تونس... هل تتنكر السلطة لتضحيات شهداء الثورة؟

الاثنين 10 يونيو 201907:38 م

رصاصة غادرة اخترقت قلب الشهيد عبد الباسط الخضراوي وأردته قتيلاً خلال أحداث القصبة-2، في 27 فبراير 2011، إبان "ثورة الحرية والكرامة" التونسية.

وقعت تلك الأحداث أثناء فض القوات الأمنية التونسية بالقوة اعتصام مجموعة من الشباب، بين 25 و27 فبراير 2011 في ساحة الحكومة في القصبة، للمطالبة بإسقاط حكومة محمد الغنوشي، آخر وزير أول في عهد نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وسقط فيها ستة شهداء وستة جرحى.

منذ فقدانها ابنها، رفعت أسرة عبد الباسط الذي لم يتجاوز عمره حين مقتله الثانية والعشرين، في مارس 2011، قضية ضد وزير الداخلية أحمد فريعة ورئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع وعدد من القيادات الأمنية بتهمة القتل العمد والمشاركة فيه.

يروي شقيق الراحل ميمون الخضراوي لرصيف22 أنهم يطالبون بنشر قائمة شهداء الثورة وجرحاها في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية (الجريدة الرسمية)، تخليداً لأسمائهم في الذاكرة الوطنية، "لأنهم ساهموا في تحرير البلاد من نظام دكتاتوري".

مطلب نشر القائمة أساسي وتتشاركه أسر شهداء الثورة وجرحاها ورفعته في تحركات ميدانية مختلفة نفّذتها، وتعتبره مشروعاً لإعطاء الحق لأصحابه. كما أن نشرها سيمكن الأسر التي لم ترد أسماء أبنائها فيها من تقديم طعن.

"سيّب القائمة الرسمية"

من بين آخر التحركات المذكورة، جرى تنظيم وقفة احتجاجية في 19 فبراير الماضي، في ساحة الحكومة في القصبة. وأعلن الأهالي استئناف اعتصامهم في الساحة بعد أن كانوا قد علقوه في السادس من ديسمبر 2018، إثر وعد رئيس الحكومة يوسف الشاهد لهم بنشر القائمة، وهو ما لم يتم حتى الآن.

ومع إخلاف الحكومة بوعدها، عادت الحياة إلى حملة "سيّب (انشر) القائمة الرسمية".

ويوضح منسق الحملة علي المكي، وهو شقيق الشهيد عبد القادر المكي الذي استشهد في 11 يناير 2011، أن ممثلي العائلات أطلقوا الحملة منذ شهر أبريل 2016، بعد سنوات من الانتظار.

يجمع الكل على أن أهمية نشر القائمة تكمن في رد الاعتبار للشهداء والجرحى. ويؤكد مكي لرصيف22 "أنها أبسط الخطوات التي تقوم بها الدولة تجاه الأشخاص الذين ضحوا بحياتهم في سبيل القطع مع الاستبداد والظلم"، مضيفاً أن "التعويضات المادية لا تعنيهم".

قصة القائمة

أوكل الفصل 6 من المرسوم عدد 97 لسنة 2011، المتعلق بالتعويض لشهداء الثورة ومصابيها، مهمة "إعداد القائمة النهائية" إلى لجنة تابعة للهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية تسمى "لجنة شهداء الثورة".

ويضم هذا المرسوم 15 فصلاً تشمل أحكاماً عامة من بينها النص على إحياء ذكرى الثورة سنوياً بصفة رسمية وبفعاليات شعبية، إضافة إلى حديثه عن حقوق ومستحقات لعائلات شهداء الثورة وجرحاها، من بينها صرف مبالغ مالية شهرية لهم، واستفادتهم من مجانية العلاج والنقل العمومي.

يقول رئيس الهيئة توفيق بودربالة لرصيف22، إن اللجنة عملت على تضمين أسماء الجرحى الذين لم يتمكنوا من إيداع ملفاتهم أثناء إعداد القائمة الأولية التي وضعت سابقاً.

فقبل الوصول إلى القائمة النهائية، كانت رئاسة الجمهورية التونسية قد أصدرت المرسوم عدد 8 لسنة 2011 القاضي بإحداث اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات المسجلة خلال الثورة، وأناطت بها مهمة جمع المعلومات والوثائق المتعلقة بالتجاوزات المسجلة خلال الثورة.

ترأس بودربالة تلك اللجنة، ووضع أعضاؤها قائمة أولية ضمنوها ملفات كل الشهداء دون استثناء، ومعظم الجرحى ما عدا الذين لم يتمكنوا من إيداع ملفاتهم قبل انتهاء مهام اللجنة في أبريل 2012.

وبعد حل اللجنة، واصل رئيسها العمل إلى حدود ديسمبر 2013، موعد تسليمه كل الوثائق والملفات لمؤسسة الأرشيف العمومي، حسبما قال لرصيف22.

ولكن حتى الآن، لم تنشر القائمة. ويشدد المكي على تمسك أسر الشهداء والجرحى بتطبيق ما نص عليه الفصل السادس من الأمر عدد 1515 لسنة 2013 من أن "تتولى اللجنة نشر القائمة النهائية لشهداء الثورة ومصابيها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وعلى موقعها الإلكتروني وضمن تقريرها النهائي الذي يرفع إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس المجلس المكلف بالسلطة التشريعية".

ويضيف أنهم طالبوا الهيئة العليا لحقوق الإنسان بنسخة من القائمة الرسمية، لكنها رفضت، فتوجهوا إلى هيئة النفاذ إلى المعلومة التي رفعت قضية وتنتظر حكماً سيصدر في 21 يونيو القادم.

غياب الإرادة السياسية

تمثل المحامية لمياء فرحاني، شقيقة أنيس الفرحاني الذي استشهد في 13 يناير 2011، عدداً من عائلات شهداء الثورة، ورفعت قضية ضد رئيس الحكومة يوسف الشاهد في مارس الماضي لمطالبته بنشر القائمة، باعتبار أنه أنكر اختصاصه الذي يخوله إصدار القائمة.

تؤكد فرحاني التي ترأس جمعية أوفياء عائلات الشهداء وجرحى الثورة لرصيف22 أن رئاسة الحكومة لم تقم بأي فعل وكأن المسألة لا تعنيها، مُرجعة ذلك إلى غياب الإرادة السياسية، "وهو ما يعكس موقف الشاهد السلبي من الثورة ومن ملف الشهداء"، برأيها.

بحسب فرحاني، عملت الحكومات المتعاقبة على السلطة في تونس بعد الثورة على تأخير الحسم في الملف وتعطيله لاعتبارت سياسية، من ذلك أن الترويكا، وخلال فترة حكمها بين نوفمبر 2011 ونوفمبر 2014، كانت أولوياتها الاستقرار السياسي وتمركزها في السلطة ولم تعتبر ملف شهداء الثورة وجرحاها أولوية.

غياب التنسيق والتشاور

"ليس من صلاحيات اللجنة التتبع القضائي أو محاسبة الجناة، وإنما توثيق أسماء الشهداء والجرحى وذكر ظروف الوفاة أو الإصابة"، يوضح بودربالة.

في الأثناء، تواصل أسر شهداء الثورة وجرحاها متابعة قضايا أبنائها أمام دوائر قضائية مختصة تسلمت حديثاً الملفات للكشف عن المذنبين ومعاقبتهم.

وأُحدثت هذه الدوائر بمقتضى الأمر عدد 2887 لسنة 2014، وهي تنظر في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المقترفة في زمن الاستبداد وفي الاعتداءات التي أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى أثناء الثورة.

تعقد عائلات الشهداء والجرحى أملاً على هذه الدوائر خاصة بعد الأحكام التي أصدرتها المحكمة العسكرية في أبريل 2014 والتي وصفوها بالظالمة، إذ تراوحت بين ثلاث سنوات سجن فقط وعدم سماع الدعوى في حق عدد من رموز النظام السابق من بينهم وزير الداخلية الأسبق رفيق الحاج قاسم ومدير الأمن الرئاسي الأسبق علي السرياطي.

يقول ميمون خضراوي إن المحكمة الابتدائية تخلت في البداية عن كل قضايا شهداء الثورة وجرحاها، بما فيها قضية شقيقه، للمحكمة العسكرية، لكن بعد احتجاجات العائلات وبطلب من الدوائر القضائية المختصة تخلت المحكمة العسكرية في مارس 2019 عن كل الملفات لفائدة هذه الدوائر.

"لم نتوصل مع المحكمة العسكرية إلى معرفة قاتلي شقيقي رغم أنه تم تشريح جثته والعثور على الطلقة التي استقرت في جسده، وشاهدتها بأم عيني"، يروي ميمون. الآن، تنتظر الأسرة أول جلسة في الدوائر القضائية المختصة يوم 20 يونيو القادم "على أمل كشف الحقيقة".

من جانبها، تقول المحامية لمياء فرحاني إنه لم يتم الكشف عن المذنبين من أمنيين وعسكريين لأن "القضاء العسكري لا يمكن أن يكون حكماً وخصماً في الوقت ذاته".

وكانت هيئة الحقيقة والكرامة قد أحالت في 19 ديسمبر 2018 ملفات قضايا 20 شهيداً و14 جريحاً إلى الدوائر القضائية المختصة، وتتعلق بتهمة القتل العمد والمشاركة فيها خلال أحداث الثورة.

وتم إحداث الهيئة وفق القانون الأساسي رقم 53 لسنة 2013 الذي يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، ومن مهامها جمع المعطيات ورصد الانتهاكات وإحصاؤها وتثبيتها وتوثيقها، وإحالة الملفات التي يثبت فيها ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان إلى النيابة العامة.

مسار انتقالي "متعثر"

عدم الكشف عن المذنبين بعد ثماني سنوات على الثورة، دفع عضوة جمعية المواطنة والديمقراطية التشاركية سنية اللواتي إلى وصف مسار العدالة الانتقالية في تونس بـ"المتعثر".

وقالت لرصيف22 إن "مَن قامت الثورة على الإطاحة بهم أصبحوا يتصدرون المشهد السياسي في البلاد وابتعدنا عن أهداف الثورة الحقيقية".

بدوره، يؤكد الناشط الحقوقي العياشي الهمامي لرصيف22 أن "الحكومة متقاعسة ولا تؤدي واجبها نحو أقدس طرف في تونس وهم شهداء الثورة وجرحاها، وهو دليل على أن الصراع بين أبناء الثورة ومَن يتداولون على الحكم لا يزال مستمراً".

"الحكومة التونسية متقاعسة ولا تؤدي واجبها نحو أقدس طرف في تونس وهم شهداء الثورة وجرحاها، في دليل على أن الصراع بين أبناء الثورة ومَن يتداولون على الحكم لا يزال مستمراً"
يصف ناشطون تونسيون عدم نشر قائمة نهائية بأسماء شهداء وجرحى الثورة حتى الآن بـ"الفضيحة". بعضهم يتهم الحكومة بأنها "لا تؤمن بالثورة ولا تسعى إلى تحقيق أهدافها"، وبعضهم يقول إنها تتخوف من فتح باب المطالبة بتعويضات كبيرة

إجراءات حكومية

لا تزال دعوات نشر القائمة النهائية في الرائد الرسمي تقابل بصمت رئاسة الحكومة.

وتشير رئيسة الهيئة المكلفة بملف شهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية برئاسة الحكومة آمال المستوري إلى أن الحكومة اتخذت العديد من الإجراءات لاحتضان أسر الشهداء والجرحى، ومن بينها انتداب قرابة 1500 فرد من عائلات الشهداء في الوظيفة العمومية وفق ما نص عليه الفصل 3 من قانون عدد 4 لسنة 2012.

وتضيف لرصيف22 أن الحكومة لا تستثني أحداً من الإجراءات التي تتخذها والباب يبقى دائماً مفتوحاً لقبول الملفات أو الشكاوي.

ولكن المستوري تشير إلى أن نشر القائمة يتجاوز صلاحيات الهيئة باعتبارها مكلفة بالمسائل الاجتماعية فحسب.

من جانبه، ورداً على اتهامه بتعطيل نشر القائمة، يؤكد رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية توفيق بودربالة أن القانون يطالب رئاسة الحكومة، الجهة الوحيدة المخولة، بذلك.

ويضيف أن لجنة شهداء الثورة أنهت ضبط القائمة وسلمتها منذ شهر أبريل 2018 إلى الرؤساء الثلاثة وبالتالي انتهى دور هيئته عند هذه النقطة.

كما أفاد بأنه راسل رئاسة الحكومة لتذكيرها بضرورة نشر القائمة التي سلمها إياها غير أنه لم يتلق أي رد بهذا الشأن، وفق تأكيده، ولكنه لفت إلى أنه لن يرسل القائمة إلى الرائد الرسمي بنفسه إلا إذا طلبت منه رئاسة الحكومة ذلك.

"رغم أنف الجميع"

في المقابل، يصف الناشط السياسي جوهر بن مبارك عدم نشر القائمة النهائية في بلد الثورة وبعد ثماني سنوات على اندلاعها بـ"الفضيحة".

ويؤكد لرصيف22 أنه في نهاية الأمر سيتم نشر القائمة "رغم أنف الجميع وبنضالات العائلات والمجتمع المدني والهيئات المستقلة لأنه لا يمكن التهرب من القانون سواء من قبل الحكومة الحالية أو التي ستليها".

هذا الموقف يتقاسمه معه أمين عام حزب التيار الديمقراطي المعارض غازي الشواشي الذي يرى أن رئيس الحكومة يرفض نشر القائمة في الرائد الرسمي "لأنه وحزبه السابق نداء تونس لا يؤمنون بالثورة ولا يسعون إلى تحقيق أهدافها".

وقال الشواشي لرصيف22 إن يوسف الشاهد متخوّف من ردة فعل بعض الأطراف التي لن تجد أسماءها في القائمة باعتباره على رأس حكومة "ضعيفة وغير قادرة على المواجهة"، إلى جانب تخوّفه من فتح باب مطالبة الدولة بتعويضات كبيرة. فبرأيه، التعويضات التي نصت عليها المراسيم "مجرد مسكّنات متواضعة".

يشار إلى أن رئاستي الجمهورية والحكومة التونسيتين كانتا قد تعهدتا بمناسبة إحياء الذكرى السابعة للثورة بنشر قائمة شهداء الثورة وجرحاها في الرائد الرسمي في مارس 2019، غير أنهما لم تفيا بوعدهما ولم تصدرا أي توضيح رسمي حول أسباب عدم نشر القائمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard