ما هو تأثير الأمّ على ابنتها في بحثها عن الحبّ والحبيب؟

الجمعة 7 يونيو 201906:31 م

ما الذي يدفع المرأةُ للاستمرار في علاقة حبٍّ أو زواج، تتعرّض فيها للإهانة والذلّ، رغم أنها تمتلك من المقوّمات الدراسيّة والماديّة والثقافيّة أحياناً، ما يساعدها على الانفصال وإعادة بناء حياتها من جديد، لوحدها أو مع شريكٍ آخر؟! ولماذا هناك نوع من النساء اللواتي يخترن دائماً الرجل "الخطأ"، وما إن يخرجن من علاقةٍ مدمّرة حتى يدخلن في أخرى مشابهة، وربما أكثر سوءاً من الأولى؟!

لماذا هناك نوع من النساء اللواتي يخترن دائماً الرجل "الخطأ"، وما إن يخرجن من علاقةٍ مدمّرة حتى يدخلن في أخرى مشابهة؟

هذه الأسئلة تجيب عن جزءٍ منها دراسةٌ، كنت قد اصطدمتُ بها قبل أيام، بعنوان: "لماذا تكافح بنات الأمّهات غير المحبّات من أجل العثور على شريك؟"، والمقصود شريك حياة، وقد نُشرت الدراسة في مجلة Psychology today الأمريكية في أبريل 2018.

وفي إجابةٍ على الأسئلة أعلاه، إنها الأمّ غالباً ومع الأسف. العلاقة المتوتّرة مع الأمّ في مرحلة الطفولة والطفولة المبكّرة هي التي تنتج فتياتٍ لا يستطعن بناء علاقةٍ سليمةٍ مع الرجل، ولكن قبل ذلك، لا شعورياً، لا يستطعن التقرّب من الرجال اللطفاء، وغالباً ما ينجذبن لرجالٍ نرجسيين جدّاً، مسيطرين أو غير متاحين عاطفيّاً أو ربما عدائيين.

حضور الأم والعالم الآمن

من خلال العلاقة المباشرة مع الأمّ يخزّن اللاوعي كيفيّة عمل العلاقات التي تبقى مستمرّةً معنا طيلة الحياة، ومنها نتعلّم الحبّ. الأمّ التي تقوم برعايتنا والاستجابة إلى إيماءاتنا ومتطلّباتنا نتعلّم من رعايتها واهتمامها أن العالم مكانٌ آمن، لكن مع الأم "غير المُنقذة"، التي تتجاهل صراخ رضيعها وبكاءه ولا تبذل أيَّ جهدٍ لتهدئته، يحدث العكس، يشعر الرضيع أن العالم مكانٌ غير آمنٍ وليس محلَّ ثقة، وطالما أن الأم لا تستجيب له، ينغلق ويكبت عواطفه لحماية نفسه، ويشيح بنظره عن الأمِّ التي من الممكن أن تكون سبباً لراحته. الأم التي لا تكون موجودة دائماً، تُنشئ طفلاً قلقاً، متقلّب العواطف، غير قادرٍ على التكيّف مع الآخرين عند بلوغه، رغم أنه يبحث دائماً عن العلاقات الوثيقة ويخشى البقاء وحيداً.

وعندما تمضي مرحلة الطفولة والمراهقة المشبعة بالتجاهل والإهانات والاستخفاف بمشاعر الفتاة والتقليل من قيمة أفكارها، تظنُّ أنها قادرة على السير قدماً ووضع الماضي وراءها، طالما أنها ستتحرّر من التأثير اليومي للأم، وستتمكّن من إيجاد المبرّرات لما حدث، لكن كما ذكرت الدراسة أعلاه، فإن "تكلفة المضيِّ قُدُماً دون فهم تأثيرات الماضي كبيرة جداً"، لأن الفتاة التي تدرك أنها لم تكن محبوبةً من أمّها أو تمّ تجاهلها، ستبقى تأمل في الحصول على هذه المحبّة بطريقةٍ مختلفة، والعلاقة المُدَّمرة مع الأم ستطفو دائماً على السطح لتعيق تجارب الحياة اللاحقة.

البحث عمّا يُشبه التجارب المبكّرة

ليست الفتيات غير المحبوبات من أمهاتهن من يبحثن عن المألوف فقط، بل أغلب البشر يفعلون ذلك، يبحثون عن العلاقات والمواقف والأشخاص التي تشبه تجاربهم المبكّرة، كثيراً ما نسمع أشخاصاً يقولون "أحبّه/ا لأنه/ا يذكّرني/ تذكّرني بأمي أو أبي" وهذا أمر رائع إذا كان الوالد/ة محبّاً وداعماً ويجعلنا نشعر أن العالم مكان آمن، وأنه من الممكن الوثوق بالناس والاعتماد عليهم. هذه العملية غير الواعية نفسها من المحتمل أن تجعل الفتاة تبحث عن شريكٍ يجعلها تحسّ نفس الإحساس المألوف الذي اعتادته في طفولتها، لأن المألوف يسبّب الراحة عادةً، لكن في هذه الحالة لن يسبّب المألوف لتلك الفتيات أيّ راحةٍ بل على العكس.

الخوف من الوحدة هي إحدى نتائج العلاقة السيّئة مع الأم أيضاً، قد تستمرّ المرأة في علاقةٍ مع رجلٍ سيء فقط لأنها لا تتقبّل فكرة أن تكون وحيدة.

بعضهن يهربن لا شعورياً من الرجل المُحبّ الذي يقدّم الاحترام والتقدير، لأنهن تعلمنّ من الأم أو من الوالدين (لكنني أركز هُنا على العلاقة مع الأم) أن الحبّ لا يُعطى بسهولة، يجب أن يقاتلن ويبذلن جهداً للحصول عليه، (على عكس كليشيهات الأم المضحّية المتفانية والتي تعطي الحبّ غير المشروط)، هذا ما يجعل الفتاة خائفةً،  ولا تنجذب إلى الرجل اللطيف الذي يحاول اجتذابها بهدوءٍ والتعرّف على الإنسان بداخلها، قد تجده مملاً وغير مثير، وتميل لمن يعطيها الحبّ والاهتمام بسرعة.

الفتاة التي نشأت على الإساءة اللفظيّة، وتعلّمت أنها يجب أن تكون تحت السيطرة حتى يتمَّ قبولها، تغفل حاجاتها ورغباتها وتقلّل من قيمة ما يحدث لها، وتستمرّ في توجيه اللوم لذاتها، لأنها متأكّدة من كونها سيئة نتيجة التربية، وكلَّ إخفاق يعود إلى عيوبٍ في شخصيتها، ولا تثق بمشاعرها وأفكارها، لذلك تميل إلى الشخص المتلاعب والمعتدي ودائماً ما تجد له المبرّرات، لأنها تفتقر إلى نموذج العلاقة الصحيّة التي تقوم على الحبّ والاحترام المتبادل والتشاركيّة، ونتيجة خبراتها السابقة فإنها تظن أن الحبَّ غالباً ما يسبّب الألم والشعور بالخطر مع من نحبّ، لذا تتقبّل المعاملة السيئة من الشريك، وتجد مبرّراتٍ لنفسها من أجل البقاء معه، كالأطفال، العوامل الماديّة، أو لا يوجد بديل آخر.

من خلال العلاقة مع الأمّ يخزّن اللاوعي كيفيّة عمل العلاقات التي تبقى مستمرّةً معنا طيلة الحياة، ومنها نتعلّم الحبّ. الأمّ التي تقوم برعايتنا نتعلّم من رعايتها واهتمامها أن العالم مكانٌ آمن، لكن مع الأم "غير المُنقذة"، يحدث العكس.

بعضهن يهربن لا شعورياً من الرجل المُحبّ الذي يقدّم الاحترام والتقدير، لأنهن تعلمنّ من الأم أو من الوالدين أن الحبّ لا يُعطى بسهولة، يجب أن يقاتلن ويبذلن جهداً للحصول عليه.

الفتاة التي نشأت على الإساءة اللفظيّة، وتعلّمت أنها يجب أن تكون تحت السيطرة حتى يتمَّ قبولها، تغفل حاجاتها ورغباتها وتقلّل من قيمة ما يحدث لها، وتستمرّ في توجيه اللوم لذاتها.

العلاقات العاطفيّة المُسيئة

الخوف من الوحدة هي إحدى نتائج العلاقة السيّئة مع الأم أيضاً، قد تستمرّ المرأة في علاقةٍ مع رجلٍ سيء فقط لأنها لا تتقبّل فكرة أن تكون وحيدة، وبسبب قلّة ثقتها بنفسها وبقدراتها، تشعر أنها بحاجةٍ إلى شخصٍ آخر لمساعدتها والبقاء معها، حتى تشعر بالرضا عن نفسها، خاصّةً في المجتمعات التي تعامل الفتاة على أنها ناقصة بدون الرجل، وأحياناً لتثبت للآخرين الذين جعلوها تشعر أنها غير محبوبة وبلا قيمة، فتستمرّ في علاقةٍ كارثيّة لتقول لهم أن هناك من يحبّها ويريدها، رغم أن الشخص الآمن والمحبّ يمكن أن يكون قريباً منها وراغباً فيها، لكنها غير قادرةٍ على إدراكه عندما يكون بمتناول اليد، لأنها تعتقد، كما ذكرت سابقاً، أنه يجب عليها أن تبذل جهداً للحصول على الحبّ.

إذا لم تدرك المرأة أن ما حدث معها في الماضي هو سبب ما يحدث الآن، وهو ما يتحكّم في ردود أفعالها وتصرفاتها واختياراتها، ستواصل الدوران في نفس الحلقة المفرغة، ولن تستجيب بطريقةٍ صحيّةٍ لأيّ علاقةٍ، بما فيها أكثرها حميميّة، يجب عليها مراجعة تعريفها للحبّ والدعم، ربما من خلال أخصّائي نفسي أو من خلال شخصٍ موثوقٍ، أو من خلال الأسلوب التي تراه أنسب للمراجعة الذاتيّة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard