"تاج السلطنة".. ذكريات أميرة إيرانية لقارئ بعيد

السبت 8 يونيو 201907:40 م

لمَن كتبت "تاج السلطنة" ذكرياتها؟ وهل مرّ بخاطر تلك الأميرة وهي تخطّ سطورَها أن ثمة قارئاً بعيداً، في زمن آخر، مفصول عنها بعقود سيأتي ليقرأ ما دوّنتْه، ويدرك أيّ امرأة غريبة كانت!


حاز كتاب "ذكرياتي"، على جائزة ابن بطوطة للترجمة عن عام 2017-2018، وقامت بالترجمة الرشيقة والثرية الشاعرة والمترجمة الإيرانية مريم حيدري.

تكتب تاج السلطنة ابنة ناصر الدين شاه القاجاري يومياتها، لتدوّن من خلال حياتها عدة أحداث مهمة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في إيران؛ حيث دام حكم الأسرة القاجارية نحو مئة وثلاثين عاماً، أيْ حتّى عام 1925، وانتهى بانقلاب "رضا خان" البَهلَوي. إذاً إنها مذكرات كاشفة لمرحلة مهمة من حكم السلالة القاجارية، خاصة وأن كتابة السيرة لم تكن بالأمر المتداوَل آنذاك في إيران، حتّى بين الرّجال.

تذكر المترجمة في مقدّمتها أن تاج السلطنة تُعدّ الصوتَ النسائي الأساسيّ المتبقّي من العهد القاجاري في إيران، وذكرياتها هذه هي أحد المصادر المهمّة لذلك العهد.

وُلِدَتْ تاجُ السلطنة عام 1883 في طهران، وتُوفّيت عام 1936، وقد أجادت الموسيقى، والرسم، وأتقنت اللغة الفرنسية، والتاريخ والفلسفة والأدب. وكانت شخصية متمردة على قوانين عصرها. لعله من المهم لفهم هذه الشخصية العودة إلى بذور تمردها، ففي السابعة من عمرها تم إرسالها إلى الُكُتّاب لتنال قسطاً من التعليم، لكنها تمردت وتوقفت عن الدراسة بعد عامين، ثمّ في عام 1896 جرت خطوبتها لـ"حسن خان، شجاع السلطنة" ابن "محمّد باقر خان، اللواء الأكرم"، الذي عادت وانفصلت عنه بعد عدة أعوام، وأقبلت بشغف على دراسة الفنون والموسيقى واللغة الفرنسية. ربما تجدر الإشارة إلى أن ثمة نساء مثقفات من سلالة القاجار تواجدن في البلاط بين الحريم، وكان لهنّ دور مؤثر في حياة تاج السلطنة، وإن ظلت تجربتها أكثر فرادة وخصوصية بينهن.

تذكر المترجمةُ في مقدّمتِها أن تاج السلطنة تُعدّ الصوتَ النسائي الأساسيّ المتبقّي من العهد القاجاري في إيران، وذكرياتها هذه هي أحد المصادر المهمّة لذلك العهد.

تقول: "النساء الإيرانيات كنّ أعدائي في موضوع جمالِ وجهي؛ وكانت هذه العداوة تشتدّ عندما كُنّ يرينَ أن الجمال هذا ممزوجٌ بحسن السجايا واللطف والأخلاق والعادات الجيّدة. كُنتُ أرغب كثيراً في تحصيل العلم؛ وطَوالَ الليل والنهار، كنتُ أطالع كلّما سنحتْ لي الفرصة. ومن أجل ذلك، كُنتُ مُتفوِّقة على النساء والسّيّدات في الحديث والكلام، وفي الأخلاق والمعلومات، وكان ذلك قد كوّن لي كثيراً من الأعداء."

نسوية مبكرة

تظهر نسوية "تاج السلطنة" في انتقادها الجوّ الرجولي السائد في البلاط، وعدم التعقّل في ممارسات بعض رجال الحُكم. ولا تتردد في نقد سلوك أبيها وأخيها، بل وتنتقد نفسها ومراحل من الطيش في حياتها. أعجبت بنمط الحياة الأوروبية وما فيها من حرية وثقافة لاسيما خلال إقامتها في أوروبا بعد انفصالها عن زوجها، ويمكن اعتبارها نموذجاً فريداً لالتقاء الثقافتين الشرقية والغربية في شخصها.

تبالغ الاميرة الإيرانية في ربط سوء الأخلاق بحجاب النساء، وتوهم سعادة النساء الفلّاحات، إذ تعتبر أنهن أكثر حرية وسعادة من النساء اللواتي يعشن في البلاط.

طالبت الأميرةُ القاجارية بحُرّيةّ النساء والعدالة في حقّهنّ، ونزعت الحجاب ودعت إلى الاحتذاء بها. ومن المؤكد أن تاج السلطنة تمتعت بحرية داخلية كنتاج لمكانتها الاجتماعية العالية التي جلبت لها الأمان والحماية المالية مقارنة بغيرها من النساء.

لكنها تبالغ في ربط سوء الأخلاق بحجاب النساء، وتوهم سعادة النساء الفلّاحات، إذ تعتبر أنهن أكثر حرية وسعادة من النساء اللواتي يعشن في البلاط؛ ولعل هذه النظرة تكشف عن قصور في عدم إدراكها للصعوبات التي تواجهها نساء العامة، رغم ابتلائها هي شخصياً بكثير من الأحزان، خاصة بعد تجربة الإجهاض التي عرضت نفسها لها، وما نتج عنها من أزمات صحية ونفسية لمدة ثلاث سنوات.

أيضا خلال المرحلة التي كانت تشاهد فيها انهيار حكم أسرتها تقول: " الصدر الأعظم ذلك، ورجل الحكومة الأوّل، نفّذ كل شيء؛ فقد قتل أبي، وأقعد أخي في البيت، وباع حُكم إيران للأجانب".

بدأت تاج السلطنة كتابة مذكراتها عام 1914، وكان الجوّ السياسي والثقافي في إيران محتدماً في ذلك الحين، لذا يمكن اعتبار المحتوى التاريخي والاجتماعي لذكرياتها أكثر من كونه سيرة حياتها؛ فهي قد سطّرت ما كان ينبغي معرفته عن تلك المرحلة، وذكرت الكثير من المعلومات عن البلاط القاجاري، والحريم، والسنوات الخمس لحُكم أبيها ناصر الدِّيْن شاه حتّى مقتله، ونهب الخزينة والأموال من بعده، وحكم مُظفّر الدِّيْن شاه، وأحداث مهمّة، كاتّفاقيّة "روجي" أو مقاطعة استهلاك التنباك وظهور جمال الدِّين الأفغاني، مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

لقد نشأت تلك الأميرة مقربة من دائرة الحكم، وأدركت بنوعٍ من الوعي المكتسب ما يفعله الحُكام من أخطاء تؤدي بهم إلى نهايات وخيمة. تقول ساخرة ومنتقدة لحكم أبيها: "إحدى السياسات العظيمة التي كانت خطرت ببال أبي من أجل استقلال حُكمه، كانت: أن يجعل من الأشخاص الدنيئين وقليلي المعرفة مصادر وعظماء، كأنه كان قد قرأ كثيراً تاريخ (رُوالسيون فرنسا)، الذي يؤكّد على ضرورة تدمير العائلات الكبيرة واضمحلالها، ونسفِ اقتدار العلم بالجهل؛ دون أن يعرف أن الجهل ينتشر لفترة ما، ثمّ يظهر العلم بأيّ طريقة كانت، ويترك آثاره."

ويبدو أنه في مرحلة حكم أخيها ازدادت الأمور سوءاً، لذا لا تتوانى تاج السلطنة عن مهاجمة أخيها معتبرة أنه أعدّ لإيران والإيرانيّين، الخرابَ الماحق، وأنّه في كلّ يوم من حكمه كان ينسف قسماً من أُسُس هذا الشعب المسكين، ويفتح المنافذ الخاطئة لكل أنواع التعاسات.

تتوقف تاج السلطنة عند ذكرياتها مع أبيها، فتَسرد بنوع من الحزن قصة حب الملك لفتاةٍ في الثانية عشرة من عمرها، وهي أخت إحدى زوجاته، وكيف تدله بها غراما، وكانت الأخت الكبرى، زوجته، تحول بينهما. تصف كيف خيمت التعاسة على الملك للحؤول بينه وبين تلك الطفلة، مبررة ارتباط الملك بالفتاة الصغيرة بصدقِ عواطفها المندفعة، معتبرة أن: "الملوك المساكين هم أكبر التعساء في العالم، لأنهم ومنذ بدء طفولتهم، لم يروا ولم يسمعوا إلا الكذب والمداهنة."

ميزات مذكرات تاج السلطنة

لعلّ ما يميز هذه المذكرات أنها مكتوبة بلغة سلسة، ممتعة، ودقيقة في وصف الأماكن وتفاصيلها الدقيقة، والأحوال النفسية للأشخاص؛ وهذا ربما يرجع تأثيره لشغف تاج السلطنة باللغة الفرنسية وتأثرها بكتابها.

تتوقف في أكثر من موضع عند سلوك البشر وما فيه من طمع وتزلف، تحكي بغرض البوح عن وضع النساء في الحريم الملكي، مدركة مثلاً بأن تقرّب الرّجال إليها سببه السلطة والمال؛ تقول: الذين كانوا يختاروننا للزواج لأنفسهم أو لأبنائهم، كلّهم كان هدفهم الأساسيّ والأوّل هو أنفسهم، ليس إلا؛ كي تكون ابنة الملك في بيوتهم، وبسبب ذلك، يغدون أصحاب إذنٍ واختيار، ويصبح بإمكانهم الاعتداء على أموال الناس وأرواحهم ونواميسهم دون مؤاخذة."

لعلّ ما يميز هذه المذكرات أنها مكتوبة بلغة سلسة، ممتعة، ودقيقة في وصف الأماكن وتفاصيلها الدقيقة، والأحوال النفسية للأشخاص؛ وهذا ربما يرجع تأثيره لشغف تاج السلطنة باللغة الفرنسية وتأثرها بكتابها.

الجدير بالملاحظة أن هذا الكتاب الذي نُشر في بدايات الثمانينيات في طهران، بتقديم "منصورة اتّحادية"، و"سِيروس سعدوَنديان"، كان تحقيقاً لمخطوطة "رحمة الله داعي الطالقاني"، الموظّف في سفارة أفغانستان في إيران، والذي كان قد حرّر مخطوطة تاج السلطنة الأصلية عام 1924، ويبدو أن ثمة أجزاء مختفية منها لأن المذكرات تنتهي بشكل مفاجئ، وهذا غير عادي، لأن قارئ هذه المذكرات يلاحظ السلاسة في السرد، والتسلسل الزمني الذي اختارته تاج السلطنة نهجاً لكتابتها.

الملاحظة الثانية تتعلق بتقديم "منصورة اتّحادية"، و"سِيروس سعدوَنديان" للمذكرات، حيث يبدو في كلماتهما قدرٌ من التحامل على تاج السلطنة، خاصة وهي تحكي عن الطبقات العامة في المجتمع، إذ اعتبرا أن تاج السلطنة وأمثالها هنّ السبب في شقاء نساء أخريات من الشعب الفقير، وفي الحقيقة أن تاج السلطنة تنتقد بتواضعٍ جهلَها لكثير من الأمور وإسرافها هي وزوجها في التصرف بالمال ببذخ، وتؤكد أنها لم تقم بإيذاء أيّ شخص رغم أنها كانت قادرة على فعل ذلك. وتحكي بنوع من الحزن عن فكرة السعادة، معتبرة أنها غير موجودة في البشر، وإن وُجدَتْ، ففي الأخلاق والخصال الحميدة والزهد والعزلة.

الجدير بالذكر أيضاً هو وجود ملحق صور بالأبيض والأسود في نهاية الكتاب لتاج السلطنة في مختلف مراحل حياتها، وحدها، ومع بعض أفراد أسرتها. والصور كاشفة لنماذج من أزياء النساء في تلك المرحلة من التاريخ، وأنواع غطاء الرأس، وتسريحات الشعر، ويبدو جلياً في الصور تأثّرُ تاج السلطنة بالأزياء الأوروبية في الفساتين الطويلة والمزركشة التي ظلّت موضة منتشرة حتى أوائل القرن العشرين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard