"بئر برّوطة"؛ زمزم القيروان وقبلة المريدين

السبت 8 يونيو 201904:26 م

تقول الأسطورة إنّ شخصاً فقد خاتمه في بئر زمزم في الجزيرة العربية وعثر عليه في "بئر برّوطة" في القيروان، لذلك كثيراً ما نسمع تلك الجملة التي تقول إنّ ماء "برّوطة" هو "زمزم القيروان".

وتقول أسطورة أخرى إنّ "بروطة" هو اسم الكلبة السلوقية التي عادت إلى جيش الفتح ورجلاها مبلّلتان بالطين بعد أن عطّشوها وأطلقوها كي تبحث عن منبع للماء، وهو ما حدث حيث عادتْ ودلّت الجمع على مكان الماء فحفروا البئر التيي تمّت تسميتها في البداية بـ"بئر روطة" ثم تحوّل الاسم في مرحلة أخرى إلى "بئر برّوطة".

ويرجّح البعض أن كلمة "برّوطة" مكونة من حرف الجر (بِـ)، وكلمة "الروطة" أي العجلة، وأصل الكلمة قد يكون من اللغة الأندلسية ومن الباسكية تحديدا errota أو الاسبانية rueda بمعنى العجلة أو الطاحونة، وهي من نفس الأصل اللاتيني (rota) الذي أفرز كلمة (roue) في اللغة الفرنسية و(ruòta) في اللغة الإيطالية.

يعتبر الكثيرُ أن ماء "بئر بروطة" مبارك، وهو امتداد لماء زمزم حسب إحدى الأساطير.

ذلك أنه في بدايات القرن السابع عشر، وَفَدت على تونس جاليةٌ أندلسية هاجرت هرباً من محاكم التفتيش الإسبانية، وقد أنزلهم عثمان داي بمُدن تونسية كثيرة منها القيروان حيث بنى لهم رَبْضًا، وقد اندمج هؤلاء الأندلسيّون مع أهل القيروان بسرعة.

كما ورد في كتاب "معجم المدائن التونسية" للأستاذ أحمد الحمروني بأن البئر متأخّرة في نشأتها عن تأسيس القيروان وليست لها علاقة باختيار مكان المدينة بحكم أنّها بعيدة عن جامع عقبة ابن نافع، ولئن اختلفت الروايات والحكايات حول البئر ومائها إلاّ أنّ الأرجح أنّها تعود للقرن السابع الميلادي.

الجَمَلُ السَّاقي

أمّا اليوم فإنّ البئر بَاتَت مزارا للآلاف من التونسيين والعرب والأجانب، يتبرّك البعض بمائها ويلتقط البعض الآخر صورا أو فيديوهات للذكرى، فيما يشتهي آخرون الجلوس في المقهى الصغير بجانب البئر لاحتساء "قهوة عربية" ممزوجة بماء الزهر، تفوح منها روائح الحضارات التي تعاقبت على تونس منذ آلاف السنين.


وأنت تصعد الدرج الضيق، تصافحك روائحُ البخور ويعانقك صوتُ خرير الماء يَتصاعد من عمق البئر عبر أسطوانة خشبية (ناعورة) رُبطت بها جِرَارٌ من الفخّار، يقودها جملٌ معصوب العينين يطوف بالبئر في حركات رتيبة وكأنه راقص "باليه" يكرّر ذات الحركات منذ الأزل.

وحول هذا الجَمَل الصّبُور ثمّة مثل يجري بين الألسن يقول "مثل جمل بروطة يدخل حَواراً ويخرج أطباقاً"، أي أنه يَدخل المكان صغيراً ويَخرج منه متحولاً إلى أطباق بعد أن يُذبح ويٌوزّع لحمه على الفقراء.

كان هذا قديماً لكن الأمر اختلف منذ سنوات، حيث أصبح بالإمكان إخراج الجمل متى قرّر القائمون على البئر ااستبداله بجملٍ آخر، وهو أمر يحدث عادة كل ثمانية أشهر.

يخرج الماء من خلال الجِرار الموثوقة بالناعورة التي تدور بشكل متواصلٍ لتحمل الماءَ ثمّ تصبّه فيأخذ منه الزوّار ما شاؤوا، فبعضهم يشرب ما تيسّر وبعضهم يبلّل وجهَه ورأسَه تبرّكاً وطلباً للشفاء.

ترويض الجمل الذي يُجلب صغيراً يتطلّب وقتاً وجهداً وتدريباً حتى يصبح جاهزاً للقيام بدور "الساقي" من خلال الطّواف حول البئر لفترة زمنية محددة، ثم ينعم باستراحة ووجبة من العلف قبل أن يعودَ لعملِه في استخراج الماء.


يخرج الماء من خلال تلك الجِرار الموثوقة بالناعورة التي تدور بشكل متواصلٍ لتحمل الماءَ ثمّ تصبّه فيأخذ منه الزوّار ما شاؤوا، فبعضهم يشرب ما تيسّر وبعضهم يبلّل وجهَه ورأسَه تبرّكاً وطلباً للشفاء.

يؤكد كثيرٌ من زوّار "برّوطة" أن في مائها شفاء للناس، وأنّ من يشرب منه لابدّ أن يشفى، وأن يعود مرّات أخرى للزيارة والشرب والبحث عن البركة والشفاء.

تقول الحاجة آمنة: "أزور القيروان بين مرّتين إلى ثلاثٍ كلّ شهر، وآتي خصّيصاً من العاصمة لأزورَ مقام أبي زمعة البلوي وجامع عقبة، وأمرّ على البئر لأشربَ وأبلّل وجهي ويداي"، وتضيف: "إنه ماءٌ مبارك وفيه شفاءٌ للناس".

وهذا ما يردّده الكثيرون حيث يعتبرون أن ماء "بئر بروطة" مبارك، وهو امتداد لماء زمزم حسب إحدى الأساطير.

وفي سياق الأساطير، يؤكد كثيرٌ من زوّار "برّوطة" أن في مائها شفاء للناس، وأنّ من يشرب منه لابدّ أن يشفى، وأن يعود مرّات أخرى للزيارة والشرب والبحث عن البركة والشفاء.

مَنْ شَرَبَ مِنْ "برّوطة" عاد إليها

وتشير نبيلة وهي شابة جزائرية تزور القيروان لأوّل مرّة إنّها سمعت كثيراً عن "بئر برّوطة"، ما دفعها لزيارتهِ، صحبةَ والدتِها وشقيقها، وتقول: "في الحقيقة كلّ ما سمعته لا يضاهي سعادتي ومُتعتي وأنا أستنشق رائحة البخور وأتلمّس الماءَ الباردَ الخارجَ من الأرض.."

وتُضيف نبيلة: "كلُّ ما في هذا المكان يُوحي بالسكينة والجمال في آنٍ، ويلفّ الزائر إحساسٌ بالرهبة والحميميّة"، وختمت حديثها بقولها: "سأعود حتماً وقريباً جدّاً".

يحتلّ "بئر برّوطة" مكاناً هامّاً في قلب المدينة القديمة التي بناها المسلمون الذين أتوا فاتحين لبلاد المغرب، حيث كانت القيروان أول عاصمة إسلامية في هذه البقعة من الأرض، وجعل عقبة بن نافع من القيروان منطلقَ الفتوحات التي توالت في ما بعد، بدءًاً من الجزائر، ووصولاً إلى إسبانيا وأفريقيا.

تمّت إعادة بناء البئر في القرن الحادي عشر، ويصل عمقُها إلى عشرين متراً جوفيّة وثمانية أمتار مائية، وقد حافظت على نفس القياسات تقريباً دون زيادةٍ أو نقصان، رغم الاستهلاك اليوميّ للماء. وتتمّ مراقبة البئر والعناية بها من قِبل المسؤولين عن الصحّة بشكلٍ متواصل.

وتزخر القيروان بعددٍ هامّ من المعالم التاريخية التي مازالت تذكّر أهلَها وزوّارها بأنّها أولُ عاصمة إسلامية في بلاد المغرب، بدءاً من جامع عقبة، وصولاً إلى بئر برّوطة، مرورا بـفَسْقِيَّة الأغالبة (أهم معلم هيدروليكي في تاريخ العالم الإسلامي)، ومقبرة قريش، وأبواب السور العظيم للمدينة العتيقة بمساجدِها ودكاكينها.

ولا يمكن لزائر القيروان أن يمرّ بها مثل أيّ مدينة أخرى، ففيها سحرٌ لا يقاوم، فهي مدينةٌ عاشقة ومعشوقةٌ، سكنها الشعراء وكتبوا فيها وعنها أجمل القصائد، فكانت ومازالت مدينة عصيّة عن الوصف بما يليق بها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard