دمشق: البلد الذي لم تتبق مصيبة ما مرّت عليه

الاثنين 3 يونيو 201908:12 م

خبرٌ بائسٌ تلو الآخر، ليزداد العدّاد يوماً بعد يوم، ولكنّك لست في بورصة "وول ستريت" بل في بورصة سوريّةٍ بحتة، لعدّ المصائب والجرائم ومسبّبات التعاسة المتزايدة.

حالات انتحارٍ متزايدة، وأحياء شبه أمواتٍ يسيرون مغيّبين مع ميولٍ انتحاريّة، تظهر في الطريقة التي يقطعون بها الشارع، ورميهم لأنفسهم أمام أيِّ سيارةٍ مسرعة، لا يهمّ، فستقف السيارة وتضرب فرامل قويّة، دون أن يكترث السائر لشتائم السائق بل يكتفي بالالتفات نحو صديقه المتردّد بالمرور: "لكْ شبك يا زلمة، عم تشكّكني إنك سوري!!".

حالات انتحارٍ متزايدة، وأحياء شبه أمواتٍ يسيرون مغيّبين مع ميولٍ انتحاريّة.

وكأنك تشهد موجاتٍ متلاحقةً من فيلم أكشن تقضيه في الهرب من قذائف الهاون التي تلاحقك من شارع إلى شارع، ينتهي هذا الفصل لتبدأ موجات الحرائق والماس الكهربائي، لتستيقظ وتنام على صوت سيّارات الإسعاف، وتتحوّل كوابيسك إلى حرائق تحيطك من كلِّ جانب.

ما إن تلتقط أنفاسك، حتى يبدأ خطٌّ بوليسي جديد، أحداثه ليست أقلّ رعباً، مع تكرار حالات الخطف والقصص المخيفة التي تتكرّر على مسامعك يوميّاً، لتجد نفسك محاطاً بجوٍّ متوتّرٍ يفرض نفسه في يوميّاتك.

أركب التاكسي متوجّسةً، محاولةً تفكيك شيفرة ملامح السائق الذي يجري اتصالاً وأنا شاردة في وجوه الناس البائسة على طول الطريق، أتنبّه فجأة على وقع حديثٍ مريبٍ يجريه السائق مع إحداهن، عن وضعها الصعب وعن الحلال والحرام، وأن كلّ حياتها مع زوجها غير شرعيّة ولا حلّ قريب في الأفق، يَعِدُها بمهاتفتها لاحقاً لانشغاله حالياً، وهو يرمقني بنظرةٍ مرتابةٍ وكأنني متطفّلةٌ على سيارته، ولا تفلح كلّ خيالاتي البوليسيّة في فكِّ طلاسم المكالمة.

أركب تاكسي آخر وأسخّر حواسي في مراقبة تحرّكات السائق والتفاتاته، أتابع نظراته في المرآة وأحلّلها، يمدّ يده إلى جيبه فأتوفّز وأحاول اتخاذ احتياطاتي، وأنا أتذكّر نقاش صديقاتي عن الوسيلة المُثلى للدفاع عن النفس، وعن بخاخ الفلفل ومدى جدواه واختلافهم حول السماح بحمله، أتذكّر أيضاً النقاش اليومي في المجموعات النسائيّة في فيسبوك، عن أهمية تعلّم بعض الحركات القتاليّة والكيك بوكسينغ، كحلٍّ ضروري تتطلّبه الظروف الجديدة، ليقطع أفكاري صوت السائق وهو يسألني بكلِّ براءةٍ إن كنت أسمح له بالتدخين، بينما يُخرج الولّاعة من جيبه بصعوبة.

أراقب إحداهن وهي تنزل من التاكسي مذعورةً ليترجّل السائق من سيارته طلباً لبقية الأجرة، وتبدأ مطاردةٌ طويلة وسط صمت المتفرّجين، وفق ظاهرة النأي بالنفس الدارجة حديثاً، وتتكرّر على مسامعي قصص نصبٍ يمارسها سائقون آخرون، كذلك الذي ينصح الراكبات بالعناية ببشرتهن، ثم يخرج لهن بعض المستحضرات ويحدّثهن عن حياته المتعبة وعمله الأصلي في الصيدليّة، لينجح، في أغلب الأحيان، بإقناعهن بشراء العديد من المنتجات، التي يتبيّن لاحقاً أنها أدويةٌ مزوّرة لا تتبع لأيّ شركة، وآخر يقنع كلّ راكبةٍ بأن ابنه في المشفى بين الحياة والموت وبأنه بحاجةٍ ماسّةٍ للمال.

أتابع السير متلفتةً حولي كلّما سمعت وقع أقدامٍ قريب، لأقضي النهار في دراسة وجوه المارّة والعلاقة بين كلّ اثنين يمشيان بجانبي، بعد القصص اليوميّة عن فلان الذي قتل زوجته وآخر الذي قتل عشيقته وانتحر، لتحسب نفسك في برنامج "حكم العدالة"، مع جرائم لا تقلّ غرائبيّةً عن أحداث البرنامج الإذاعي الشهير.

ما إن تلتقط أنفاسك، حتى يبدأ خطٌّ بوليسي جديد، أحداثه ليست أقلّ رعباً، مع تكرار حالات الخطف والقصص المخيفة التي تتكرّر على مسامعك يوميّاً، لتجد نفسك محاطاً بجوٍّ متوتّرٍ يفرض نفسه في يوميّاتك.

أتابع السير متلفتةً حولي كلّما سمعت وقع أقدامٍ قريب، لأقضي النهار في دراسة وجوه المارّة والعلاقة بين كلّ اثنين يمشيان بجانبي، بعد القصص اليوميّة عن فلان الذي قتل زوجته وآخر الذي قتل عشيقته وانتحر.

في سوريا، موجاتٍ متتاليةٍ من الموت، بدءاً من النوبات القلبيّة جرّاء الضغوط النفسيّة والحياتيّة المتزايدة، إلى أخبارٍ عن وفاة شبابٍ وشاباتٍ بنوباتٍ قلبيّة، وحوادث السير التي تلاحق السوريين حتى المغتربين منهم.

أقضي يومي وأنا أسمع أخباراً عن تلك التي تهجّمت عليها امرأتان مرعبتان وتركتاها تنزف دماً، وعن أخرى هربت من محاولة خطفٍ من امرأةٍ طلبت منها أن تدلّها على الطريق، إلى القصص المنتشرة عن امرأتين تمتهنان السرقة وتدخلان إلى البيوت بحجّة الخطبة والبحث عن عروس، لأجدني أبحث حولي عن وجهي ريا وسكينة اللتين شاهدتهما مسبقاً في فيلمٍ أو مسلسلٍ تلفزيوني.

وكأن لعنةً قد حلّت على البلاد، فإذا كان الموت قد جافى الناس في رواية خوسيه ساراماغو "انقطاعات الموت"، فما يحدث في سوريا هو النقيض تماماً، في موجاتٍ متتاليةٍ من الموت، بدءاً من النوبات القلبيّة جرّاء الضغوط النفسيّة والحياتيّة المتزايدة التي تُطبق خناقها على المواطنين، لنقرأ كلَّ يوم عدّة أخبارٍ عن وفاة شبابٍ وشاباتٍ بنوباتٍ قلبيّة، إلى حوادث السير التي تلاحق السوريين حتى المغتربين منهم، وكأن السوري مهما هرب من الموت فلا مفرّ منه، لنتذكّر الجملة المأثورة لدى جداتنا: "عمره خالص".

كأن لعنةً قد حلّت على البلاد.

أما موضوع هجوم الخنافس والجراد على دمشق فهو تحديثٌ جديد، عندما يصيبك السأم من أجواء الرعب التقليديّة، ولكن للأسف يترافق هذا الخبر مع تصريحٍ رومانسي من أحد المسؤولين، تحسّ بعده بالذنب لنظرتك الدونيّة لهذه الحشرات غير المؤذية، وعن افتقارك لحسن الضيافة، رغم دورة حياتها التي لا تتعدّى ثمانية وعشرين يوماً، ورغم أنك استضفت قبلها ما هو أسوأ بكثير في هذه البلاد.

أحسُّ بنعمة السكن وسط المدينة، وعدم معايشتي لموجة الأفاعي القادمة، وهي الضيف الوحيد الذي يتسلّل بخجلٍ ويكتفي بالضواحي، كمشروع دمر وقدسيا، ولكن في بلدٍ لم تتبق مصيبةٌ ما اجتاحته، ربما لن نستغرب أن نستيقظ على خبر كوبرا تتسكّع في طرقات دمشق في جولةٍ سياحيّةٍ مثلاً، أو أنّ تنانين قادمةً من مسلسل "صراع العروش" ستزورنا قريباً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard