تونس: مدرسة يهودية للبنات فقط…هل يُستثنى اليهود من الاختلاط؟

السبت 1 يونيو 201905:59 م

تزامناً مع موسم حج اليهود إلى كنيس “الغْريبة" في جزيرة جربة جنوب تونس الأسبوع الماضي، افتتحت مدرسة يهودية للفتيات فقط في الجزيرة التي يقطنها مئات التونسيين اليهود.

لم يعلن عن افتتاح المدرسة في اليوم ذاته من تدشينها، بل بعد انتهاء موسم حج اليهود الذي وصفته السلطات التونسية بالناجح. وتوافد على جربة 7 آلاف يهودي قدِموا من وجهات متعددة حول العالم لمشاركة نحو 1200 يهودي تونسي طقوس الحج إلى أقدم كنيس يهودي في أفريقيا، دون تسجيل حوادث أمنية وتم الحج هذا العام في شهر رمضان وهي نادرة لا تتكرر إلا كل 37 سنة. خبر افتتاح المدرسة وإن تأخر الإعلان عنه خلق سجالاً في تونس إذ يراه البعض مساً بمدنية الدولة لأن الفصل بين الفتيان والفتيات فيها يتعارض مع إجبارية الاختلاط التي تفرضها الدولة في جميع المدارس العمومية والخاصة وجاء كنوع من الانتكاسة للمسيرة التي تسلكها تونس من أجل بسط مزيد من القوانين التي تكرس المساواة بين المرأة و الرجل.

دعم فرنسي

تمسح المدرسة اليهودية للبنات  1300 متراً مربعاً وتؤمها 120 فتاة من معتنِقات الديانة اليهودية في تونس. مصادر يهودية في فرنسا تحدثت عن تدشين المدرسة من قبل وزير السياحة والصناعات التقليدية التونسي رونيه طرابلسي وهو مواطن تونسي يعتنق اليهودية ووالده يترأس الطائفة اليهودية في تونس وهو المسؤول الأول عن كنيس الغريبة بيريز طرابلسي، لكن رونيه الطرابلسي نفى أن يكون قد دشنها لكنه لم ينكر وجودها.

مصادر يهودية في فرنسا ذكرت أن إنشاء هذه المدرسة اليهودية الخاصة بالفتيات تم بدعم من كبير أحبار تونس حاييم بيطان وبمساندة من زفي عمار رئيس الطائفة اليهودية في منطقة الآلب الفرنسية وهو أصيل جربة التونسية كما تلقت المدرسة تمويلات من جهات يهودية في الخارج من بينها رابطة الحاخامات الأوروبيين. 

افتتاح المدرسة اليهودية للفتيات في جربة لاقى ابتهاج عدة جهات يهودية خارج تونس واحتفى الحاخام الفرنسي موشي لوين بالحدث وكتب على صفحته في فيسبوك: “تدشين مدرسة يهودية مساحتها  1300 متر مربع على أرض الإسلام هذا حدث استثنائي..المجد لهذه المدرسة التي تحمل اسم كانفيه يونا”. لوين نشر كذلك صوراً من افتتاح المدرسة بحضور كبير حاخامات تونس حاييم بيتان.

المدنية في خطر

بعيداً عن التعليقات التي تميز بين الأديان ورأت في قصة افتتاح المدرسة فرصة لشحن النعرات العنصرية والصراع الديني، جاءت تعليقات لافتة من شخصيات تساند التعايش الديني وتؤمن بالتعددية الدينية في تونس وتدافع عن حقوق الأقليات فيها لكنها تعترض على فكرة الفصل بين الفتيان والفتيات التي تقوم عليها المدرسة اليهودية للبنات في جربة. البرلمانية السابقة ناديا شعبان وهي أحد النواب الذين كتبوا دستور تونس بعد الثورة (2014) الذي ينص على المساواة بين الجنسين وعلى مدنية الدولة، كتبت في تويتر: "لماذا القبول بعدم الاختلاط بين الجنسين؟ من غير الطبيعي عدم تطبيق القوانين بنفس الطريقة على الجميع…في جربة افتتاح مدرسة يهودية للبنات".

تعليقات أخرى اعتبرت افتتاح المدرسة ضربة لكل الجهود التي تقوم بها تيارات المجتمع المدني في تونس لتكريس المساواة، فيما حذر آخرون من المس بحقوق الطفل.

هل الفصل يكرس النجاح؟ 

افتتاح المدرسة اليهودية للبنات تزامن مع دعوة رضوان مصمودي رئيس مركز الدراسات عن الإسلام والديمقراطية والمعروف بقربه من حركة النهضة الإسلامية بالفصل بين البنين والبنات في المدارس. مصمودي صرح لإذاعة “كلمة" التونسية الخاصة بأن المدارس غير المختلطة هي “الأنجع من حيث النظام التربوي بحسب دراسة” لكنه لم يذكر اسم الدراسة التي يستند إليها في تقييمه.

ادعى مصمودي أن التلاميذ في المدارس غير المختلطة “أكثر تركيزاً” ولا “يولون اهتماماً بالجنس الآخر في المدارس المختلطة” على حد قوله. لكن مقاربة مصمودي التي لم تذكر مرجعيتها بشأن الدراسة التي ذكرها جاءت في سياق تنديده بغلق المدارس القرآنية في تونس قبل أشهر قليلة بعد واقعة مدرسة الرقاب في سيدي بوزيد وسط تونس التي كشفت تجاوزات خطيرة تمس من سلامة التلاميذ الجسدية والنفسية وتقصير أولياء أمورهم. تزامُنُ تصريح المسؤول الإسلامي مع قصة المدرسة اليهودية للبنات قد يقدم فرصاً أكبر للمدافعين عن الفصل بين الجنسين بالاستدلال بوجود مدرسة يهودية لا مكان فيها للأولاد فلماذا غلق مدارس “ إسلامية" كانت فقط للذكور بحجة عدم احترامها القانون؟ يتساءل البعض.

مدارس قرآنية…غير مختلطة

فتح مدرسة يهودية لا اختلاط فيها يذكر المتابعين بقضية المدرسة القرآنية في الرقاب في سيدي بوزيد وسط تونس التي تفجرت في فبراير من العام الجاري بعد كشف النقاب عن تجاوزات خطيرة بها: اعتداءات جنسية على تلاميذ قُصّر من قبل تلاميذ في سن الـ 18 ونشر أفكار متطرفة وانتشار الأمراض وسط تقاعس الأولياء وعدم متابعتهم لأحوال أبنائهم، ما جعل السلطات تغلق المدرسة وتعتقل صاحبها ثم تخلي سبيله لاحقاً. مدرسة الرقاب فتحت ملفات مدارس قرآنية أخرى هي بالأساس مدارس لا اختلاط فيها وسط اتهامات لبعضها بنشر التشدد.

قوانين الاختلاط في المدارس 

بعض التونسيين قالوا آنذاك إن أولياء أمور الأطفال في مدرسة الرقاب يتحملون جزءًا كبيراً من المسؤولية لأنهم تركوا أطفالهم داخل مدرسة طيلة أشهر دون تفقدهم، التلاميذ كانوا يبيتون مختلطين أطفالاً وشباباً بالمبيت المرفق بالمدرسة، وتقول مصادر إن شاباً بالغاً منهم اعتدى جنسياً على قُصّر، وكشفت التحريات أن التلاميذ يعانون جراء الإهمال عدة أمراض مثل الجرب، وينتشر القمل في رؤوس بعضهم، فضلا عن ذلك يتلقون أفكاراً متطرفة.

مباشرة بعد غلق مدرسة الرقاب وإقالة مسؤولين محليين في سيدي بوزيد واستجواب وزراء من قبل البرلمان، أغلقت السلطات التونسية عدداً كبيراً من المدارس القرآنية في محتلف الجهات، وسال حبر كثير عن ممولي هذه المدارس والأفكار التي تنشرها، فيما دافع آخرون عنها منددين بغلقها بل ذهب بعضهم إلى حد اتهام الدولة بضرب الإسلام.

الحقيقة أن قانون منع الفصل بين البنات والأولاد في المدارس تفرضه وزارة التربية التونسية وأكدته العام الماضي من خلال منشور جديد ونصت أنه يمنع "منعاً باتاً تخصيص أقسام أو فضاءات للإناث، أو تعمد الفصل بين المتعلمين والمتعلمات في الفصول أو قاعات المراجعة أو الساحات أو الملاعب الرياضية أو المركبات الثقافية".

المنشور الوزاري المشار إليه حذر من أن مخالفة هذه الأحكام تمثل "خطأ تأديبياً فادحاً يؤدي إلى تطبيق الإجراءات التأديبية ضد مرتكبيه وفقاً للقوانين المعمول بها".

هذا المنشور “الصارم” أشير إليه في قضية مدرسة الرقاب وكانت النتيجة غلق المدارس التي خالفت القانون، لكن المنشور في قصة المدرسة اليهودية يبدو خارج المنظومة، وكأنّ مدرسة البنات اليهودية غير معنية البتة به، وهذا ما يجعل من الكثيرين يعارضون وجودها لا من باب العداء للمكون اليهودي في تونس بل من باب رفض التمييز الذي يجعل هذه المدرسة فوق القانون أولاً ومن باب الدفاع عن مدنية الدولة وقوانين المساواة التي تخوض الدولة حربًا حقيقية الآن لتبني قوانين جديدة بشأنها مثل قانون المساواة في المواريث بين المرأة والرجل والذي يلقى معارضة من قبل شق واسع من الإسلاميين، ثانياً.

 كيف ردت وزارة التربية؟

في خضم الجدل الذي أثارته قضية المدرسة اليهودية للبنات في جربة، سارعت وزارة التربية على لسان ممثلها في جربة بنفي علاقتها بالمدرسة المذكورة، وقال منجي نصر المندوب الجهوي للتربية في ولاية مدنين إن هذه المدرسة أشبه "بكتاتيب تعود يهود جربة على إرسال أولادهم إليها لتلقين ثقافتهم لأبنائهم بالموازاة مع تعليمهم العادي”. بدوره نفى وزير السياحة رونيه طرابلسي أنه دشن المدرسة بمناسبة حج الغريبة وقال إنها تأتي في سياق تنفيذ "وصية إمرأة يهودية طالبت بتشييد مدرسة للفتيات اليهوديات بسبب عادات تمنع الفتاة اليهودية من الاختلاط بالذكور بعد سن 15". وقال إن المدرسة تقدم دروساً في العلوم وليست مختصة بالتعليم الديني.

 لكن تصريح طرابلسي يحيل رأساً إلى تبريرات قدمها المدافعون عن المدارس القرآنية بدورهم حين مانعوا غلقها مقدمين أسباباً دينية إسلامية تمنع الاختلاط بين البنات والبنين، وهو مبرر تقول الدولة إنه لا يلزمها فتونس دولة مدنية وإن كان دينها الإسلام ووزارة التربية فيها تنص إجبارياً على الاختلاط في كافة مدارسها مثلما يقول منشورها المذكور أعلاه.

فما الذي يجعل من هذه المدرسة اليهودية مستثناة من القوانين؟ 

افتتاح المدرسة اليهودية للفتيات في جربة لاقى ابتهاج يهود خارج تونس واحتفى الحاخام الفرنسي موشي لوين بها فكتب: “تدشين مدرسة يهودية مساحتها  1300 متر مربع على أرض الإسلام هذا حدث استثنائي..المجد لهذه المدرسة التي تحمل اسم كانفيه يونا”.
نفى وزير السياحة رونيه طرابلسي أنه دشن المدرسة وقال إنها تأتي في سياق تنفيذ "وصية إمرأة يهودية طالبت بتشييد مدرسة للفتيات اليهوديات بسبب عادات تمنع الفتاة اليهودية من الاختلاط بالذكور بعد سن 15".

رسمياً توجد في تونس 6 مدارس يهودية من بينها مدرستان في جزيرة جربة أهمها مدرسة “ربي شالوم حداد" التي يرجح تأسيسها في القرن الثامن ميلادي ويتتلمذ فيها في الوقت الحالي 120 تلميذاً تقريباً يتلقون تعليماً دينياً وآخر علمياً.

المدارس اليهودية في تونس

رسمياً توجد في تونس 6 مدارس يهودية من بينها مدرستان في جزيرة جربة أهمها مدرسة “ربي شالوم حداد" التي يرجح تأسيسها في القرن الثامن ميلادي ويتتلمذ فيها في الوقت الحالي 120 تلميذاً تقريباً يتلقون تعليماً دينياً وآخر علمياً. لكن في جهات أخرى في تونس، يتتلمذ يهود تونسيون في مدارس حكومية وأخرى فرنسية لائكية.

في يناير/كانون الثاني 2018 تعرض بهو مدرسة يهودية في الحارة الكبيرة في جربة لاعتداءات بالزجاجات الحارقة يومها قال بيريز طرابلسي رئيس الجالية اليهودية إن الاعتداء جاء في سياق احتجاجات كبيرة تشهدها تونس منذ أيام ضد قانون المالية الجديد الذي يرفع أسعار بعض المنتجات والخدمات ويفرض ضرائب جديدة أي أنه اعتداء لم يكن موجهاً قصداً للمدرسة دون سواها.

تاريخ مدارس يهودية أخرى

تاريخياً، تأسست مدارس تابعة للرابطة الإسرائيلية العالمية في القرن الـ19 بالمغرب وتونس، الرابطة الإسرائيلية تأسست عام 1860 وكان هدفها بحسب إعلان تأسيسها “رفع الأفكار المسبقة والقضاء على التمييز الذي يطال اليهود”. الإعلان كان يقول إنه يتولى الدفاع عن جميع الأقليات اليهودية وغير اليهودية. في تلك الفترة 1860-1872 تأسست 5 مدارس دينية يهودية في تونس احتضنت أكثر من 3500 تلميذ.



صراع من أجل البقاء

جزيرة جربة التي تحتضن المدرسة اليهودية للبنات، تسكنها أهم مجموعة من اليهود التونسيين، ورغم تقلص أعدادهم من 100 ألف يهودي قبل عقود إلى 1200 يهودي في الوقت الحالي، يقول الباقون منهم إنهم لا يعتزمون مغادرة تونس وإنها أرضهم. وكان تعيين رونيه الطرابلسي وزيراً للسياحة العام الماضي وهو أول وزير يهودي الديانة في حكومة تونس منذ 5 عقود مؤشراً على تطبيق المساواة بين المواطنين واحترام التعددية الدينية.

والمشكلة في المدرسة اليهودية للبنات ليست دينية بدليل ترحيب قسم واسع من التونسيين بحج اليهود إلى الغريبة كل عام، بل تتعلق بانتهاك المساواة بين الجنسين وعدم تطبيق القانون وكأنه يفاضل مدرسة عن أخرى حتى لو كان القصد التأكيد على حرية الممارسة الدينية واحترام المكونات الدينية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard