرّد إرهابي آخر، كما رصد النظام مكافأة لمن يقتله أو يحضره حياً. كان الساروت كذلك هدفاً لـ"جبهة النصرة" التي هاجمت عناصر كتيبته وقتلت عدداً منهم، هرب إلى أرياف حمص، ثم اعتقلته "هيئة تحرير الشام" عام 2017 قبل أن تخلي سبيله. ظهر عام 2018 جنوبي إدلب، وبدا أنه انضم لـ"جيش العزة".

كانت الشعارات التي أطلقها الساروت في مواقف مختلفة عن الشيعة والعلويين وإبادتهم سبباً للهجوم عليه بينما استعاد المعترضون على الاحتفاء به تلك المواقف ليهاجموا من حزن عليه مذكرين بمواقفه الطائفيّة والمتطرفة.

ردود الفعل على موت الساروت تؤكد ما كان قد تكرّس خلال السنوات الماضية. تحوله إلى بطل شعبي، وبطبيعة الحال مثير للجدل. ليس لصفات خارقة غير موجودة فيه، بل لبساطة شخصيته وصدقها، لجرأته في وقت غلب فيه الخوف، لبقائه حين غادر كثر، لصدق نواياه حين أصاب وحين أخطأ ثم حين أعاد حساباته.

كان نموذجاً لسوريين كثر أرادوا الحرية والكرامة من دون أن يكون لديهم خبرة سياسيّة أو وضوح في الرؤية والنظرية. لم تحركهم الحسابات السياسية ولا المشاريع والأيديولوجيات، لكن انعدام الخيارات كان الدافع لمواقف عديدة حوكموا وحوسبوا عليها لاحقاً، بعدما سقطوا في فخها.

بقي الساروت وفياً لأناشيده وأفكاره، مُشبهاً بذلك كثراً عايشوا التراجيديا السورية بكل قهرها وخساراتها وتضحياتها، لكن لم يكن لكثر شجاعة الساروت بالبقاء على عهده بما آمن به، وهي شهادة لا بدّ منها سواء اتفقنا مع خياراته أم لم نتفق. 



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard