ابن كلّ الأمهات السوريّات وأحلامنا.. وداعاً يا الساروت

السبت 8 يونيو 201904:55 م
Read in English

يحرقني صوت أمي. تقول عبر الهاتف كأن الفقيد الذي تحدّثني عنه يشبه ابناً لها، شخصاً عزيزاً تعرفه، تعرف خطوط يده وجلده الأسمر وتنهيدات صوته. كأنها ألبسته يوماً حذاءً وسارت معه جنباً إلى جنب إلى مدرسته، كأنها وقفت بجانبه حين كان يفوز في مباريات كرة القدم، وهتفت باسمه عالياً: "عبد الباسط يا حلو!". أمي عرفته من دون أن تشاركه كل هذا، عرفته كأمٍّ وكامرأةٍ حمصيّة وكمتابعةٍ لمجريات ما يحدث لوطنها الجريح في بدايات ثورته، من الشاشات ومكبّرات الصوت الصادحة عبر يوتيوب، عرفته من ثورتها: الثورة التي ذهبت إلى مكانٍ آخر. حتى لو ارتضى عبد الباسط، هذا الشاب الأسمر صاحب الصوت الشجي أن يتعاطف ويتواطأ مع راياتها السوداء يوماً، ويعدّل لاحقاً، هاتفاً من جديدٍ لثورته ضدّ الظلم، كأن الظلم وحده يشدُّ عصبه ووتره إلى القتال حتى النفس الأخير.

ابن كل السوريات

أمي لا تعرفه حقّاً، كأمهاتٍ سوريّاتٍ أخريات أحببنه وأحسسن اليوم بفقدٍ شديد، هذا الفقد كما وصلني عبر سماعة الهاتف، نديّ وصادق عبر صوتها المحزون. تخبرني عن حزنها الذي سيكبر كشجرةٍ في حديقة خساراتها، هي التي تجاوزت السبعين عاماً، ولن تر، ربما مرّة أخرى، مدينتها حمص. المدينة التي كانت سوقنا ومرتع صيفنا ومتعتنا ومنبت ثورتنا. أمّي الحمصيّة التي خسرت اليوم كما خسر كلُّ أولاد ثورتنا الأم سورية، صوتهم: عبد الباسط الساروت.

 الساروت يُقتل ويستشهد لفكرةٍ هي أكبر منه، عرفها وأحسّها حين خرج يوم آذار 2011، صادحاً: "جنّة، جنّة، جنّة، يا وطنا جنّة، يا وطن يا طيب، والله يا وطنا، حتى نارك جنّة".

تخبرني عنه كأنه أقرب لها من يدي أنا الذي صرت بعيداً. يحرقني صوتها وهي تقول إنه استشهد. وكلمة شهيد بالنسبة لديبة أمي، كلمة تفوق معناها الديني والروحاني والدلالي. هي كلمة تعني خسارةً أكبر منها ومن حبِّها لثورة أهلها وثورتنا الأم، سورية. أمي المنحدرة من حمص، ومن قلعة الحصن، وابنة طرابلس التي عاشت فيها حياتها وتزوّجت فيها وأنجبتنا، لم تمت حمص يوماً في قلبها، ولم تبعدها رحلات الأهل عن حمصها العديّة. كانت رغماً عنها تعود إلى أصوات أهلها ولهجتهم الحمصيّة، من خلال عبد الباسط الساروت، وسيلتها يوماً إلى الحنين والذكريات، بعد أن أحزنها سقوط حمص بيد الديكتاتور. أمي التي تروي لي بصوتٍ شديد الحزن، كم كان صوت هذا الشاب الصادح يجعلها تحلم بمدينة عائلتها وشقيقتها وأحياء لا تزل راسخة في ذاكرتها.

صوت الحرية

كان صوت عبد الباسط الحرّ، يعبر إلينا نحن أولاد طرابلس، أولاد الأمهات السوريّات، خافقاً، يجعلنا نؤمن أن الحريّة التي ينادي بها ناسُنا في حمص، هي حريتنا أيضاً، حريتنا من نظام قتلنا وقاتلنا، نظام عبث بمدينتنا طرابلس، وترك ذئابه يوماً تنهش شبابها. هذا النظام الذي سيطارده صوت الساروت كلّ يوم وإلى أبد الآبدين: ثورة يا وطنا. حين كانت هذه الثورة ولا تزل ثورتنا، من كلِّ أطياف سورية وحين كان الساروت برفقة فدوى سليمان، يقفان معاً: سنّي وعلوية، كي يقولا للأسد أن هذه الثورة أكبر من "تطييف" بذرتها كما أشاع شبّيحته. حتى لو انجرّ يوماً هذا الشاب إلى تيّارات متطرّفة، هو الذي كافح وسيكافح بصوته وبارودته النظامَ الذي قتل أشقاءه ودمّر بيته وسرق منه أحلامه كلها. باعثاً رقّةً تنقصنا اليوم في عالمٍ متوحّشٍ، رقّة تشبه أوتاره التي وزّعها علينا وعلى إيماننا بالحرية، وإيماننا بالخروج من النفق.

يحرقني صوت أمي. تقول عبر الهاتف كأن الفقيد الذي تحدّثني عنه يشبه ابناً لها... كأنها ألبسته يوماً حذاءً وسارت معه إلى مدرسته، كأنها وقفت بجانبه حين كان يفوز في مباريات كرة القدم، وهتفت باسمه عالياً: "عبد الباسط يا حلو!".

كان صوت عبد الباسط الحرّ، يعبر إلينا نحن أولاد طرابلس، أولاد الأمهات السوريّات، خافقاً، يجعلنا نؤمن أن الحريّة التي ينادي بها ناسُنا في حمص، هي حريتنا أيضاً، حريتنا من نظام قتلنا وقاتلنا، نظام عبث بمدينتنا طرابلس، وترك ذئابه يوماً تنهش شبابها. 

يستشهد الساروت حتى لو أراد البعض ألّا يمنحه هذه الصفة، فهي بالنسبة لأمهاتٍ سوريّاتٍ شهادة، كما شهداء كثر قُتلوا أثناء التعذيب أو الهرس أو تحت القذائف وخلف نيران الأخوة والأعداء، وتحت الطيران أو تنشّقوا الكيماوي.

جنة، جنة، جنة

يستشهد الساروت حتى لو أراد البعض ألّا يمنحه هذه الصفة، فهي بالنسبة لأمهاتٍ سوريّاتٍ شهادة، كما شهداء كثر قُتلوا أثناء التعذيب أو الهرس أو تحت القذائف وخلف نيران الأخوة والأعداء، وتحت الطيران أو تنشّقوا الكيماوي. الساروت يُقتل ويستشهد لفكرةٍ هي أكبر منه، عرفها وأحسّها حين خرج يوم آذار 2011، صادحاً: "جنّة، جنّة، جنّة، يا وطنا جنّة، يا وطن يا طيب، والله يا وطنا، حتى نارك جنّة". وبالفعل كانت نار هذا البلد والمحرقة السوريّة جنّة له، أراد أن يختم حياته فيها وبجبهاتها جمعاء. قاتل مع الجميع ضدّ الأسد، حتى أنه قاتل مع الداعشيين وناصرهم مرّة، ثم خلعهم وناصر آخرين.

هذه قصّة جمعيّة لمآلات مأساةٍ كبرى تُدعى سورية، مأساة جمعيّة لأحوال سوريين هتفوا ضدّ نظام القتل والوحشية والدمار. وهم يأملون بكرامةٍ وعزّة.

عايش الساروت كلّ تحوّلات هذه الثورة وتراجيديّتها، وكل مآسيها وخضّاتها وأحزانها وخرابها. حاول حتى الرمق الأخير أن يُقاتل ضدّ عدوّه الأوّل: نظام القتل والأبديّة، منذ حافظ الأب إلى بشار الابن، وآلتهم المجرمة. حاول منذ أن خرج متظاهراً عادياً إلى أن أصبح منشد الثورة ومغنّيها، وقائد حراكها باللحم الحيّ، ضد رصاص الشبّيحة في حمص، ثم مقاتلاً على جبهاتٍ عدّة، تاركاً لكلِّ التحوّلات أن تجذبه وتجاذبه، محاكياً كلّ الصدمات واللغويات العصبيّة منها والطائفيّة وغيرها، حاملاً كلّ الجراح في أوقاتها العصيبة والمدمّرة، في لحظات فَقْدٍ وخساراتٍ وهزائم وانتصارات صغيرة. سار في دروب عدّة حتى لو لم نكن يوماً نؤيّده بها، لأنه آمن أنه يريد أن يحارب وجهاً واحداً لمأساة سوريا: نظامها. أراد أن يُسقط هذا النظام، منذ أن صدح "يسقط يسقط النظام"، إلى حين حمل سلاحه في كتيبته التي قادها إلى حين وصوله إلى ريف حماه الشمالي، حيث أصيب وحيث مات وعينه على الحرية.

هذه ليست قصّةً حزينةً نهايتها نهاية بطل شجاع. أنها قصّة جمعيّة لمآلات مأساةٍ كبرى تُدعى سورية، مأساة جمعيّة لأحوال سوريين هتفوا ضدّ نظام القتل والوحشية والدمار. وهم يأملون بكرامةٍ وعزّة.

وداعاً أيها الساروت، وداعاً لهذا الصوت الحنون في آخر نهداته: جنّة، جنّة، جنّة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard