"احتمال الحرب الأهلية يرفرف في فضاء إسرائيل"... مناحيم كلاين يناقش "المحرمات"

الأحد 2 يونيو 201907:36 م

يحذّر المستشرق والخبير السياسي الإسرائيلي مناحيم كلاين من إمكانية اندلاع حرب أهلية في إسرائيل بحال التوصل إلى صيغة لحل الصراع مع الفلسطينيين، بما في ذلك "صفقة القرن" التي تعمل عليها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي مقال نشره في صحيفة "هآرتس" بعنوان "في إسرائيل أيضاً قد تندلع حرب أهلية/ لقد حان الوقت لمناقشة هذا الأمر بجدية"، يستعرض السيناريوهات المتوقعة بحال إعلان حل الدولتين، ويقول إن تنظيماً سرياً يهودياً من قلب المستوطنين قد يقود تمرداً ضد الحكومة يمكن أن يتحول إلى حرب أهلية، معتبراً أن سيناريو اغتيال رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين سيكون هيناً مقارنة بما قد يحدث، إذ قد يوجَّه السلاح هذه المرة إلى "طبقة كاملة" وليس إلى رجل واحد.

ويضيف أنه في حالة التوصل إلى تسوية تقضي بإقامة دولة واحدة لليهود والفلسطينيين، قد تندلع الحرب بين مجموعتين عرقيتين مختلفتين هما اليهود الذين سيحاولون الحفاظ على "أفضليتهم" والفلسطينيين الذين لن يرضوا بـ"الدونية" في دولة يحكمها اليهود.

ومناحيم كلاين، هو محاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة بار-إيلان الإسرائيلية، وله العديد من المؤلفات عن القدس والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وكان مستشاراً لوفد إسرائيلي أجرى محادثات حول تسوية دائمة مع الفلسطينيين، وشارك في صياغة مبادرة جنيف للسلام عام 2003.

وهنا نص المقال:

الجدل المتواصل بين مؤيدي حل الدولتين وأنصار الدولة الواحدة هو جدل حول الهدف: هل يمثل أحدهما حلاً مثالياً أم واقعياً فقط، وكيف يبدو هذا الحل؟

في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كانت الإجابة عن تلك الأسئلة واضحة. يتمتع حل الدولتين بالدعم الدولي، وإلى حد كبير أيضاً بدعم معظم الإسرائيليين والفلسطينيين. والطريق للوصول إليه عبر مفاوضات مباشرة بين الجانبين تتركز على خطوط الرابع من يونيو 67، مع تبادل للأراضي.

على عكس الإجماع الدولي، تهدف "صفقة القرن" التي وضعها ترامب إلى فرض مخطط مختلف على الفلسطينيين وفق مقياس اليمين الإسرائيلي.

لقد أدى فشل المفاوضات التي حددها اتفاق أوسلو، وتوسيع المستوطنات خلال المفاوضات، منذ عام 2000، إلى رفع نسبة تأييد حل الدولة الواحدة لدى الجمهور الإسرائيلي والفلسطيني. وعلى الجانب الإسرائيلي، تطور تصور لغياب الحل وإدارة الصراع.

وحتى إذا كان النقاش حول الهدف مهم، فإن المتناقشين يتجاهلون مسألة طريقة تحقيقه. ولا يتعلق الأمر بمسألة ما إذا كان الطريق هو فقط من خلال "عملية سياسية" أو فرض حل عبر المنظومة الدولية.

كما أنني لا أقصد مسألة ما إذا كانت BDS (حركة مقاطعة إسرائيل) هي وسيلة فعالة للدفع باتجاه الحل. تفترض مناقشة هذه المسائل أنه إذا لم يكن الطرفان قادرين على سد الفجوة في مواقفهما خلال المفاوضات، فإن النظام الدولي سيجبرهما على ذلك.

مع ذلك، يجب أن نسأل إذا كان المجتمعان سيتقبلان الحل الذي وصل إليه زعماؤهم بمفردهم أو وافقوا عليه تحت ضط دولي كبير.

حتى إذا لم يكن هناك اتفاق أو ضغط دولي يلوح الآن في الأفق، فمن المستحسن التفكير في هذه المسألة، لأن الوقت الآن لا يزال يتيح ذلك.

أود أن أفترض التالي: أي حل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني سيجر تمرداً مسلحاً ضد الحكومة الشرعية، أو حتى حرباً أهلية على أي نطاق.

أنا لا أؤيد الحتمية التاريخية. ربما لا ينفجر التمرد لأن كل جانب سيكون قادراً على مواجهة متطرفيه ويتغلب على التمرد قبل أن يتحول إلى حرب أهلية. لكن لكي يحدث ذلك ينبغي طرح السؤال ومناقشته، لكي نعرف كيف نقلل أضرار تحقق أحد هذه الاحتمالات.

دور المصالح المادية

سأركز على الجانب الإسرائيلي، كون الظروف التي يمكن أن تدفع إسرائيليين للتمرد أو الحرب الأهلية مختلفة عن تلك التي يمكن أن تتطور على الجانب الفلسطيني.

سيستند الاعتراض الفلسطيني على اتفاق دائم بمقاييس مبادرة السلام العربية على تبريرات دينية وقومية رمزية: التنازل عن العودة الكاملة للاجئي 48 إلى إسرائيل، إعطاء شرعية للصهيونية ولإسرائيل والتنازل التام عن أرض فلسطين المقامة عليها إسرائيل.

في المقابل، فإن الاعتراض في إسرائيل لن يكون فقط لأسباب رمزية بل أيضاً لمصالح مادية. وإذا كان إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الاستقلال الكامل (لدولة فلسطينية) سيكون إنجازاً فلسطينياً تاريخياً سيقلل من ألم تنازلاتهم، فإنه في المقابل، على الجانب الإسرائيلي، سيدور الحديث عن فشل هائل.

إمكانية اندلاع تمرد أو حرب أهلية ليست افتراضية. تحققها يرفرف في الفضاء العام وموجود في أذهان صناع القرار. الفيل الموجود في الغرفة يتسبب في تصلب المواقف. لأسباب مختلفة، وكذلك للهروب من صراع داخلي، يفضل الجانب الإسرائيلي إعلان أنه لا يوجد شريك (فلسطيني)، أو طرح مواقف تفيد بأنه ليست هنالك أية فرصة لبدء التفاوض.

في المقابل، يسود تشاؤم ملحوظ في كلا المجتمعين في ما يتعلق باستعداد المجتمع الآخر للموافقة على التسوية. المزيد والمزيد من الأصوات تتشبث بحل الدولة الواحدة، بحجة أنه لا توجد إمكانية لإخلاء المستوطنين.

لماذا يعتبر إخلاء المستوطنين عائقاً كبيراً؟ بداية، لأن مشروع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي والسيطرة على السكان الفلسطينيين هو مشروع الدولة الأكبر الذي قادته إسرائيل على الإطلاق. فنطاقه الزمني والمكاني وتكلفته لم يسبق لهما مثيل في تاريخ إسرائيل. أفترض أن إقامة الدولة تكلفت أقل من توسعها بعد 67.

كل دولة تقريباً تستثمر في مشروع. لا يدور الحديث فقط عن استثمار إيديولوجي بنقل سكان إلى أراضٍ فلسطينية، بل أيضاً عن توفير فرص عمل لمئات الآلاف أو ملايين الإسرائيليين وتحقيق أرباح من تصدير الخبرة والتكنولوجيا والمنتجات الأمنية التي جرى تطويرها من أجل سيطرة إسرائيلية على أرض وسكان فلسطينيين.

إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة سيتطلب تحولاً شاملاً لمسار دولة إسرائيل، أكثر من اتخاذ قرار سياسي أو إخلاء نحو مئة ألف مستوطن.

يزيد الاستثمار الإسرائيلي في السيطرة على السكان الفلسطينيين كلما زاد التوسع الإسرائيلي. عام 2002، أعادت إسرائيل احتلال الضفة الغربية وحولت السلطة الفلسطينية إلى مقاول من الباطن لحسابها من خلال التعاون الأمني. منذ ذلك الوقت، أصبح هنالك نظام واحد بين الأردن والبحر المتوسط. تحت حكم هذا النظام تسيطر المجموعة العرقية اليهودية على نظيرتها الفلسطينية.

وفي مقابل الفجوة الكبيرة بينهما من ناحية القوة وحقوق الإنسان والوصول إلى الموارد، هناك تساوٍ ديموغرافي بين المجموعتين العرقيتين المتنافستين. التوزان الديموغرافي الذي يمضي لغير صالح اليهود يتطلب منهم تعميق سيطرتهم على الفلسطينيين. لا تحقق المستوطنات فقط ضماً للأرض بحكم الأمر الواقع، بل تستخدم أيضاً كأداة للسيطرة على الفلسطينيين.

كلما زاد الاستثمار، يكون من الصعب على المجموعة اليهودية-الإسرائيلية التحرر منها، والتخلي عن الامتيازات التي يمنحها لها وضعها الحاكم. تجند الأغلبية اليهودية سلسلة من الحجج لتبرير مسيرتها الحمقاء. على رأس قائمة الحجج يقف الأمن. يشعر الجانب اليهودي بتهديد لتفوقه وقدرته على السيطرة. لهذا التهديد نصيب من الواقعية، لكن الكثيرين على الجانب اليهودي يفسرونه بشكل خاطئ كتهديد وجودي، وهو ما يجعل من الصعب عليهم تغيير الاتجاه.

مَن هو المستوطن؟

من الخطأ الاعتقاد أن المشكلة المطروحة هنا تنبع في الأساس من عدد المستوطنين. جمهور المستوطنين كبير، أكثر من نصف مليون شخص، وليسوا جميعم متطرفين كقاتلي عائلة دوابشة، ويوجد بينهم مَن يؤمنون حقيقة بالتعايش مع جيرانهم الفلسطينيين، أو بضرورة القبول بقرار الأغلبية الديمقراطية. لكن يجب أن نذكر أن المستوطنين كفريق سياسي، وديني واجتماعي، لا يقتصرون على الضفة الغربية. بكلمات أخرى فإن مكان الإقامة لا يحدد مَن هو "المستوطن".

من هذا المنطلق، هنالك "مستوطنون" أيضاً داخل حدود دولة إسرائيل، أي مَن تتطابق نظرتهم الدينية والسياسية والأمنية والقومية مع المستوطنين المتطرفين. في تقديري قد يحمل بعضهم السلاح لإحباط قرار ديمقراطي يسمح بسيادة فلسطينية كاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، بما في ذلك القدس الشرقية وجبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف)، ويتيح عودة عدد متفق عليه من اللاجئين إلى إسرائيل مقابل "وهم السلام".

وقتها ستواجه الديمقراطية الإسرائيلية أزمة شرعية. لن تكون المواجهة مع عدو خارجي لكن مع بعض مواطنيها وبعض جنودها. باسم قدسية الأرض وانعدام الثقة العميق في النوايا الفلسطينية، قد توجه هذه المجموعة السلاح الذي بحوزتها، والخبرة العسكرية التي اكتسبتها، نحو الجيش وأجهزة الأمن التي تقوم بتنفيذ قرار أغلبية المواطنين. سيحدث ذلك بعد نقاش داخلي صعب وصراع ديمقراطي شرعي يخوضه معارضو الاتفاق.

في الستينيات، وعندما أقر استفتاء إخلاء الجزائر، واجهت فرنسا تمرداً من قبل مستوطنين ووحدات عسكرية خدمت هناك. كانت الجزائر قد تم ضمها لفرنسا وكان فيها مليون مستوطن ونصف مليون جندي فرنسي.

ومن الجدير بالذكر أن فرنسا قررت إخلاء الجزائر في سياق عالمي للتخلص من الاستعمار. هذا السياق ليس موجوداً اليوم، وهو ما سيجعل من الصعب تنفيذ الإخلاء الإسرائيلي.

الخبير السياسي الإسرائيلي مناحيم كلاين: "إمكانية اندلاع تمرد أو حرب أهلية في إسرائيل ليست افتراضية. تحققها يرفرف في الفضاء العام وموجود في أذهان صناع القرار. الفيل الموجود في الغرفة يتسبب في تصلب المواقف"
الخبير السياسي الإسرائيلي مناحيم كلاين: قد يحمل تنظيم سري إسرائيلي متطرف السلاح ضد الحكومة لإحباط قرار يسمح بسيادة فلسطينية كاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة

مثل فرنسا، فإن التعايش العميق بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية والأمنية التي تحميهم في الضفة الغربية يمكن أن يخلق واقعاً مماثلاً أيضاً في إسرائيل. المستوطنون بالمعنى الذي وصفتُه هنا ليسوا فقط في المستوطنات، ولكن أيضاً في وحدات الجيش الإسرائيلي المقاتلة (بعضها متجانسة)، وفي الإدارة المدنية وفي الأجهزة الأمنية. أفترض أنه سيكون من الصعب على معظمهم التحرك ضد الجيش وأجهزة الدولة، لكن من غير المستبعد أن يساعد بعضهم المتمردين من خلف الكواليس بالفعل أو بغض النظر، فيما سيتمرد جزء صغير.

بلغ عدد التنظيم اليهودي السري في الثمانينيات نحو 30 عضواً فقط، لكنه أثبت أن بين الجمهور نشطاء لديهم مهارات عسكرية وتنظيم سري، يعملون بدعم قوى إيديولوجية لإحداث تغير إستراتيجي.

احتمالية إعادة الكرّة تزايدت بعد إخلاء المستوطنات في قطاع غزة عام 2005، فالشريحة الداعمة للمستوطنين العنيفين لم تتراجع بل ازدادت اتساعاً، وتطور على جانبها لاهوت يسلب من دولة إسرائيل التي انسحبت من الأرض الموعودة مكانتها المقدسة.

على عكس الانطباع المتأتي من التقارير المستمرة عن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، فإن الخطر الرئيسي الذي يهدد تنفيذ تسوية دائمة لا يأتي من عصابات مثيري الشغب من الشباب، ولكن من تنظيم سري منظم له سيطرة واسعة نسبياً في المجتمع ومؤسسات الدولة.

من أجل دفع المجموعة اليهودية المستثمرة بعمق في مشروع التوسع والسيطرة للتخلي عن امتيازاتها، هناك حاجة إلى تسوية صعبة أو ضغط خارجي كبير. لم تتخلَّ أية قوة استعمارية عن مستعمراتها لأسباب تتعلق بالضمير أو الاعتراف بحقوق الإنسان. كلما كانت الأزمة أو الضغط أكثر حدة، سواء من قبل الفلسطينيين أو النظام الدولي أو كليهما، سيكون من الصعب على إسرائيل الاستسلام.

سيتم وصف رجال معسكر السلام بالخونة والعملاء وسيتم استبعادهم رمزياً من الجماعة. مثلما أثبتت الأحداث التي سبقت اغتيال رابين، يمكن أن تكون هذه مقدمة للاستبعاد فعلياً خارج الجماعة. لكن وقتها جرى ذلك ضد شخص واحد فقط. في المستقبل يمكن أن يوجه السلاح ضد طبقة كاملة.

أيضاً، حل الدولة الواحدة لا يزيح عن الطاولة إمكانية أن تندلع داخل هذه الدولة حرب أهلية. على عكس الصراع بين إسرائيل وجماعة يهودية متمردة، في الدولة الواحدة سيكون الصراع بين مجموعتين عرقيتين-دينيتين ولغويتين.

لن توافق المجموعة العرقية اليهودية على التنازل عن امتيازاتها من أجل إقامة نظام للمساواة بين اليهود والعرب الفلسطينيين. عام 2017، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إسرائيل نحو 36،250 دولاراً، مقارنة بنحو 3000 دولار في الأراضي الفلسطينية. يمكن الافتراض أن هذه الفجوة ستتقلص، لكن من المتوقع أن تبقى على حالها، ليس بسبب افتقار الفلسطينيين إلى المواهب، لكن من أجل مصلحة الجانب اليهودي. في ظل الأفضلية اليهودية في كل النواحي (باستثناء الديموغرافيا) ليست هناك فرصة ألا يحتلوا مواقع الصدارة في الدولة الواحدة ولا فرصة أن يمتنعوا عن استغلال مواردهم الفائضة للحفاظ على وضعهم. وفي ضوء واقع التساوي الديموغرافي تقريباً بين المجموعتين العرقيتين، ليست هناك فرصة أن يوافق الفلسطينيون على البقاء في وضع دوني.

باختصار، الدولة الواحدة هي وصفة مؤكدة لحرب أهلية متواصلة، على غرار ما حدث في البلقان مع تفكك يوغوسلافيا أو في لبنان.

مناقشة الحرب الأهلية هي من المحرمات في المجتمع الإسرائيلي. يسيطر شعار "اليهودي لا يقتل اليهودي". ليس هناك شك في أن الأحداث التي ستواكب تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة وفرض سيادة فلسطينية كاملة عليهما وعلى القدس الشرقية، جنباً إلى جنب مع عودة اللاجئين، ستكون صادمة.

على سبيل المقارنة، لدى إغراق السفينة ألتالينا (كانت محملة بالسلاح وأمر مناحيم بيغن بإغراقها وكاد أن يتسبب ذلك في حرب أهلية) عام 1948 قتل 16 من رجال الإيتسيل (أحد التنظيمات السرية اليهودية المسلحة في فترة الانتداب البريطاني) وثلاثة من جنود الجيش الإسرائيلي، في حادث ما زال يُعتبر ذكرى مؤلمة ومثيرة للجدل في إسرائيل.

التأمل في تاريخ شعوب أخرى، وفي أحداث واكبت نهاية أنظمة التمييز والقمع، يشير إلى أنهم واجهوا تمرداً أو خاضوا تجربة حرب أهلية في الوقت الذي شهدوا فيه تحولاً جوهرياً. هناك خوف من أن مصير المجتمع الإسرائيلي لن يكون مغايراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard