شجرة البُنّ.. حكايات وروائح و"هويّة" في "دراما" يمنيّة

الاثنين 3 يونيو 201907:28 م

لها نكهةٌ خاصّة، وطعمٌ مميز، لن ينكشف لك إلا رويداً رويداً، يهتمّ المزارع بشجرتها كابنه، حتى تنضج حباتها الرطبة، يجفّفها تحت الشمس، ويخزّنها في أماكن بعيدة عن الرطوبة، ويبيعها في أكياس خاصّة في أنحاء العالم، حتى تستمتع بها في بدايات صباحك.

البن اليمني.

يصل سعر كوب القهوة اليمنيّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة إلى ستة عشر دولاراً لمذاقها المميّز، متفوقةً على نظيرتها الحبشيّة والكولومبيّة والبرازيليّة.

وقد دعا الفنان اليمني أيوب طارش عبسي، في أغنية "ارجع لحولك كم دعاك تسقيبني" بني وطنه للعودة إلى مزارع البنّ، وذلك بعد أن هجر المزارعون اليمنيّون زراعتها، وطغت شجرة "القات" في الأراضي الزراعيّة.

ولكن مسلسل "غربة البنّ"، كشف الكثير في حياة اليمن، المرتبط بحبيبات البنّ، إذا كانت القهوة بالنسبة للعالم أجمع روائح جذّابة، وطاقة للسهر، ودعوات الأحباب والأصدقاء، فهي بالنسبة لليمنين وطن، وغيابها غربة.

يرسم مسلسل "غربة البنّ"، الذي عُرض على قناة "يمن شباب"، الحياةَ في اليمن في سبعينيات القرن الماضي، وتعلّق المزارع اليمني بشجرة البنّ التي يتخذ موسم جني حباتها تأريخاً لمنعطفات حياته.

حبات البنّ التي يمكث بجانبها طوال العام، يسقي شجرتها، ويعتني بها.

أطلق على المسلسل اسم "غربة البنّ"، لارتباطه بالحياة قديماً وحاضراً، فبين البنّ الذي يرمز للإنسان اليمني، ومن المحاصيل الزراعيّة التي كانت رافدةً للاقتصاد الوطني، وبين الغربة التي أجبرت الكثير من السكان على هجر الحقول، بحثاً عن مصادر أخرى للعيش في بلدان أخرى، ليختبروا فيها مرارة الحياة بين غرباء دون حتى بلوغ طموحاتهم من الغربة.

حياة اليمني في القرى

"البنّ هي الشجرة التي اشتهر بها اليمن السعيد، لكن بعد رحلة الاغتراب وترك زراعتها والاهتمام بها انتهت، وانتهت معها سعادة اليمن، الذي لم يبق من سعادته إلا الاسم"، يقول سيف الوافي أحد الممثلين في المسلسل، والذي أدّى دور هزاع.

ويشدّد الوافي على أن غاية المسلسل هي تجسيد حياة الإنسان اليمني الريفي البسيط وكيف كانت بساطة الحياة في الماضي، وأضاف لـ "رصيف22" أن رسالة المسلسل هي "تركنا الزراعة والأرض وذهبنا للغربة حتى انتهت الزراعة والأرض".

ناقش المسلسل عَرَضاً قضايا أخرى تمسّ يوميات اليمنيين، مثل الثأر والخيانة، وكذلك الجهل، ومعاناة سكان القرى في الوصول الى منازلهم، بالإضافة الى تبنّيه حملة توعية من مخاطر مرض الكوليرا والعديد من الرسائل.

إذا كانت القهوة بالنسبة للعالم أجمع روائح جذّابة، وطاقة للسهر، ودعوات الأحباب والأصدقاء، فهي بالنسبة لليمنين وطن، وغيابها غربة.

تعود فكرة المسلسل لأغنيةٍ كتبها الدكتور سلطان الصريمي، وهي من واقع غربة الزوج والأولاد والشباب من الريف اليمني في القرن الماضي في الحجريّة، وبالأخصّ منطقة التربة بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن، هي المعنية في المسلسل.

وتسرد أغنية المسلسل "مسعود هجر" أحداثه، وأبرزها غربة مسعود، الذي مثّل دوره الفنان محمد قحطان.

"أُصِبنا بالكوليرا أثناء التصوير"

في ظلِّ الحرب التي تشهدها البلاد، كان نجاح مسلسل "غربة البنّ" مثالاً على صمود الإنسان اليمني في وجه الأزمات.

يقول وليد العلفي أحد مخرجي المسلسل، إن أوّل صعوبة واجهتهم هي جمع قطع الديكور والإكسسوارات التي لم تعد موجودة في الأسواق اليمنيّة، مشيراً في حديثه لـ " رصيف 22" أن فريقاً كبيراً بحث في القرى اليمنيّة عن الإكسسوارات القديمة، لتعكس روح المرحلة الزمنيّة التي تدور حولها أحدث "غربة البنّ".

وأضاف العلفي: "تدور أحداث المسلسل ضمن حقبٍ زمنيّةٍ مختلفة من بداية ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثمّ بعد مرور عشر سنوات، ومن ثمّ بعد مرور عشرين عاماً".

"مسعود رمز لانتكاسة الشعب اليمني من الثمانينيات حتى الآن وتحوّله من مجتمع زراعي إلى مستهلك ومستورد من الخارج"

تمّ التصوير في قريةٍ ريفيّة لا تبدو عليها أيّ مظاهر التحضّر "جرمة غرب العاصمة صنعاء"، رغم جمالها، وطيبة أهلها إلا أن طريقها وعرة، حيث لا تتوفّر فيها طرق معبَّدة، ما شكّل لنا عبئاً كبيراً، يضيف وليد.

وأضاف وليد: لم يسلم الطاقم أيضاً من الإصابة بوباء الكوليرا -الذي أدّى لوفاة أكثر من ألفي شخص في اليمن- حيث أصيب أغلب الطاقم والممثلين بالوباء، من بينهم الفنانة سالي حمادة وأرجوان وأنا أيضاً، ما أجبرني على ترك العمل مؤقتاً، ومن ثمّ العودة لمتابعته منذ بداية شهر رمضان.

تعاقب على إنتاج المسلسل أكثر من مخرجٍ منفّذ نتيجة لكل هذه الظروف، بحسب حديث العلفي.

"مسعود رمز انتكاسة اليمنيين"

وقال العلفي إن" المسلسل يقدّم للمشاهد وجبةً دسمة من الرسائل والمضامين والقضايا التي يعالجها، منها اغتراب الإنسان اليمني وغيابه، وما يترتب على ذلك الانقطاع من انعكاساتٍ سلبيّة على الوطن والأرض والأسرة"

لافتاً الى أن الزوجة تتحمّل أعباءً كبيرة في تربية الأبناء والعناية بالأرض، "فمسلسل غربة البنّ كمسمّى للمسلسل رسالةٌ مباشرة للمشاهد ذات أبعادٍ عميقة، حيث شبّه الإنسان اليمني بشجرة البنّ التي أُهملت بسبب غربة الأيادي التي تزرعها وهجرانها للوطن".

وأوضح وليد أن المغترب اليمني كان أبرز اهتمامات طاقم المسلسل في معالجة قضاياه ومعاناته بالداخل والخارج، من كافة النواحي الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأسريّة.

وبيّن العلفي أن "شخصية مسعود من الرمزيّات الهامّة المطروحة بالعمل، وظهر بحقبة الثمانينيات حيث قرّر الاغتراب، تاركاً عروسته نورية وهي حامل ليعود العام المقبل بموسم جني البنّ، لكنه يختفي ولا يعود إلا وابنه نشوان شاب بعد مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ناكثاً بوعده لزوجته ومخيباً لوصية جده المرزوق تاجر البنّ الكبير، باستعادة أمجاد أسرته بزراعة وتجارة البنّ".

لطالما نظر اليمنيون إلى المغترب باعتباره الأسعد حظا، خاصة في الماضي، وتهافتوا عليه فور وصوله، مسلِّمين، ومرحّبين؛ الهدايا التي يجلبها المغترب معه، والمال الذي جمعه، في سنوات من العمل الشاق، كان لصناع المسلسل وجهة نظر أخرى مجسدة في مسعود،

يقول العلفي إن "مسعود رمز لانتكاسة الشعب اليمني من الثمانينيات حتى الآن، وتحوّله من مجتمع زراعي إلى مستهلك ومستورد من الخارج".


 أكثر من ثلاثة ملايين يمني مغترب في المملكة العربية السعوديّة، ناهيك عن مئات الآلاف في البلدان الأخرى، يواجهون أوضاعاً مأساويّة، خاصّة المغتربين في السعوديّة، بسبب سَعْوَدَة الأعمال والتضييق على الجالية اليمنيّة من خلال إجبارهم على دفع مبالغ ماليّة مقابل الإقامة في أراضي المملكة، وبدل صحّة وترفيه وأشياء أخرى، تقسم ظهر المغترب.

وراحت نعمة حافظ في مسلسل غربة البنّ، ضحيةً لرجلٍ شهواني يسعى لتلبية رغباته الجنسيّة من فتاة صغيرة، على الرغم من وجود ثلاث زوجات أخرى في منزله، في مشهدٍ يحاكي الواقع المؤلم لمئات الفتيات في اليمن.

ولا زالت اليمن تواجه مشكلة زواج القاصرات، بل إنَّ ظروف الحرب التي تشهدها البلاد فاقمت منها، في ظل عدم وجود الوعي، وعدم وجود قانون يحمي الفتيات الصغيرات من الزواج في اليمن.

المسلسل ُعرض على قناة "يمن شباب" المحليّة، وأنتجته شركة الوافي للإنتاج الفني والإعلامي جرى تصويره في قرية "جرمة" النائية، بمديرية حراز، غرب العاصمة صنعاء شمال اليمن، وأُنتج وسط تحدياتٍ كبيرة أفرزتها الحرب التي تعصف بالبلاد.


إذا كان المشاهد العربي لا يعرف شيئاً عن اليمن، سوى القاعدة، والحوثيين، والحرب الإقليميّة والأهليّة، فإن مسلسل "غربة البنّ" يعرض جوانب من يوميّات اليمنيين، الذين لم يعد العالم يراهم سوى كضحايا حروب، ولكنهم بشر، يحبّون بلادهم، ويضطرون لـ"الغربة" بسبب الأوضاع الاقتصاديّة، مشاكلهم وهزائمهم، آلامهم وأفراحهم مثل أيّ بشرٍ آخرين في أيّ بقعة في العالم، لا يميزهم سوى... شجرة البُنّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard