شاي وأكلات شعبية في "مدينة الرَّماد"... سافروا معنا إلى بنغلاديش

الثلاثاء 11 يونيو 201902:05 م

عندما كُلِّفت بالسفر إلى بنغلاديش لحضور معرضٍ دولي في العاصمة "دكَّا"، تصفّحتُ مواقع الإنترنت للحصول على بعض المعلومات عن هذا البلد، لكن المعلومات المتاحة كانت قليلةً جداً، وغير مُبشِّرَة بالخير، فأغلب المعلومات تدور حول الزّيادة السكّانيّة، وتردِّي الأوضاع المعيشيّة، والفقر، والتلوّث.

في الحقيقة لم أجد معلوماتٍ تسرُّ الخاطر، ولكن على كلّ حال عليّ الذهاب.

السفر إلى بنغلاديش للمصريّين يتطلَّب استخراج تأشيرة. قمت بالبحث في الإنترنت عن عنوان السفارة، وذهبت إلى هناك، ومن الطريف أنَّني وبعد أن سلّمتُ كلَّ الأوراق المطلوبة، وأعطاني الموظف إيصالاً لاستلام جواز سفري يومَ غد، وبعد أن خرجتُ من السفارة بحوالي 10 دقائق، دقّ هاتفي الجوّال، وكان الاتصال مفاجئاً لي؛ لقد كان من قنصل بنغلادش السيد "شفيق الرحمان"، فسألني إن كنت مازلت قريبة من السفارة، فأخبرته أنني مازلت في نفس الشارع الذي تقع فيه السفارة، فطلب مني العودة لأنه يرغب في الحديث معي.

وعلى الفور رجعت إلى السفارة ثانيةً، وسألتُ عن مكتب القنصل، وكان السيّد في انتظاري.

الشاي.. المشروب الوطني

استقبلني السيد القنصل استقبالاً حارّاً، وطلب لي كوباً من الشاي، وأخبرني أنَّ الشاي هو المشروب الوطني لبنغلاديش، وكانت أوّل معلومة أحصل عليها عن هذا البلد. وسألني عن سبب سفري، فأجبته أنه حضورُ المعرض الدولي للنسيج الذي سيُقام في "دكّا". كان سعيداً للغاية، وعرض عليّ مساعدته، حينها شعرتُ بالفرح لأنني أخيراً وجدتُ الشخص المناسب الذي يستطيع أن يزوّدني بمعلوماتٍ حول البلد، وعن بعض الأماكن لزيارتها.

بنغلاديش مكان مثير للاهتمام، وليس مكلِفا، والشعب خفيف الظلّ، مبتسم دائماً. ستحظون هناك بالعديد من الصداقات بسهولة، وربما هذا ينسيكم جوَّها الحارّ وسماءَها الملوّثة.

وبالفعل أعطاني كلّ المعلومات اللازمة، وكُتيّباً سياحيّاً عن البلد. كانت بادرةً لطيفة منه، وبدأتُ أنسى ما قرأته على الإنترنت.

كُتيِّب السفير

سافرت إلى بنغلاديش، وفي الطائرة بدأتُ أتصفّح الكتاب الذي أعطاني إياه سيادة السفير، وكانت الصفحات الأولى عن تاريخ بنغلاديش؛ إنها كانت جزءاً من الهند حتى 1947، العام الذي حصلت الهند فيه على استقلالها من الحكم الاستعماري البريطاني، وقسمت شبه القارّة إلى الهند وباكستان، ما أدّى إلى أكبر أزمة هجرةٍ في التاريخ.

انتقلت العديد من الأُسر الهندوسيّة من باكستان إلى الهند، والمسلمة من الهند إلى باكستان، حتى وصل عدد اللاجئين إلى 14 مليوناً.

عُرفت بنغلاديش عندذلك باسم "باكستان الشرقيّة"، وكانت تُحكم من إسلام آباد في باكستان الغربيّة، وهو أمر لم يحظَ بشعبيّةٍ لدى العديد من البنغلاديشيين.

في عام 1971، قاتلت بنغلاديشُ، بدعمٍ من الهند، باكستانَ، من أجل الاستقلال، وثمّ أصبحت بلداً مستقلاً.

يبلغ عدد سكّان بنغلاديش 140 مليوناً نسمة، يعيش 14 مليوناً منهم في العاصمة "دكّا"، لكن هذا العدد يتزايد كلّ يوم بسبب سكّان الريف الذين يأتون إلى العاصمة بحثاً عن عملٍ أكثر ربحاً من العمل في الزراعة.

سماء رماديّة

وأخيراً وصلتُ مطار "حضرة شاة جلال" الدولي في السابعة صباحاً. يقع المطار على بعد 13 ميلاً من وسط المدينة. لم تستغرق إجراءات ختم الجواز واستلام الحقائب أكثر من بضع دقائق، خرجت بعدَها من المطار.

الشوارع مكتظّة بالناس، والجوّ حارّ جداً. على الرغم من أن مناخ بنغلاديش استوائي موسمي، والجوّ من أكتوبر إلى مارس يكون معتدلاً، إلا أنه كان حارّاً جداً حين وصلت.

المطبخ البنغالي يشبه المطبخ الهندي في كلّ شيء، عدا فارق واحد ، وهو أن أغلب الهندوس نباتيّون. أما البنغلاديشيون ولأنهم غالباً مسلمون، فطعامُهم يحتوي على اللحم والأسماك.

السماء لونها رمادي داكن، ولذلك أطلق عليها "المدينة الرماديّة"، وقد نصحني السائق ألّا أفتح زجاج السيارة لأن الهواء في الخارج ملوّث.

كانت السيارة مكيّفة لكن التكييف لم يجدِ نفعاً مع الحرارة الشديدة. ثم بتلقائيّة قال السائق: سوف تعتادين مع الوقت.

كان الفندق يبعد عشر دقائق فقط من المطار، وقد استقبلوني في الفندق استقبالاً حارّاً، وكان الناس ودودين للغاية. ولأنني كنت في بداية اليوم لذا قرّرتُ أن أخرج لرؤية أبرز معالم المدينة التي قرأت عنها في الكتيب.

معبد هندوسي ومسجد

قرّرت أن أتبع الأماكن الموجودة في الكُتيّب الذي أحمله معي، وأسير بإرشاداته، فزرتُ أوّلاً حصناً يسمّى حصن "لالباغ"، وهو حصنٌ مغولي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، معروف باسم "أورانجاباد"، ويطلّ على نهر "بوريجانجا" في الجزء الجنوبي الغربي من المدينة القديمة.

وعلى مسافة كيلومتر ونصف من حصن "لالباغ" يوجد معبد "دكيشواري"، المعبد الرئيسي للهندوس في "دكّا". واسم "دكيشواري" يعني "آلهة دكّا". تاريخ بناء المعبد غير معروف بالتحديد، وقصّته غامضةٌ أيضاً، ويوجد العديد من الأساطير حوله؛ فيقال مثلاً إنه بُني في القرن الثاني عشر على يد "بالال سين" ملك سلالة سينا؛ كما يُقال إن مدينة "دكّا" سُمّيت على اسم هذا المعبد. وتقول إحدى الأساطير إن زوجة الملك "بيجوي سين"، ذهبت إلى "لانغولبوند" للاستحمام، وأثناء عودتها أنجبت ابنها "بالال سين"، وبعد صعوده إلى العرش بنى هذا المعبد لتمجيد مسقط رأسه.

وعلى بُعد حوالي خمس دقائق من معبد دكيشواري يوجد مسجد "خان محمد ميرزا"، والذي تمّ بناؤه من قبل أحد النبلاء، واسمه "خان محمد ميرزا"، ويرجع تاريخ بنائه إلى عام 1704-1705، والمسجد يشبه قلعة "لالباغ" من حيث البناء، فهو مبني على منصّةٍ عاليةٍ، يبلغ ارتفاعها 5.8 متر عن مستوى الأرض.

تحت المنصّة توجد غرف مقبّبة من جميع الجوانب، باستثناء الجانب الشرقي، والتي كانت تستخدم لأغراض المعيشة، وفي الجانب الشرقيّ يوجد درج من 25 "سُلمة"، ينتهي ببوّابةٍ بمحاذاة المدخل المركزي للمسجد، ومن خلال هذه البوّابة يمكن الصعود إلى قمة المنصّة.

من المسجد اتجهتُ إلى "إحسان منزل": قصرٌ ورديٌّ يعود تاريخه إلى عام 1872. بنى القصرُ "نوّاب عبد الغني"، وهو أحد المعالم الأثرية الشهيرة في بنغلاديش. كان في السابق القصرَ الرسميّ لعائلة "دكّا نواب" وهو حالياً بمثابة متحفٍ يعبّر عن ثقافة وتاريخ المنطقة.

أثناء سيري في "دكّا" لاحظتُ أن أغلب النساء لا يرتدين الحجاب، والغالبية العظمى منهنّ يرتدين "السلوار"، وهو عبارة عن بنطلون فضفاض، ووشاح يوضع على الصدر أو فوق الرأس.

يشكّل المسلّمون الأغلبيةَ في بنغلاديش، كما يوجد بها عددٌ كبيرٌ من الهندوس في جميع أنحاء البلاد، وعددٌ متزايد من المهاجرين من ميانمار، قبل وبعد أزمة الروهينجا الحالية.

ولا تستطيع أن تفرّق بين البنغالي والهندي، فكلاهما يرتديان نفس الثياب وملامحهما واحدة، حتى أن المطبخ البنغالي يشبه تماماً المطبخ الهندي في كلّ شيء، عدا فارق واحد بينهما، وهو أن أغلب الهندوس نباتيون، أما البنغلاديشيون ولأنهم غالباً مسلمون، فإن طعامهم يحتوي على اللّحم والأسماك.

أكلات شعبية في بلد الأنهار

لعلّ أفضل تجربةٍ في السفر هي تجربة الطعام المحلّي، ولذلك قرّرت أن أدخل أحد المطاعم المحليّة للتعرّف على الأكل البنغلاديشي.

سألتُ النادل عن الطبق التقليدي في بنغلاديش، فأخبرني أنه سمك "الهلسا"، ولم أستغرب لأن الأسماك وفيرةٌ في بنغلاديش، فهو بلد مليئ بالأنهار، كما أن هناك قولاً شائعاً لديهم: "الأسماك والأرز يصنعان بنغاليا".

وكانت وجبتي للغذاء طبقٌ من الأرز المبخّر مع سمك "الهيلسا" المتبّل بخليطٍ مكوّن من الكركم والفلفل الحارّ قبل قليِه، والمطهوّ ببطءٍ على نارٍ خفيفة، وكان مذاقُه جيّداً.

إن كنتم من محبّي التسوّق فلتكن بنغلاديش وجهتَكم الأساسيّة، فالملابس هناك رخيصة جداً مقارنة بجودتها.  

أما الإفطار فعادةً ما يتألّف من خبز" الروتي" أو "الشاباتي" المصنوعين من دقيق القمح والمقليين في الزيت أو السمن، ويقدّم غالباً مع الزبدة، وخبز الـ"باراتا" المحشي بالبطاطس والخضار، ويقدّم وحده؛ و"الدال" وهو عبارة عن عدس وبازلاء مجففين، يُغليان ثم يُتبَّلان بالتوابل وهو طبق يشبه الحساء السميك.

النمور البنغالية

من أبرز معالم رحلتي إلى بنغلاديش كانت زيارة "سوندر بانز" Sundarbans وهي على بُعد حوالي 242 كم من "دكّا"، موطن النمور البنغاليّة والعديد من الحيوانات المهدّدة بالانقراض.

قضيتُ يومين رائعين في "تايجر رور ريزورت"، بين الاستمتاع بالسَّفاري في الغابات، ورؤية أشجار المانغروف الجميلة، وزيارة منطقة Piyali، البلدة الصغيرة ذات المناظر الخلّابة على الطريق المؤدّي إلى منتزه سندربان الوطني، والإبحار عبر الغابة الكثيفة المتصلة بالعديد من الأنهار المتدفّقة مثل "ماتلا" و"بيضاري".

ويوجد نوعان من القوارب، كبيرة الحجم وصغيرة، مكيّفة وغير مكيفة. وتوقيت رحلات السفاري بالقارب تبدأ من الساعة 8:30 صباحاً حتى الساعة الرابعة مساءً.

ملابس بنغاليّة

ربما إذا فحصتم خزانة ملابسكم، سوف تجدون قطعةً على الأقلّ من ملابسكم مكتوبٌ عليها "صنع في بنغلاديش". فبنغلاديش ثاني أكبر مصدّر للملابس في العالم بعد الصين، وسادس أكبر مورّد ملابس إلى الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وموطنٌ لأكثر من 5600 مصنع للملابس، فحوالي 60٪ من الملابس المعروضة في الأسواق الأوروبية تُصنع في بنغلاديش.

وإن كنتم من محبّي التسوّق فلتكن بنغلاديش وجهتَكم الأساسيّة، فالملابس هناك رخيصة جداً مقارنة بجودتها.

ربما تكون بنغلاديش، سياحيّاً، وجهةً ليست جيّدة للبعض، لكنها مكان مثير للاهتمام، وليست مكلفة، وشعبها خفيف الظلّ، مبتسم دائماً. في بنغلاديش سوف تحظون بالعديد من الصداقات بسهولة، وربما هذا ينسيكم جوَّها الحار وتلوَّث سمائها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard